بناء جيش موحد يختبر قدرة السودان على إرساء السلام

المحاصصة وفرض النفوذ من جهات دون أخرى يعتبران من أهم التحديات

29

يتصدر تأسيس جيش سوداني موحد واجهة الجدل بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية ضمن ملفات الترتيبات الأمنية المصاحبة لعملية السلام الشامل، رغم أن الجميع لديهم إصرار على تنفيذ هذه الخطوة مهما كانت التكاليف.

ويرى محللون أن المحاصصة وفرض النفوذ من جهات دون أخرى يعتبران من أهم التحديات، التي تواجه تكوين جيش موحد ولا يخفون خشيتهم من أن البعض من المكونات ربما ستحاول السيطرة على الجيش في المستقبل، مما قد يجعل البلاد أمام احتمال العودة إلى المربع الأول من الأزمة.

ولكن ولأن الجميع لديهم إصرار على إنهاء التوترات في الأقاليم، التي يتشكل منها السودان، فإن هناك عدة بوادر حقيقية كما يراها كثيرون، قد تؤسس لعملية سلمية قوامها احترام بنود الاتفاق بما فيها مسألة المحاكمات التي ستقتصر فقط على المسؤولين في نظام البشير.

وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان قد أكد اعتزامه العمل مع “صناع السلام” لبناء “جيش وطني موحد”، وذلك بعد وقت وجيز من وصول قوات تابعة لحركة تحرير السودان فصيل أركو مناوي، الموقعة على اتفاق السلام مع الحكومة إلى مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور غرب البلاد لمناقشة تنفيذ بند الترتيبات الأمنية لاتفاق السلام.

وقبل ذلك وصل إلى الخرطوم الأحد الماضي زعماء كل من الجبهة الثورية الهادي إدريس، وحركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، والحركة الشعبية/ قطاع الشمال مالك عقار، وحركة تحرير السودان/ فصيل مناوي، وكل هذه تعد مؤشرات على أن الجميع يحدوهم الأمل في تنفيذ هذه الخطوة في أقرب وقت ممكن.

وبروتوكول الترتيبات الأمنية كما يُسمى، جزء من ستة بروتوكولات اتفقت عليها الأطراف المتنازعة الصيف الماضي، وتشمل تقاسم السلطة وتقاسم الثروة والعدالة وعودة اللاجئين والنازحين وبروتوكول إعلان المبادئ.

ووقعت الحكومة السودانية والجبهة الثورية في مسار دارفور، في أواخر أغسطس الماضي، بروتوكولا للترتيبات الأمنية. وتتضمن هذه الترتيبات تشكيل قوات مشتركة بين الحكومة والحركات المسلحة، باسم القوى الوطنية لاستدامة السلام في دارفور، لحفظ الأمن وحماية المدنيين في الإقليم.

وجاء في نص الاتفاقية أن “الغرض النهائي من هذه الاتفاقية أن تكون القوات المسلحة السودانية بعقيدتها العسكرية الجديدة التي تحمي الوطن والمواطن والدستور، الجيش المهني الوطني الوحيد ودمج كافة القوات الأخرى المتواجدة على الأراضي السودانية في جيش وطني مهني موحد”.

وستحصل تلك القوات على دعم لوجستي وتسهيلات من بعثة حفظ السلام الدولية التي ستراقب بدورها الأوضاع.

ويشهد إقليم دارفور منذ 2003 نزاعا مسلحا بين القوات الحكومية وحركات متمردة، أودى بحياة حوالي 300 ألف شخص، وشرد نحو 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

ومن المفترض أن يتم إدماج مقاتلي المجموعات المتمردة تدريجيا في قوات الأمن الحكومية. وقد تم وضع جدول زمني لتدريب ثم إدماج هؤلاء المقاتلين، ولكن ذلك مرتبط أيضا بكيفية تقاسم السلطة بين هذه الأطراف.

ويرى عسكريون سودانيون أن إعادة تشكيل الجيش السوداني تحت أي مسمى (جيش موحّد أو جيش قومي)، لا تتسق مع المنطق السليم، كذلك فإن الحديث عن دمج قوات الحركات فيه بنسب تتساوى وعدد الجيش الحالي في كل مستوياته ورتبه، من المفترض أن يجري وفقا لنظم وترتيبات أمنية وعسكرية متعارف عليها، كي لا يمثل ذلك خطرا عليها.

واعتبر القيادي بالحرية والتغيير كمال بولاد في تصريحات صحافية في وقت سابق هذا الأسبوع أن تكوين جيش وطني موحد يواجه عددا من التحديات يأتي على رأسها الاتفاق مع الحركات المسلحة على طريقة الدمج وأيضا الإرادة السياسية الضرورية لتكوينه بالإضافة إلى طبيعة المؤسسة العسكرية الآن.

وتقتضي الضرورة إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على ضوء دورها التاريخي الذي يجب أن يتكامل مع شعارات وأهداف الثورة ومعالجة التشوهات التي لحقت بها جراء تيار الإسلام السياسي، الذي كان يمثله الرئيس المخلوع عمر البشير خلال الثلاثين عاما الماضية.

ويؤكد المهتمون بالشأن السوداني أن كافة الأطراف الموقعة على اتفاق السلام عليها إعادة مراجعة كيفية مشاركة الحركات المسلحة والميليشيات المختلفة وفق العقيدة الوطنية التي ينبني عليها الجيش دون تجاهل مسألة أن استيعاب الرتب العسكرية يجب أن يكون وفق ضوابط المؤسسة العسكرية.

وتمثل مسألة الدمج من بين العراقيل التي تقف أمام تأسيس جيش موحد لأنه يتطلب معرفة تصنيف الأفراد وتوظيفهم حسب تخصصاتهم وعليه يتم إسناد الرتب العسكرية وهنا سيتحتم على الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة دراسة كافة الجوانب والتفصيلات لتفادي أي مشكلة قد تعترضهم خلال السنوات القادمة.

ويأمل المراقبون في نجاح الاتفاق ولكن العديد منهم عايشوا من قبل انهيار اتفاقيات مماثلة، فضم متمردين إلى قوات نظامية ليس دائما بالأمر السهل باعتبار أن بناء السلام والثقة بعد سنوات من الحرب مسائل تأخذ وقتا، كما أن توسيع عملية بناء الجيش لتشمل اللاجئين والنازحين وبعض المسارات غير الموجودة ضمن اتفاق السلام، من بين التحديات الأخرى التي يتوجب على الجميع أخذها بعين الاعتبار.

العرب

التعليقات مغلقة.