الإمام الصادق المهدي.. قمراً مضوي وغاب فُرقك شوانا (٣)

32


عبد الله علي إبراهيم
عتبت على اليسار مرات لتجاهله نازعات حداثية لافتة في الميدان الذي يصفه بـ “التقليدي”. كانت النازعة الأولى التي تباعد عنها هي الحركة النقابية التي انتظمت القضاة الشرعيين في الخمسينات ومعلمي اللغة العربية والدين في الستينات وما بعدها. فلم يستوعب نقابة القضاة الشرعي في منظومة اتحاد نقاباتهم برغم أنهم مظلومون ظلم الحسن والحسين من سلطان القسم المدني وقضاته. ولم يخطئ اليسار في إهمال الظلم الواقع على مدرسي العربية والدين بل اضطرهم لتكوين نقابة منفصلة عن نقابة معلمي العلوم الحديثة وفي خصومة معها. وطلب القضاة والمعلمون التقليديون خلاصهم بثمن فادح دفعه اليسار المتغافل. ويكفي أن من قاد الحملة الشعواء لحل الحزب الشيوعي في ١٩٦٥ كان مدرساً للعربية والدين ركز الجميع على هويته الإسلامية لا المهنية. والدليل قائم أن الهوية الأخيرة هي مبعث مطلبه لحل الحزب الشيوعي وقد حمل حتى الحركة الإسلامية عليه وهي تجرجر قدميها. وما نزال نحمل بغير تحليل وفهم وشفافية وزر معارضتنا لتحول معهد أم درمان العلمي لجامعة، هي الإسلامية، بل وردنا للجامعة معهداً في أيام تمكننا قصير الأجل في دولة انقلاب ٢٥ مايو.
كتبت عن تثاقل اليسار في الوجوه المذكرة أعلاه هناك وهناك. ولكني طرأ لي أن أفكر مؤخراً، حيال حملة اليسار الشعواء ضد الإمام الصادق المهدي، إن كنا أحسنا فهم محاولته لتحديث حزب الأمة وكيان الأنصار في الستينات. وهي الحملة التي أدت إلى انقسام الحزب إلى جناح الإمام (السيد الهادي) وجناح الصادق. واتيح لي أخيراً الوقوف عند مجازفة الإمام الصادق تلك التي سماها بليغ “حداثوإرثية” للخروج بالحزب والأنصار إلى رحاب الحداثة. وتجد أدناه ما عنُ:

تم في مارس 1963 اجتماع أنصاري مثير الأجندة. فقد التقى وكلاء الإمام (المرحوم الهادي المهدي وقتها) للتعبئة لمقاطعة انتخابات المجس المركزي الذي اصطنعه نظام الفريق عبود لتغطية عورة استبداده. وكان بين أجندة الاجتماع مناقشة البرنامج السياسي لحملة المقاطعة. وجاء فيه بند عجيب هو تصفية علاقات الإنتاج القديمة في الجزيرة أبا (أي في مشروعات دائرة المهدي الزراعية) وتحويل الجزيرة ملكاً تعاونياً للأنصار، وأن تتبنى ذلك دائرة المهدي (سيرة في مسيرة. السيد الصادق، الجزء الأول، 171.
مؤكد أن السيد الصادق المهدي هو الذي كان من وراء ذلك الإلغاء لتلك العلاقة التي لم تظلم الأنصار في الجزيرة أبا فحسب بل حملتهم للاحتجاج عليها. وهي العلاقة التي وصفناها بالعلاقة شبه” الإقطاعية” في محاولاتنا الماركسية الباكرة لتحليل نظم الإنتاج وعلاقتها في السودان. وكان الإمام الصادق أدرك سوء صيتها على الأنصار في صباه قبل أن يصطدم بها عند خصومه في ميدان السياسية. فلم يعجبه في ميعة الصبا رفاه الأسرة الذي اعتادته بعد الحرب العالمية الثانية من جراء ارتفاع اسعار القطن الذي تنتجه دائرتهم في أبا. فكان داعية اخشوشان لتأمين بيت في عين العاصفة. وكان عاش في حي العباسية بأم درمان بين أترابه وكان مثلهم له “طبلية” يكدح بها كدحاً.
كره الإمام الصادق طفلاً ظاهر النعمة التي طرأت على أسرتهم بما لا يتفق مع حسه الصبي بالسواسية. فكتب يحتج على ذلك التنعم في 1952 وقد بلغ السابعة عشر من العمر لوالدته من مصر حيث كان يدرس بكلية فكتوريا بالإسكندرية. فاعتراض على الثراء الذي صار يحدث عن نفسه على أفراد الأسرة. بل كاتب جده، الإمام عبد الرحمن المهدي، يحتج على سكنى القصور وتجليات الثراء وسطهم. وجاء في خطابه لوالدته عبارة قوية في الصدد تساءل فيها عن غزو أفراد الأسرة للبلاد الشرقية سياحة بعد غزوهم أوربا لعام مضى. وتساءل بصورة لم تخل من تهكم: أهذا مفعول الحر أم مفعول القطن؟ وكان ذلك من أعوام ارتفاع أسعار القطن، منتوج مشاريع دائرة المهدي الرئيس، عالمياً فسعد بها كل من ارتبط بزراعته.
ولم يخمد فيه جمر عدائه لمن كسروا المهدية. فكان ذا شدة في نكيره على الإمبريالية. وما وقع العدوان على مصر عام 1956 حتى طلب من جده السيد عبد الرحمن أن يعيد للمستعمرين خُلعهم ونياشينهم احتجاجا وموقفاً. وكان تساءل في ختام خطابه لأمه محتجاً على تفرج الأسرة بالنعم: “آه لو كان الأمر لي!”. وها نحن نراه يلغي علاقات إنتاج دائرة المهدي مصدر ثراء الأسرة في 1963 ولما لم يؤول كل الأمر له بعد.
في اليسار بذار. ويعميه مطلبه بالحصة الكاملة من غرضه دون الحفاوة بالشذرات منه.

التعليقات مغلقة.