سدّ النهضة وعلاقات جنوب السُّودان مع إثيوبيا و مصر

25

أتيم قرنق ديكويك

العلاقات الدبلوماسية بين الأمم تخضع لأسس ومبادئ ثابتة وان كانت قد تتذبذب وتتماوج إلا أن كل دولة تحاول الالتزام بتلك الأسس والمبادئ. وأحد تلك المبادئ الأساسية هو مبدأ أن كل علاقة لا بد أن تكون مفيدة وذات منفعة للدولة، وذلك بناءً على دراسات أمينة ودقيقة، بمعنى آخر لا بد أن تستفيد الدولة وشعبها من مثل تلك العلاقات. ومتى تجاهلت الدولة هذا المبدأ تعتبر علاقتها مبنية على العبثية وعدم الاهتمام. بناء على ما تقدم نريد أن نقارن بين علاقات جمهورية جنوب السودان مع كل من إثيوبيا ومصر . ماذا نريد نحن أن نستفيد من علاقتنا مع كل منهما وماذا تريد كل دولة منهما أن تستفيد من علاقاتها معنا؟
علاقة جنوب السودان مع مصر قديمة ومتذبذبة ما بين القهر والاستغلال والصداقة. العلاقات الجنوب سودانية المصرية تعود إلى القرن التاسع عشر عندما تم احتلال السودان وجنوب السودان من قبل محمد علي باشا؛ ومن بين أسباب غزو مصر لجنوب السودان كان لاستعباد السود كعبيد للعمل في الزراعة والجندية من أجل تنمية مصر من ١٨٢١ حتي ١٨٨٥. ومرة أخرى في القرن العشرين تمكنت مصر مع الإنجليز من احتلال السودان بما فيه جنوب السودان واستمر حكمهما واستغلال مواردنا من سبتمبر ١٨٩٨ حتي نهاية ١٩٥٥، لكن مصر بدأت تتقارب مع جنوب السودان بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام ١٩٧٢ والتي بموجبها نالت جنوب السودان الحكم الإقليمي الذاتي. منذ عام ١٩٧٣ حتى اليوم تقدم مصر مئات المنح والبعثات الدراسية وقبول طلاب جنوب السودان في جامعاتها على أمل خلق علاقات قوية صديقة تمحو وتزيل ما حدث في الماضي بين الشعبين، ويترتب على مثل هذه العلاقة الودودة حسب حسابات مصر، في تصوري، هندسة مياه النيل داخل جنوب السودان من أجل أن تنساب المياه المحتجزة في منطقة المستنقعات أو (السدود) عن طريق حفر قناة جونقلي! ومصر كانت موقفها من حرب التحرر أكثر حياداً ولم تقف ضد الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان.
أما علاقات جنوب السودان مع إثيوبيا فهي حديثة نسبياً وتعود إلى لجوء أعداد كبيرة من مواطني جنوب السودان إلى إثيوبيا من ١٩٦٣ إلى ١٩٧٢ وهي فترة حرب الأنيانيا، غير أن هناك ما هو أهم في علاقات جنوب السودان مع اثيوبيا وهو وجود قوميات مشتركة ببنهما ومن بينها (الانيواك) و(النوير) و(الكشيفو) و(النياقاثم)، ولذا فالعلاقة هنا متصلة ومتداخلة جغرافياً ووجدانياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. وتاريخياً من المعروف أن اتفاقية أديس أبابا تمت التوصل عليها من خلال مجهود إثيوبي آنذاك. كما أن الدور الإثيوبي هو الأساس في حرب جنوب السودان ضد نظام الخرطوم من ١٩٨٣ إلى ٢٠٠٥ وترتب على ذلك استقلال جمهورية جنوب السودان عام ٢٠١١. أتصور أن إثيوبيا كانت تحاول أن تقول للخرطوم أن تتوقف عن مساندة ودعم الذين كانوا يقاتلون ويطالبون باستقلال إريتريا وإلا فنحن سنساند وندعم مقاتلي جنوب السودان المطالبين بالانفصال؛ وما حدث في كل من إثيوبيا والسودان واضح ومعروف لنا وهو جزء من تاريخ القرن الأفريقي الحديث. ومنفعة إثيوبيا من علاقاتها مع جنوب السودان تبدو انها تريد أن تكون جنوب السودان حليفة لها إقليمياً ودولياً وتكون سوقاً لمنتوجاتها ولذا سفلت العديد من طرقها التي امتدت حتي حدود جنوب السودان على أمل أن تربط جنوب السودان طرقها بالطرق الإثيوبية المسفلتة.

من هنا يمكننا أن نقول إن كل من إثيوبيا ومصر لها ما تريدها من جنوب السودان حالياً ومستقبلاً، لكن ماذا تريد أن تجنيها جنوب السودان من علاقاتها مع كل من اثيوبيا ومصر؟
إثيوبيا يمكن أن تكون حليفة قوية لو تصرفنا نحوها بصدق ودبلوماسية لأن هناك قوميات مشتركة بيننا وحدود طويلة مشتركة وهناك نهري أكوبو وبارو يمكننا أن نضع خطط مشتركة للاستفادة منهما من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية المشتركة. وقد بدأت اثيوبيا قبل سنوات في منح بعثات تعليمية قبول طلاب جنوب سودانيين في مؤسساتها التعليمية العليا. أما في ما تتعلق بمصر يمكننا الاستفادة منها في الدعم الدبلوماسي دولياً وفي مجال التعليم والتدريب المهني.

لكن السؤال الكبير هو أين تقف جنوب السودان من قضية سد النهضة المقام على النيل الأزرق وهو نهر لا يمر في جنوب السودان. اعتقد من الأفضل حالياً أن تقف جنوب السودان مع من ينادي بالتوصل لحل سلمي بين إثيوبيا ومصر والسودان. لكن يجب أن يعرف كل مواطن/ة جنوب سوداني/ة بأن مصر إذا استخدمت القوة لمنع ملء سد النهضة فإنها بكل تأكيد سوف تستخدم مثل تلك القوة على أي منشأة تقيمها جنوب السودان على نهر النيل داخل أراضيها! مصر تريد أن تقول لنا بالواضح بالا نقيم أي سد على اأي نهر داخل أراضينا إلا بإذن منها اذا قبلنا بموقفها نحو سد النهضة.

إن قضية سد النهضة من المفترض أن تتخذها قادتنا كأحد المؤشرات لما قد تواجهنا من مصر متي قمنا، حالياً أو مستقبلاً، ببناء سداً فوق شلالات فولا أو غيرها من أجل توليد الطاقة الكهربائية. لو وقفنا مع مصر في هذه القضية تكون قد سلمنا لمصر امر هندسة كل نهر وخور تنساب فيه ماء داخل جنوب السودان؛ لأنك لا يمكن أن تبني بدون الضوء الأخضر من مصر ! وعلي ضوء هذا إذا ما وصلت الأمور لطريق مسدود فيما يتعلق بسد النهضة فأنا سأقف مع إثيوبيا من أجل إلا نمنح مسؤولية هندسة وترشيد وإدارة مياه النيل داخل أراضينا لمصر.

مياه نهر النيل يمكن أن تكفي سكان حوضه من المنبع إلى المصب، إذا تخلت مصر من لغة: أن نهر النيل بطوله ملك لها. تكفينا هذه المياه إذا اتفقنا بأن نهر النيل ملك لكل الأمم الواقعة على طول حوضه، ونترك النهر ومياهه للأجيال القادمة، والوئام والسلام والاتفاق والتعاون هي التي تسود من أجل إدارة وهندسة والاستفادة القصوى من تلك المياه لكل ساكن في حوض هذا النهر السرمدي.

التعليقات مغلقة.