خلاف حاد في السودان حول «مجلس الشركاء» وحمدوك يطالب بتغييرات جوهرية في تركيبته

54

الخرطوم ـ عمار عوض

تصاعد الجدل في السودان حول مجلس شركاء الحكم، الذي كشف أمر تشكيله، برئاسة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، وعضوية رئيس الوزراء، عبد حمدوك، و26 آخرين، يتوزعون ما بين قيادات عسكرية وسياسية والقوى الموقعة على اتفاق السلام. فالمجلس الذي له صلاحيات مطاطية ومهام مبهمة، حسب تسريبات، رفض حمدوك صيغته، وفيما
أكد رئيس الجبهة الثورية، الهادي إدريس على ضرورة قيام المجلس لإحكام التنسيق وتشكيل حكومة متجانسة وفعالة في كل المستويات، اعتبر نائب رئيس الحركة الشعبية، ياسر عرمان أن «الفكرة تعرضت لسوء تطبيق وهجوم من خصومها رغم صحة جوهرها».
وتسرب ليل أمس الأول خطاب بتوقيع البرهان يقضي بتشكيل مجلس لشركاء الحكم الانتقالي في السودان، وفقا للمادة 80 من اتفاق السلام، وتحت رئاسته بجانب 5 أعضاء يمثلون المكون العسكري من بينهم الفريق عبد الرحيم دقلو، شقيق نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي» الذي احتفظ بعضويته في المجلس الجديد إلى جانب 13 من «الحرية والتغيير» و7 من قادة الجبهة الثورية الموقعين على اتفاق السلام، يُضاف إليهم عضوان بعد عقد مؤتمر لمناقشة قضايا شرق السودان وفق اتفاق جوبا الأخير.

مهام فضفاضة

ونص قرار التشكيل على أن مهام المجلس تتمثل في «توجيه فترة الانتقال بما يخدم مصالح السودان العليا وحل التباينات في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وحشد الدعم اللازم لإنجاح الفترة الانتقالية، إضافة إلى أي سلطات أخرى لازمة لتنفيذ اختصاصاته وممارسة سلطاته» وهو ما اعتبره مراقبون صلاحيات ومهام «فضفاضة» للغاية و«حمالة أوجه» و«غير محكمة قانونياً». وفور تسرب قرار تشكيل المجلس أكدت مصادر مقربة من حمدوك لـ«القدس العربي» على عدم رضى الأخير على الطريقة والشكل الذي خرج به قرار التشكيل.
ووفق المصادر، حمدوك «لن يشارك في المجلس إذا لم يتم إجراء تعديلات مهمة عليه تتضمن تعيينه نائبا لرئيس مجلس الشركاء، وفق ما اتفق عليه، والإقرار بوضوح في النص، أن دور مجلس شركاء الحكم الانتقالي تنسيقي وتشاوري ولا يتدخل في عمل الجهاز التنفيذي والتشريعي والسيادي وفق ما جرى الاتفاق عليه في المشاورات، إلى جانب تعين اثنين من وزراء الحكومة في عضوية المجلس ورفع تمثيل النساء فيه بقدر واضح».
نائب رئيس «الحركة الشعبية» ياسر عرمان، أشار في حديث مع لـ«القدس العربي»: إلى «التباينات التي شابت تكوين مجلس الشركاء بين أطراف الحكومة».
وزاد: «الفكرة تعرضت لسوء تطبيق من الراغبين فيها، بما في ذلك تجاهل التمثيل المعتبر للنساء وتوسيع الصلاحيات، كما تعرضت الفكرة للتشويه من خصومها رغم صحة جوهرها، وتحتاج إلى إعادة نظر حتى لا تصبح أزمة من الأزمات الراهنة التي تشمل كورونا والأوضاع المعيشية وغيرها، علينا ايجاد نظرة كلية وشاملة حتى تسهم اتفاقية السلام في إعادة إنتاج الفترة الانتقالية».
وكان قرار التشكيل ضم من «الحرية التغيير» امرأة واحدة هي نائب رئيس حزب «الأمة» مريم الصادق المهدي. وعن حزب الأمة أيضاً اختير اللواء فضل الله برمة ناصر رئيس الحزب المكلف. ومن الذين تم انتقاؤهم كذلك، علي الريح السنهوري رئيس حزب البعث العربي، وبابكر فيصل رئيس التجمع الاتحادي، وعمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، وجمال إدريس رئيس الحزب الناصري، ومحمد ناجي الأصم و 6 أخرين من قيادات الائتلاف الحاكم.

مظلات فارغة

في السياق، عبر رئيس حركة «تحرير السودان» مني أركو مناوي، عن اعتراضه على إعطاء 13 مقعد لـ«الحرية والتغيير».
وقال «هناك أحزاب قليلة في الحرية والتغيير لها وزنها مثل حزب الأمة والتجمع الاتحادي أما البقية، عبارة عن مظلات فارغة لا تستحق التمثيل بهذا العدد». وسارع تجمع المهنيين القيادة المنتخبة لرفض المجلس «شكلا وموضوعا» حسب بيان أصدره أمس.
وذكر البيان أن المجلس المستحدث يمثل «التفافا جديدا على آليات مراقبة وتوجيه الفترة الانتقالية، التي يمثلها المجلس التشريعي، والذي يجب أن يتم تشكيله بمعايير تعكس وزن وتنوع القوى الثورية في السودان».
وتابع أن ذلك يأتي في إطار «مواصلة منهج فرض ترتيبات منافية لروح ثورة ديسمبر (كانون أول 2018) وأهداف الفترة الانتقالية، إذ جاء إعلان تشكيل ما يسمى بمجلس شركاء الفترة الانتقالية، الذي نرفضه شكلا وموضوعا».
وأضاف: «ننظر بعين الريبة للمهمة والحرص وراء تشكيل هذا المجلس، مقابل التقاعس والتسويف في تشكيل المجلس التشريعي، والتجاهل التام لتكوين المفوضيات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية»
ودعا التجمع لـ«التصعيد السلمي لمقاومة» ما اسماها «محاولات ضرب الثورة وتجييرها».
في الموازاة، رفض رئيس الجبهة الثورية الهادي إدريس في حوار مع «القدس العربي» (ينشر في العدد الأسبوعي يوم الأحد) أن «يكون مجلس الشركاء هو الحاضنة السياسية الجديدة للحكومة ومن نتائجه تهميش الحرية والتغيير».
وقال «لا أحب كلمة حاضنة سياسية التي أصبحت مستهلكة في السودان، و نحن لا نريد أن يتم إلغاء وجود أي مكون، لكن من المهم الإشارة إلى أن تجربة العام ونصف العام، وما صاحبها من خلافات وإخفاقات جعلت هناك ضرورة لتكوين جسم يجمع كل المكونات، لأننا نحن في الجبهة الثورية صحيح أننا أسسنا الحرية والتغيير لكن الآن أصبحنا كتلة قائمة بذاتها ورئيس الوزراء ليس في الحرية والتغيير وأيضا المكون العسكري، لذا أرتأينا أن يكون هناك جسم يتم عبره التوافق لو حدث خلاف أو تباينات بين المكونات، وحتى يتسنى لهذا الجسم التصدي لها، حتى نكون حكومة متجانسة ولها قدرة على اتخاذ القرارات وتعالج الإشكالات وتخاطب القضايا الحقيقية للمواطن والاقتصاد، هذا كله يحتاج لإعادة هيكلة وكل هذا يحتاج لقرارات حاسمة وضرورية آنيا ومستقبليا».
وزاد: «إذا لم نكن لديك حكومة متجانسة وقوية لن تستطيع اتخاذ هذه القرارات وستغرق في التباينات مثل الفترة السابقة من عمر الحكومة التي قادت لخروج بعض القوى»

انقلاب

وعبرت عضوة المجلس السيادي عائشة موسى السعيد عن رفضها للمجلس الجديد، معتبرة إياه «انقلاباً صارخاً على مبادئ ثورة ديسمبر المجيدة حسب آلية تكوينه وعضويته وصلاحياته». ونقل مقربون منها رسالة لـ«القدس العربي» عبر الوسائط جاء فيها «تواترت أنباء عن الصلاحيات الواسعة التي تعطي هذا المجلس الجديد الحق في البت في قرارات مصيرية قد تفضي إلى نزع صلاحيات وضرورة قيام المجلس التشريعي، وبينما اُتّفق مبدئياً على الدور التنسيقي والتشاوري الساعي لتقريب وجهات النظر لهذا المجلس إلّا أنّ اللائحة المنتشرة لهذا المجلس أصبحت تشير إلى سلطات سياديه وتنفيذية».
وأوضّحت بأن «لديها اعتراضات محددة على مجمل المشهد السياسي في هذه الفترة تشمل تقويض الوثيقة الدستورية وضعف تمثيل النساء على كل المستويات وعدم السعي لإصلاح المؤسسات العدلية والقوات النظامية الأمر الذي عطّل مسيرة التحقيق في الجرائم ضدّ الإنسانية».

أما العضو في مجلس السيادة، صديق تاور، فبين أن «أي تفسير يحاول انتزاع صلاحيات من مجلس الوزراء لمصلحة أي جهة أمر غير سليم».
ووصف ما يجري بـ«محاولات انتزاع السلطات» مشيراً إلى أن ذلك «وضع غير سليم ومحاولة للالتفاف على الوثيقة الدستورية والبحث عن ثغرات تقلب الموازنة، وإن الأوضاع في مفترق طرق بما يتوجب الانتباه والرقابة، وأن الصمت إزاء هذه الأوضــاع من باب التساهل والفتور أو النفس الانتهازي، سيؤدي لحرف مسار الثورة، والناس يجب أن يكونوا ومنتبهين».

«إجهاض الثورة»

كذلك أعلن الحزب الشيوعي رفضه القاطع لتكوين المجلس، معتبرا إياه محاولة أخيرة لإجهاض الثورة.
وقال الناطق الرسمي باسم الحزب، فتحي فضل، إن «التشكيل الحالي محاولة للسيطرة على القرار في الدولة من خلال مجلس شركاء الانتقالية كما أن بعض قوى التغيير تحاول إيجاد بديل لمفهوم المجلس التشريعي».
وتوقع «رفض الشارع والقوى الثورية لقيام مجلس الشركاء» منتقدا توسع مشاركة العسكريين، وأضاف «حركة الشارع موجودة ونتوقع هبة وانتفاضة جديدة وعودة الثوار إلى الشوارع في ديسمبر ضد مجلس الشركاء ولتحقيق أهداف الثورة».

لائحة عمل المجلس

في المقابل، قلل مصدر قيادي في «الحرية والتغيير» من تأثير هذه التباينات العميقة بين أطراف الحكومة حول تشكيل المجلس وطبيعة تكوينه وتشكيله.
وقال لـ«لقدس العربي» دون كشف هويته: «نعم هناك أخطاء متمثلة في تحديد الرئيس وإغفال ذكر نائب الرئيس أي حمدوك، وفق ما اتفق عليه، كما لم تكتب الطبيعة التشاورية غير التنفيذية والتشريعية بألفاظ وعبارات واضحة، لكن هذا لا يهدد قيامه ولا يغير من الحاجة الضرورية له، وستتم معالجة هذه الأمور عبر إقرار لائحة عمل المجلس التي ستنص بما لا لبس فيه طبيعة المجلس التنسيقية وتعيين حمدوك نائبا للرئيس وإضافة الوزيرين المراقبين».
وتابع «هناك حاجة محلة للغاية لوجود هذا المجلس حتى تدار خلافات مكونات الحكم في القضايا المتباين حولها داخل جسم مؤسسي بدلا من نقلها للإعلام مثل ما كان الحال في الخلاف بين حمدوك و(عضو مجلس السيادة شمس الدين) الكباشي في قضية السلام، أو مثل التي حدث إبان لقاء البرهان و(رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو) حيث حصل تباين بين الحرية والتغيير وحمدوك من جهة، والعسكر من جهة أخرى، أو مثل التباين الذي حصل بين حمدوك والعسكر بشأن خطاب حمدوك للأمام المتحدة لإرسال بعثة للسودان».

طرفان مستفيدان

وزاد: «هناك طرفان فقط مستفيدان من عدم قيام هذا المجلس، وهما الطرف الذي كان مستفيدا من غياب مركز موحد للقرار السياسي وأقاموا بدلا عنه مراكز قوى ومراكز ظل، مستفيدين من هذه السيولة، وصاروا يتحكمون في القرار داخل مجلس الوزراء ويحكمون البلد بدون وجه حق، والطرف الثاني هم الذين يسعون لفشل الفترة الانتقالية ويريدون استمرار التناقض داخل مكوناتها وتغذية الخلافات بينها لغياب الجسم التنسيقي المؤسس، ما بين العسكر والمدنيين من جهة، والحكومة والشارع من جهة ثانية والحرية والتغيير وحركات الكفاح المسلح، من جهة ثالثة، حتى ينقضوا عليها كل حسب توجهه اليميني أو اليساري».
إلى ذلك، أعلن رئيس تحرير «المجهر» الهندي عز الدين أحد أكبر الداعمين لرئيس النظام السابق عمر البشير، على نحو مفاجئ تأييده لمجلس الشركاء، معتبرا أن هذا المجلس «سيخلص السودان من سيطرة الحرية والتغيير ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك».
وكتب: «مجلس شركاء الفترة الانتقالية هو مجلس سياسي يمثل الحاضنة السياسية لمكونات الحكم في الفترة الانتقالية، وهو الذي يتولى عملية تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة وإعادة تشكيل مجلس السيادة بموجب الإجراءات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية واتفاقية السلام، وفق الأنصبة المحددة لكل طرف. وقبل تشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية كان المجلس المركزي للحرية والتغيير هو المسؤول عن تشكيل مجلس الوزراء ومجلس السيادة في الشق المدني، وتوجيه الحكومة سياسياً وتنفيذياً، فآلت المهمة الآن لمجلس الشركاء».
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عدلت السلطات السودانية الوثيقة الدستورية، لتشمل تمديد المرحلة الانتقالية نحو 14 شهرا، بعد أن تم إقرار مدتها بـ39 شهرا يبدأ حسابها منذ أغسطس/آب 2019. وتضم هياكل السلطة في المرحلة الانتقالية 3 مجالس، هي: مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي.
وحددت الوثيقة الدستورية تكوين المجلس التشريعي بعد 3 أشهر من بدء المرحلة الانتقالية، لكنه لم يتشكل حتى الآن.
وتأخر تشكيل المجلس التشريعي، بعد أن كان مقررا أن يتم ذلك في يناير/كانون الثاني 2020 حسب جدول زمني لتشكيل هياكل السلطة الانتقالية.

«القدس العربي»

التعليقات مغلقة.