حافظ الأمين يكتب.. حسين بن يوسف الهندي .. رائد العمالة والارتزاق السياسي (١-٤)

107

١- هو رجل الدولة والكوميسار الحاذق قبلها، سليل الطائفية ورائد العمالة والعنف الدموي والتآمر مع الخارج ضد السودان، اسمه حسين يوسف الهندي و لقبه الشريف. ولد الرجل في العام ١٩٢٤ وتولى الوزارة لأول مرة في حياته وهو ابن الاربعين على خلفية من الأعمال والسمسرة التجارية الدولية والحياة الأجنبية في مصر ولبنان وعلى خلفيات اخرى من فصاحة اللسان والعزوة الطائفية والثقافة العروبية واللغة الانجليزية والاعتداد الشخصي و الوفورات المالية والمكانة الاجتماعية كواحد من ابناء القباب السودانية ذات النسب الرسولي الهاشمي.
٢- في خلال اربع سنوات (٦٥-١٩٦٩) شهد السودان مولد اربع حكومات حزبية لنظام حكمه البرلماني العائد للساحة بالتآمر بعد انتفاضة أكتوبر ١٩٦٤. من هذه الحكومات الاربع ترأس محمد أحمد المحجوب (حزب الأمة جناح الامام الهادي) ثلاث حكومات وترأس الرابعة حزب الامة جناح الشاب العائد لبلاده من بريطانيا الصادق المهدي. في هذه الحكومات الاربع لم يغب حسين الهندي عن تشكيلة أي منها لصالح حزبه “الوطني الاتحادي” الذي اندمج في العام ١٩٦٧ مع حزب اتحادي اخر اسمه “حزب الشعب الديموقراطي” وصار اسمه الجديد “الحزب الاتحادي الديمقراطي” والهندي فيه ناعمٌ موجود.
٣- شغل الرجل الرأي العام بتولي ثلاث حقائب وزارية مختلفة في هذه الحكومات الاربع ولكن لا رابط عضوي بينها، وهي على التوالي: وزارة الري، وزارة المالية، وزارة الحكومات المحلية، ثم وزارة المالية مرة اخرى واخيرة في مارس ١٩٦٨ وحتى قيام ثورة الضباط في ٢٥ مايو ١٩٦٩.
٤- عندما تولى انقلاب الضباط الاحرار أمر البلاد فجر ذلك اليوم معلنا قيام سلطة الثورة لم تقم سوى بحل مؤسسات السلطة الفوقية الثلاث: مجلس السيادة، مجلس الوزراء، الجمعية التأسيسية وأعفى عضوياتها من مناصبهم ولم تخطط السلطة الجديدة او تقرر اعتقال ايا منهم، واوعز إلى أعضاء مجلسي السيادة والوزراء وهيئة اركان الجيش البقاء في بيوتهم وعدم مغادرتها وتم وضع حراسة عسكرية امام سُكنى كل فرد منهم (لم يتجاوز عددهم الكلي ثلاثين شخصا).
٥- كان حسين الهندي يسكن احد الدور الحكومية في منطقة الخرطوم شرق، (مصدر اخر ذكر انه كان يسكن في الاستراحة الخرطومية لمشروع الجزيرة في شارع ٣٩ بحي الخرطوم واحد). لم تكن للرجل حياة عائلية فصار داره مقصدا للشباب القادمين اليه من مناطق نفوذ طائفته “الهندية” في النواحي المسماة حاليا بولاية الجزيرة وولاية سنار، وذلك للحصول على المساعدات او فرص التوظيف وإنجاز الأمور الخاصة بهم او بأهليهم بواسطة مندوب دائرتهم “الهندي” في اروقة حكومات الأعوام الاربعة التي لم يغب عنها الرجل.
٦- كان الرجل سعيدا بحياته وبنفوذه في حكوماته وحزبه وبفصاحته وامتلاكه لناصية البيان حينما يتحدث في الجمعية التأسيسية (وهو عضوها بالطبع طالما هو وزير) او حينما ينبري للتصريح إلى الصحف، آية زمانه السياسي.
٧- كان للرجل احساسٌ بأن حكومته قاب قوسين من السقوط ولكن هذه المرة من قبل الجيش وليس البرلمان، وليس الحكومة فقط وانما كل “المنظومة”، فلقد أعيت خلافاتها التداويا ولم يكن الرجل من اهل الشرافة السياسية لإنقاذ اوضاع حكومته الحزبية الاخيرة المزاورة والتي ولدت بانقلاب مدني وتحالف مسترخص بين رئيسي مجلسي السيادة (الازهري) والوزراء (المحجوب) وظل الهندي يطوف الأيام الاخيرة من عمرها قبيل الانقلاب قلقا ومهموما بالبحث عن مخرج ولم يفلح (مذكرات الصحفي المقرب له ادريس حسن).
٨- عاد الشريف متأخرا يوم ٢٤ مايو إلى داره ولم يلتق أحدا من شباب ريفي الجزيرة الذين يملؤون أسرة مسكنه (شهادة أحدهم للكاتب)، وفي فجرية يوم ٢٥ مايو وبعد ان علم الهندي بحقيقة الأمر الواقع الذي لم يكن له من دافع، نهض وغادر مع سائقه الخاص فارا من داره تاركا لها وما وسعت من متاع وضيوف. حضر عسكريو الانقلاب إلى منزل الوزير لابلاغه أمر الثورة البقاء فيه ولما تأكدوا من عدم وجوده وهروبه عادوا أدراجهم.
٩- كان الشريف الهندي ساعتها قد يمم شطر (مديرية) النيل الازرق إلى حيث الارياف والقرى التي تدين بالولاء لطائفة والده الشريف يوسف الهندي واسلافه من أطراف منطقة الحوش قرب مدني وحتى نواحي سنجة البعيدة. فعل ذلك بحثا عن الحماية والمأوى بين اهل الطريقة يوما واثنين ثم اسابيعا، فكان له ما أراد من أمان دونما تهديد يتكبده، فتكلف الاهالي البسطاء من اصحاب الولاء ما تكلفوا من عنت وتوتر، بينما لم يكن لحكومة الانقلاب “الثائر” مسعى للبحث عنه او حتى إعلانه مطلوبا ذلك الحين، فلقد كان امامها ماهو اهم وأخطر وأعجل.
١٠- بذلك الهروب من الخرطوم سجل حسين الهندي في تاريخه وتاريخ التحول الثوري في البلاد انه كان الهارب الوحيد، نكرر الوحيد في كل هذا السودان من وجه السلطة الجديدة، ولم تثنه هذه الحقيقة لتغيير موقفه والرضاء بما رضي به زملاء حكومته من الرضوخ للواقعية السياسية والتاريخية التي جاءت بالتغيير المسلح واختبار امرها ومخبرها ابتداءً.
١١- ابتعد حسين الهندي وزاد ابتعاده وتدرج حاله من مجرد الغضب إلى اعلان الحرب المسلحة على النظام الذي احاله إلى مواطن عادي بلا دولة فانخرط في العمالة الخارجية حتى وصل إلى ذٌراها. بعد ذلك اليوم لم يعد حسين الهندي إلى الخرطوم الا على آلة حدباء جثمانا منقولا بعد ان توفى في العاصمة اليونانية في التاسع من يناير سنة ١٩٨٢ وارسل له ارابيب عمالته طائرة “عسكرية” خاصة لتجوب بجنازته مطاراتهم مودعة في كل من عراق “البعث” وليبيا “الفاتح” لتصل اخيرا السودان صباح يوم ١٥ يناير في حراسة شرطة الدولة فيُصلى عليه في حضور ممثل لرئيس الجمهورية ويدفن إلى جوار ابيه وجده في مقبرة “القبة” دون ضوضاء، فأين كان الرجل طيلة هذه الأعوام الثلاثة عشر وماذا فعل في نفسه ولها وفي بلده ولها؟.

التعليقات مغلقة.