هل صح للمعارضة نفي الإنقاذ عن الإسلام؟ عبد الله علي إبراهيم

71

 

(لم استغرب لخلو الدستور الانتقالي لتسييرية المحامين عن ذكر مصادر التشريع للدولة فيه. وتنمر الفلول عليه فأتهموه بمعاداة هوية الأمة وتقاليدها. والفلول قوم بور. جربوا الإسلام في الحكم لثلاثة عقود وكان للمحكومين رأي آخر على كل حال على حسن إسلامهم. وليس واضعو الدستور بمن يطعن المرء في دينهم بالطبع. ولكنهم فات عليهم في المعارضة طوال عهد الإنقاذ أن يتفكروا في منزلة الشريعة من الدولة. ويسروا الامر عليهم تيسيرا كبيراً بتكفير الإنقاذ وإخراجها من الملة مرة واحدة. وظللت أكافح ذلك النهج الذي حال دون المعارضة والاشتباك (engage) الإسلام يتنزل أمام ناظريهم في جسد الدولة وقوانينها. وكان تكفير الإنقاذ دون ذلك الاشتباك هروباً للأمام. وربما ما يزال).
هذه كلمة لي في 2001 في نقد المعارضة لتكفيرها الإنقاذ فأفقرت عمداً ملكتها في تجسير الدين إلى الدولة بدماثة نيرة:
لست من رأى القائلين إن الإنقاذ دولة تزعم الاسلام وهي ليست منه. ولا أصدر في هذا عن شفقة بها بالطبع. ولكني أخشى أن نقع في محاذير فكرية متي جردنا الإنقاذ من الاسلام. فالذي ينفي الإنقاذ عن الاسلام يورط نفسه في الزعم بامتلاك سلطة تفتيش عقائد الناس والدول وموافقتها للإسلام الصحيح. ويترتب على هذا بالطبع أن يلتزم، لو تحرى الصدق مع نفسه، بالنضال من أجل تنزيل هذا الاسلام الصحيح في الدولة. غير ان المفارقة أنه بينما يكثر دعاة الدولة المدنية في ساحة نزع الاسلام عن الإنقاذ يقلون (او يتلاشون) في النهوض بتبعة البديل الاسلامي لها. وهذا نفاق قادتهم إليه الدعاية السياسية ضد الإنقاذ لا الحرص علي الإسلام، أو الانشغال الجدي بتطبيقه على صورته الصحيحة المزعومة.
خطرت لي هذه الفكرة مؤخراً بعد قول الرئيس البشير إن الإنقاذ إنما جاءت من اجل المساكين. وتساءلت كيف تَنَزل الاسلام علي هؤلاء المساكين خلال 15 عاماً من عمر دولة التزمت به. وكنت قد وضعت هذا السؤال أمام أسرة تحرير الصحافي الدولي في مناسبة إعدادها لملف عن الإنقاذ في حوليتها عام 2001. ولم يكتمل المشروع. وكنت قد حددت أن نركز تحقيقنا علي ديوان الزكاة ومؤسسة اليتيم كوسائط إنقاذية لبسط هدي الإسلام المستضعفين وخيره.
لم يتسن لي بعد معرفة أوجه نشاط مؤسسة اليتيم التي من الواضح أنها أرادت أن تجسد واحداً من أرق المعاني في سيرة النبي وفي هدي القرآن. أما ديوان الزكاة فأمره أوضح. ومن المؤسف أن إسلاميته لم تحل دون أن يصبح مثل سائر دواوين الدولة في نظر الرأي العام. ومع ذلك فدغم الديوان في مساق الدولة ومعاملاتها البنكية والقانونية ما يزال موضع نزاع محرج نورنا به الاستاذ عبد الله حسين العراقي في كلمة دقيقة بالرأي العام (18-6-2003).
لم يطابق الديوان صورة المسلمين لمبنى ومعنى الدولة الاسلامية. فالديوان في نظر الرأي العام تحول الي مؤسسة جباية دارجة في الدولة: إذا لم يكفها المال فحرام على الجيران. فبحسب احصاءات 1999 بلغت مصروفات العاملين على الزكاة والتسيير والجباية والأصول الثابتة 2807 مليون دينار. وينقص هذا قليلاً عما ذهب للفقراء والمساكين في تلك السنة. ومن مفارقات هذا المنصرف حفل الديوان الشهير الذي كلف مئة مليون دولار وسارت بذكره كاريكاتيرات الصحف.
ومن جهة اخري ما زالت أعلي الجهات مطلباً بنصيبها في مصرف الزكاة هي فئة المعسرين على صعوبة تعريفها في خضم المخاطرة الرأسمالية، وكيفية التفريق بين المعسر والمتعثر. وقد توقفت عند سداد الديوان للمطلوب من مزارعي القاش وحدهم التي بلغت مليار وخمسمائة مليون جنيه في 2000-2001. وتساءلت إن لم يكن المعسرين قد قتلوا دجاجة الديوان وخموا بيضها.
والمشاهد أيضاً أن الديوان مصاب بأدواء معلومة في دواوين الدولة “الحديثة” مثل الاختلاس. وصار اسمه ضيفاً دائماً في قائمة السيد مارن، المراجع العام، متي جاء يوم كشف حساب البيروقراطية، أو حالها. وقد نسب ديوان الزكاة التجاوزات المالية به الي عمال الجباية وقد استولي أحدهم على 14 مليون دينار. ووعد بالتخلي عن الجباة الموسميين واستحداث مجموعات الطواف. وهذا فيلم للإصلاح دخلناه مراراً مع دواوين دولة اخرى. وتَخِن جلد الديوان منصرفاً عن النقد. فلم يعد ينفعل بغير تحريض من الصحف مثل تلك الصرخة التي نشرتها زوجة جندي كفيف مُسرح بجريدة ألوان (17-9-2001). وبالنتيجة ألجأ الديوان الناس الي فضح حاجتهم بالساساقة الي مكاتبه كما عرفت من خاصة أهلي. وهو الحاف أراد الخالق نفسه أن يستر الفقراء منه “حتى يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف”.
ستكون فينا الزكاة ما دمنا مسلمين وفينا المساكين وأهل السبيل وهلمجرا. والأجدى ان نحلل كيف فارق ديوان الزكاة الجادة بصورة مؤسسية وسياسية لا ب “تكفير” الإنقاذ من باب المعارضة السياسية. وصفوة الأمر أن الديوان نشأ في دولة ثقافة الجباية فيها سلطوية لم يترافق فيها بعد دفع الضريبة بحق تمثيل دافعي الضريبة في آلة الحكم لمراقبة اوجه صرفها أو مقاديرها. ولم يكن بوسع ديوان الزكاة الا أن يشبه دواوين الدولة الأخرى. ومن شابه أباه فما ظلم.

التعليقات مغلقة.