زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب.. الخرطوم ترقص على صفيح ساخن

87

كنت قد غادرت الخرطوم في الإسبوع الأول من شهر فبراير 2019م، حيث حضرت اندلاع ثورة ديسمبر، و شاهدت مطاردات قوات الأمن و الشرطة و الدعم السريع للمتظاهرين، كان الإصرار و الأمل عند الشباب يتغلب على كل المعاناة و العنف الجسدي و الفظي الذي كانت تمارسه الأجهزة القمعية، تخلق عزيمة عند هؤلاء الشباب حيث كانت عيونهم جميعا مركزة على الضوء القابع في نهاية النفق، حيث كانت شعاراتهم موحدة و مؤشر العزيمة يتصاعد لكي يقنع الجميع أن غدا هو الأفضل. غادرت الخرطوم و كنت متيقنا أن النصر حليف هؤلاء الشباب. و بعد أربعة سنوات بسبب جائحة كرون التي اغلقت فيها الحدود و منع السفر للخارج. هنذا أعود للخرطوم حيث تراجع مؤشر الأمل عند أغلبية العامة من الناس، و لكن تظل علامات الإصرار مرسومة على جبين أغلبية الشباب أنهم قادرين على تغيير المعادلة لصالح الديمقراطية.

عندما كانت الطائرة تحلق في سماء الخرطوم شاهدت أكثر من خمسة عشر طائرة ركاب واقفة على المدرجات، تحمل علامات تجارية لم أراها من قبل، و كان عددا منها تابعا ألي المنظمة الدولية “الأمم المتحدة” الأمر الذي يدل أن المنظمة تولي السودان عناية خاصة، و أنها تجوب مناطق مختلفة في السودان. أختلف الناس في تقييمها بين رافض للوجود الكثيف للمنظمة، و بين موافق للدور الذي تلعبه في البلاد. و تيقنت أنني سوف أمكث قرابة الساعتين حتى أنهي الإجراءات، و لكن في أقل من عشرة دقائق كنت قد أنهيت الإجراءات دون أي معين أو معرفة، و مكثت قرابة 35 ساعة في انتظار استلام حقائبي و غادرت صالة الوصول، حيث وجدت الصديقين الدكتور عوض باب الخير و عبد العزيز أحمد دفع الله في انتظاري، ما لفت نظري هي زحمة العربات و دخول الموديلات الجديدة مما يدل هناك رأسمالية تميز نفسها من عامة الشعب، و أيضا وجود عربات للشرطة فى التقاطعات الكبيرة، و تراكم الزبالة في جميع المناطق، متراكمة في الجزيرة التي تفصل الشارع بين الذهاب و الاياب، تلفت نظر أي قادم للبلاد. و عشرات من الحفر الكبيرة و الصغيرة في الشوارع داخلية الأحياء، و في الشوارع العامة، مما يدل: ليست هناك أي خدمات لصيانة الشوارع تقوم بها المجالس المحلية، غياب كامل للدولة.
الأغلبية العامة للشعب تتناول في مجالسها قضية غياب الأمن، و التعدي المستمر الذي يحصل لممتلكات المواطنين من قبل زوار الليل و حتى الخطف الذي يحدث في الضوء، حيث تعددت وسائل النصب و السرقة، فالكل يتحدث أنهم غير أمنين في منازلهم، و حتى في الشوارع العامة تتكرر عملية خطف الموبايلات و حقائب الستات، القضية الأخرى المؤرقة المواطنين غلاء المعيشة و مصروفات التعليم. و في الجانب الأخر يتوفر الخبز بكميات في المخابز بسعر الرغيفة خمسون جنيها، هناك تراجع كبير في سعر الخضراوات و الفواكه و يعزي الناس ذلك لفصل الشتاء، و أيضا توفر في المواد البترولية حيث لم الاحظ صفوف العربات في اماكن خدمات البترول. و منذ حضرت ثلاثة أيام لم تقطع الكهرباء و خدمة الماء في المنطقة التي اسكن فيها الحلفاية مربع سبعة جيدة حتى بدون خزانات مياه في بعض الأوقات.
و القضية الأخرى التي أيضا تتباين فيها تعليقات العامة ” القضية السياسية” البعض أصيب بخيبة الأمل حيث كانت سقوفات التوقع عالية، و لم يستوعب البعض أن قضايا التغيير، خاصة من منظم شمولية إلي التحول الديمقراطي تحتاج لفترات طويلة. و هناك البعض الذين يرمون اللوم على الأحزاب باعتبار أنها فشلت في وضع اللبنات الأساسية لعملية التحول الديمقراطي. و أن صراعها المحموم ليس له علاقة بقضايا المواطن بل مرتبط بالمصالح الخاصة و الحزبية، و هناك البعض الذين يعتقدون لابد من ثورة أخرى. كل هذه التعليقات من عامة الناس. لم التق حتى الآن بقيادات سياسية، أو حتى النخب المثقفة التي تمتلك مناهج لتحليل الواقع في البلاد، فالصحف تحاول أن تستمر في الصدور، لذلك تجد مساحات الإعلان قد زحفت بصورة كبيرة على المساحة المخصصة لبقية المواد الأخرى، بسبب ضعف الإقبال على شراء الصحف، الأمر الذي يبين أن الأزمة ذات أبعاد متعددة، و هي تؤثر سلبا علي الأدوات التي يعتمد عليها التغيير. في عملية نمو الوعي السياسي وسط الجماهير، و التثقيف الديمقراطي.
الملاحظة المهمة الأخرى: أن أدوات التواصل الاجتماعي تلعب دورا كبيرا في عملية التوعية و التعبئة وسط الشباب الذي يعتبر القوى المحركة للعمل السياسي. كما أن المعلومات التي توفرها هذه الوسائط تحتاج للتدقيق و الفحص، و تصبح هي نفسها عامل مؤثر بشكل كبير في صناعة الوعي الزائف الذي لا يقود إلي نتائج مرضية، و في ذات الوقت تفتح مساحات واسعة للمشاركة و عملية التعبئة. و في جانب أخر أن دخول عناصر ذات خبرات متواضعة في العملية السياسية الهادفة لبناء الدولة، يشكل تحديا كبيرا للعملية السياسية.
تنقسم القوى السياسية المتصارعة إلي خمسة مجموعات رئيسة. المجموعة الأولي قوى الحرية المركزي التي وقعت مع المكون العسكري في ( الاتفاق الإطاري) و هي قوى لها شروط لدخول القوى الأخرى في دائرتها، و تعتمد على المجتمع الدولي كأداة ضغط على الآخرين و أنجاز رؤيتها. القوى الثانية هي التي كانت من قبل منضوية تحت لواء الحرية و التغيير و لكنها خرجت و كونت رؤيتها الخاصة ” الحرية الديمقراطي التي تشمل أيضا الاتحادي الأصل – الحرية الوطني – إضافة إلي حركتى تحرير السودان أركو مناوي- العدل و المساواة جبريل) و بعضها له علاقة بالمكون العسكري، و البعض الأخر له قواعد جماهيرية ( حركتي التحرير و العدل) المجموعة الثالثة الحركة الإسلامية بكل مكوناتها إلي جانب القوى التي كانت مشاركة في الإنقاذ و هي قوى لها قاعدة جماهيرية و تعتمد على حراكها على هذه القاعدة. القوى الرابعة التحالف الجذري و تضم الحزب الشيوعي و المنظمات التي تدور في فلكه هذه القوى لها تأثير كبير في حركة الشارع و خروج التظاهرات. القوى الخامسة لجان المقاومة بعضهم ليس لهم ارتباطات سياسية و البعض الأخر تم أختراقه من قبل بعض الأحزاب السياسية. كل هذه المجموعات يعادلها في الجانب الأخر المكون العسكري الذي يستفيد من صراعاتها. نواصل _ نسأل الله حسن البصيرة.

التعليقات مغلقة.