وداعا هنا لندن فاليوم صمتت شهرذاد عن الكلام المباح . ——————— محمد التاج مصطفى

80

كان ابي عليه الرحمة من مدمني الاستماع لاذاعة ( هنا لندن) فمنذ نشأتنا الاولى وزمن الطفولة وجدنا جهاز الراديو دوما بجواره نصحو في الصباح الباكر على صوت الاذاعة وهو يستمع الى نشرة الرابعة صباحا من لندن ثم يضبط تاريخ مغادرته للمنزل للعمل بعد الاستماع الى نشرة الخامسة صباحا التي يسبقها برنامج لكل سؤال جواب او السياسة بين السائل والمجيب بالتناوب ، واذكر انني عندما ازدت طولا كان يكلفني بالصعود لسقفIMG 20230127 WA0024

حجرته للقيام بضبط ( الايريال ) واقوم حسب ارشادات الاذاعة بضبط الاتجاه واذكر ان ( الاريال/ جهاز التقاط الصوت ) يتكون من عصاة طويلة يربط عليها مثلث منسوج من سلك نحاسيى ويتدلى منه سلك طويل يتم وضعه داخل اناء به رمل يتم تبليلها بالماء وبهذه الوسيلة يصل صوت الاذاعة واضحا ونقيا جدا على الموجات القصيرة (SW) التي تعمل في ساعات النهار وبعد الظهيرة وهي الموجات 21و 31و 41 مترا ،اما فترة ما بعد الظهر فأن الموجة 41 هي الاوضح، وفي فترة المساء بعد الساعة السابعة فأن صوت الاذاعة يكون واضحا على الموجات المتوسطة (MW) خاصة في فصل الشتاءIMG 20230127 WA0023

،برامج هذه الاذاعة مختلفة ومتنوعة ومتنقلة في سلاسة بين الفن والعلم والثقافة والغناء الذي كان يشغل حيزا معتبرا وتقدم اغنيات من مختلف فناني الدول العربية التي من بينها السودان وقد علمت من والدي عليه الرحمة ان اغلب تسجيلات الفنانين السودانيين كانت تتم بالسفارة المصرية بالسودان حيث كانت اذاعة لندن تمتلك هناك استديو مجهز للتسجيلات الغنائية سجلت فيه بعض اغنيات الوالد وكثير من الفنانين من الرعيل الاول عليهم الرحمة جميعا وهي تسجيلات نادرة ليتنا نطلب نسخة منها عبر برامج التبادل الاذاعي فهي تمتاز بالنقاء الصوتي والهندسة الصوتية في توزيع الالات الموسيقية التي تضاهي كثيرا من تسجيلات اليوم وقد علمت منه ان هذا الاستديو واجهزة اذاعية اخري قد قدمت بناءا على مقترح من الفنانين السودانيين لوزارة الاستعلامات والعمل التي تبنته وتم قبول طلبها حيث تنازلت الحكومة البريطانية عن الاجهزة الاذاعية هدية للشعب السوداني وقد شكلت هذه الاجهزة نواة للاذاعة السودانية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية علما بأن هذه الاذاعة بالسودان انشئت اثناء الحرب العالمية للدعاية والاعلام لجيوش الحلفاء، كان والدي عليه الرحمة يغتني احدث اجهزة الراديو ماركة فيلبس من محلات مشهورة مثل محل الحضري بأمدرمان التي كانت تستورد احدثIMG 20230127 WA0022

الاجهزة المختلفة وكانت اجهزة الراديو تمتاز بصندوق مصنوع من الخشب المتين تزينه انوار حمراء وخضراء تستخدم في الدلالة على ضبط الموجة وكانت هذه الاجهزة الممتازة تلتقط احيانا موجات برج المراقبة بمطار الخرطوم وهو يرشد الطائرات للهبوط او المغادرة ، ورثت من ابي عليه الرحمة الاستماع للراديو واذاعة لندن على وجه الخصوص وقد كان تأثيرها علي قويا من خلال برنامج كانت تبثه اسمه ( من سجلات اسكوتلند يارد ) وهو برنامج يقدم تمثيليات اذاعية عن الجرائم الغامضة التي تم اكتشافها بواسطة الشرطة البريطانية لدرجة انها دفعتني الى دراسة القانون والعمل بالنيابة مستقبلا ، وفي مجال التمثليات الاذاعة ذكر لي والدي عليه الرحمة ان اول تمثيلية اذاعية قدمت في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية كانت من تأليف الراحل الشاعر والمسرحي الفذ اسماعيل خورشيد ، كانت اذاعة لندن من مصادر الاخبار ويكاد يكون الراديو هو المصدر الوحيد لما يجري خارج البلاد وظلت هنا لندن هي الاذاعة التي تأتي منها الاخبار الموثوقة عند اهل السودان وللدلالة على صحة الخبر كان يقال ( أذاعته اذاعة لندن ) تأكيدا على صحة الخبر ، ولا زلت اذكر انني في مشواري اليومي لاحضار الخبز لوجبة الغداء من المتاجر القريبة أستمع في كل البيوت التي امر بها الى اذاعة لندن وهي تقدم نشرة اخبار الواحدة ظهرا فقد كانت هي الاذاعة الخارجية المحببة لأهل السودان ، لقد نشأنا في هذه الاجواء التي ربطتنا بهذه الاذاعة العملاقة ربطا وجدانيا عميقا والتي كانت تقدم برامجها من خلال الاعداد الجيد والاصوات المتميزة المنتقاة التي شنفت اذاننا وهناك الكثير من الاصوات السودانية التي ساهمت بنصيب كبير في نهضة وتطور هذه الاذاعة من خلال مسيرتها الطويلة منهم اسماعيل طه ، ايوب صديق ، الطيب صالح ، عمر الطيب، محمد خير البدوي وابنته زينب ، يحزننا حقا ان تتوقف اذاعة القسم العربي BBC اليوم عن البث بعد مسيرة استمرت لخمسة وثمانين عاما تميزت فيها بالمصداقية والمهنية العالية والخبرة المتراكمة التي جعلتها من اميز واحب الاذاعات للمستمع العربي في كل ارجاء الدنيا والشرق الاوسط على وجه الخصوص وهي وان توقفت الان عن البث التقليدي من خلال الراديو فدون شكIMG 20230127 WA0021

سيظل صدى دقات ساعة بك بن يرن في الدواخل يوثق لرفيقة درب اخذها طوفان التقدم التكنلوجي في القرن الواحد والعشرين وهو طوفان قلل من اهميةالصحف الورقية واجهزة الراديو واحال الكثير من العشق لسماع اذاعة لندن من خلال جهاز الراديو الى خزانة الذكريات الصادقة والجميلة .

التعليقات مغلقة.