آخر وزير خارجية للبشير يكتب : رسالة حمدوك للأمين العام: دوافعها

4


كثيرون تساءلوا عن دواعي ومغزى رسالة حمدوك للأمين العام للأمم المتحدة التي تم الكشف عنها وأرجو في هذا المقال أن أدلو بدلوي قاصرا مساهمتي على
جانبين هما أولا دواعي وخلفيات تلك الرسالة، وثانيا مخاطر تنفيذ الفكرة التي تضمنتها. وحيث أن المقترح المقدم يرتبط وثيقا بمسألة انسحاب بعثة حفظ السلام المختلطة بدارفور (يوناميد)، فان القراءة الصحيحة له تتطلب أن نبدأ باطلالة سريعة على تلك العملية.
شكلت بعثة يوناميد بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1769 الصادر عام 2007 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وذلك لحماية المدنيين في دارفور وتيسير وصول المساعدات الإنسانية اللهم. وقد وصل تعداد قوات البعثة في أوجها الى 26 ألفا وفاقت ميزانيتها السنوية المليار دولار. ورغم تعرض الخرطوم وقتها لضغوط هائلة نجحت جهود الحكومة في جعل القوة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي افريقية خالصة في اول سابقة من نوعها؛ كما شهدت بذلك رسالة حمدوك. وبالرغم من افريقية القوات والنص في قرار الإنشاء على أن تباشر البعثة تفويضها “دون المساس بمسئولية حكومة السودان”، ظل السودان يعتبر وجود يوناميد طعنا في السيادة وشوكة في الخاصرة ما دامت مفوضة تحت الفصل السابع. وعمل جاهدا لانهاء ولايتها بأعجل مايتيسر.
و في عام 2017 تولدت قناعة لدى دوائر المنظمة الأممية بأن دارفور “قد انتقلت من مرحلة الحرب الى مرحلة البناء واعادة البناء والتنمية”. ومن ثم صدر في يونيو من ذلك العام قرار مجلس الأمن رقم 2363 القاضي بسحب حوالي نصف القوات خلال إثني عشر شهرا، على أن يسحب النصف الآخر تدريجيا بحيث تخرج البعثة نهائيا في 29 يونيو 2020. وقد شهدت بنفسي ترحيب المجتمع الدولي بانهاء ولاية يوناميد عندما ترأست في 27 سبتمبر 2018 وفد السودان للاجتماع رفيع المستوى حول دارفور الذي عقد في نيويورك على هامش اعمال الجمعية العامة. فبإستثناء بريطانيا التي عبر ممثلها وزير الدولة اللورد أحمد عن موقف بلاده المتحفظ على انهاء البعثة، والذي مثل خروجا عن الإجماع الدولي، عبرت كل الدول عن مساندتها للعملية وتأييدها الخطة المقرة لسحب القوات. بعد التغيير الذي حدث في 11 أبريل 2019، بدأ الموقف الدولي يتبدل تدريجيا تبعا لتردي الأوضاع الأمنية بالبلاد عموما ودارفور خصوصا. ففي يونيو 2019 أعلنت الأمم المتحدة أن تسعة مواقع غادرتها قوات يوناميد قد آلت للدعم السريع. أثار ذلك الخبر ردة فعل عاصفة. وتم الاحتجاج على استمرار انسحاب يوناميد اذا كان ذلك يعني اخلاء مواقعها لتؤول، حسب ما قيل، لذات القوة التي وجدت
يوناميد اصلا لوقف اعتداءاتها على المدنيين. وعندما لم يستجب المجلس العسكري (حينها) لطلب اخلاء الدعم السريع لتلك المواقع اعلنت الأمم المتحدة ايقاف الانسحاب من المواقع الثلاثة عشر المتبقية. في أغسطس 2019 اعلن جان بيير لاكروا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس ادارة حفظ السلام التوقف عن انفاذ التخفيض المقرر للقوات في نوفمبر مالم تتحسن الأوضاع على الأرض. وكان ذلك اشارة واضحة الى عدول الامم المتحدة عن الاستمرار في الخطة المقررة.
في أواخر أغسطس 2019 تولى الدكتور عبد الله حمدوك منصب رئيس الوزراء. لم يعلن حمدوك حينها عن سياسة بشأن سحب بعثة يوناميد. الا ان لاكروا أوضح في اكتوبر ان حمدوك طلب منه الربط بين انسحاب قوات يوناميد وعملية السلام الجارية في جوبا. وقال أن حمدوك ابلغه أن الحركات المسلحة قد عبرت عن انشغالات في هذا الخصوص تتلخص في معاودة الدعم السريع مهاجمة المدنيين. واضاف لاكروا انه ازاء هذا الوضع، سيتقدم بمقترحين لمجلس الأمن في ديسمبر 2019 هما اما ان تتم الاستجابة لطلب حمدوك جزئيا بسحب قوات يوناميد من ثمانية من المواقع المتبقية والاحتفاظ بخمسة مواقع في جبل مرة، أو أن يتم تجاهل الطلب وتمضي يوناميد قدما في اكمال الانسحاب في الموعد المقرر. ماعلاقة كل هذا برسالة حمدوك للأمين العام!
أن رسالة حمدوك تعلن تراجع السودان عن المطالبة بسحب يوناميد ودعوته بدلا عن ذلك الجعلها نواة لقوة أممية جديدة يوسع نطاقها الجغرافي وتدخل في تفويضها عناصر اضافية. تطلب الرسالة أيضا وضع كامل المنظومة الأممية (التي يتوقع أن تشمل قوات جديدة تنشر في مواقع اخرى من السودان بعد توقيع اتفاق السلام المرتقب تحت قيادة موحدة يتولاها مبعوث خاص للأمين العام يكون على رأس بعثة سياسية خاصة مقرها الخرطوم.
أن البعثة السياسية الخاصة التي طلبها حمدوك تختلف عن بعثات حفظ السلام. والاختلاف بين بعثات حفظ السلام التي تمثل القوات العسكرية اساسها) والبعثات السياسية التي تركز على المهام السياسية مع كونها تتضمن احيانا عنصرا عسكريا تعبر عنه ظاهريا تبعية الأولى لادارة حفظ السلام DPK في الأمم المتحدة، بينما تتبع الأخيرة للادارة السياسة DPA. وقد طورت الممارسة الدولية المستقرة على مدى عقود كلا النوعين من البعثات رغم عدم ورود أيا منها في ميثاق الأمم المتحدة فولاية بعثات حفظ السلام تتجاوز مجرد مساعي الوساطة والتوفيق المنصوص عليها في الفصل السادس، لكنها لاتبلغ حد الاستعانة بالقوة العسكرية طبقا للفصل السابع. ولهذا عندما سئل الأمين العام الأسبق للامم المتحدة داك همرشولد عند تشكيله اول بعثة لحفظ السلام في الكونغو عام 1960 عما اذا كان قد شكلها تحت الفصل السادس او السابع، قال شكلتها تحت “الفصل السادس والنصف”. ومثلها مثل بعثات حفظ السلام تتولى البعثات السياسية الخاصة مهاما لم ترد في الميثاق كونها تتعلق بتسوية أوضاع داخلية. لذا فانه لاعلاقة للبعثات السياسية بالفصل السادس من الميثاق او المهام الواردة فيه، ذلك أن الفصل السادس يختص بتسوية النزاعات الناشبة بين الدول belligerency، وليس النزاعات داخل الدولة الواحدة insurgency. غير انه بسبب تزايد النزاعات الداخلية واشتداد خطورتها وتوسع الاهتمام بحقوق الانسان، وخاصة بعد ان اقرت القمة العالمية المنعقدة في 2005 مبدأ المسئولية عن الحماية، خرجت الحروب الأهلية والانتهاكات المرتبطة بها من السلطان الداخلي للدول الذي لاتسوغ المادة 2(7) من الميثاق للأمم المتحدة التدخل فيه. لكن الميثاق ظل كما هو دون تعديل ولايزال خاليا تماما من أي فصل ينظم كيفية ممارسة الأمم المتحدة دورها في هذه الحالات. لهذا فانه عندما ينشئ مجلس الأمن بعثة سياسية أو حتى بعثة لحفظ السلام فانه لا يشير الى فصل معين تنشأ تحته تلك البعثة. هذا رغم انه تتم الإشارة احيانا الى الفصل السابع في حالة تفويض مجلس الأمن البعثة سلطات محددة تتعلق غالبا باستخدام القوة دفاعا عن النفس او حماية للمدنيين. الا انه لم يحدث في تاريخ الامم المتحدة الطويل أن أشار قرارا لتأسيس بعثة لحفظ السلام او بعثة سياسية انها أنشأت تحت الفصل السادس وحيث أن البعثات السياسية الخاصة تنشأ عادة في تعاون مع المنظمات الإقليمية (مثل الاتحاد الافريقي)، وحيث ان تعاون مجلس الامن مع المنظمات الاقليمية ينظمه الفصل الثامن من الميثاق، أضحت البعثات السياسية الخاصة تعرف ببعثات “الفصل السابع والنصف”. ذلك لأنه لم ينص عليها في الفصل السابع وان اعتمدت اجراءاته، ولم ترد في الفصل الثامن وإن مثلت أحيانا آلية لتنفيذه. واذا نظرنا في القرارات المنشئة للبعثات السياسية العاملة في دول الجوار نجد أنها تتضمن تفويضا تحت الفصل السابع على غرار ما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 2009 المنشئ للبعثة السياسية الخاصة في ليبيا، وقرار مجلس الأمن رقم 2448 الذي أنشأ البعثة السياسية الخاصة بأفريقيا الوسطى.
قلنا ان البعثات السياسية الخاصة لاتتضمن قوات لحفظ السلام. لكن فاعلية هذه البعثات، خاصة العاملة منها في تسويات ما بعد الحروب الأهلية او الانتقال الديمقراطي، تفترض وجود بعثات لحفظ السلام. فبدون قوات حفظ السلام لايتأتى للبعثات السياسية مراقبة وقف اطلاق النار وتنفيذ خطط نزع السلاح وجمعه وانجاح برامج اعادة ادماج المقاتلين السابقين. ومن ثم تضمنت رسالة حمدوك الدعوة للعدول عن سحب يوناميد وتوسيع عملياتها “من حيث الحجم والنطاق” لتكون يوناميد او البعثة التي تنشأ عليها هي بعثة حفظ السلام التي تساند البعثة السياسية. وجاءت في الرسالة عدة اشارات تدل على هذا الفهم. وخطورة هذا الجانب من الطلب هي انه يستبقي بعثة لديها تفويض تحت الفصل السابع كان السودان قد أوشك على انهاء ولايتها.
أن الغرض الرئيس من هذا الطلب، فيما يبدو، هو ايجاد مركز للسلطة بالخرطوم توضع تحت تصرفه قوة أممية ضاربة تنهي احتكار الجيش السوداني والدعم السريع للقوة المسلحة في السودان. تعبر عن ذلك الفقرة قبل الختامية من الرسالة التي تقرأ: “والحكومة على استعداد للترحيب بالبعثة في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن ينشر تواجد أولي تحت قيادة الممثل الخاص للأمين العام الذي يتخذ من الخرطوم مقرا له”. فعبارة “ينشر تواجد أولي” ترجمة لجملة an initial footprint should be deployed الواردة في الأصل الانجليزي للخطاب. وكلمة “footprint مصطلح عسكري ورد تعريفه في دليل تعريف المصطلحات العسكرية الذي تصدره وزارة الدفاع الأمريكية بأنه يعني:
The amount of personnel, spares, resources, and capabilities physically present and occupying space at a deployed location
أي “مقدار الأفراد وقطع الغيار والموارد والقدرات الموجودة بذاتها والتي تحتل حيزا في موقع الانتشار”. ومن ثم فهذه العبارة أختيرت بعناية لتقديم دعوة لنشر قوة مسلحة بالخرطوم توضع تحت قيادة المبعوث الخاص المذكور. اما الغرض المطلوب من نشر هذه القوة على وجه السرعة فهو ليس بحاجة الى توضيح. فالود مفقود بين القوات المسلحة السودانية والقوى المشكلة للحكومة الانتقالية منذ ملابسات فض الإعتصام، وحتى رفض المكون العسكري في المجلس السيادي تمديد حالة الطوارئ في يناير الماضي. واذا كانت القوات المسلحة قد وفرت حماية للحكومة في الفترة الفائتة بسبب ما تمتعت به الحكومة من سند شعبي في ايامها الأولى، فانه بعد أن تأكل ذلك السند سريعا وأوشك على الانحسار تخشى الحكومة من أن يتراجع الجيش عن مساندتها، خاصة حين تنتهي ولاية البرهان ويتولى رئاسة المجلس السيادي أحد المدنيين. الغرض الثاني من الهيكلة المقترحة هو قصقصة أجنحة الدعم السريع. فاذا كانت الحركات المسلحة تخشى من أن يؤدي انسحاب يوناميد إلى تقوية الدعم السريع وسيطرته على دارفور، فان ابقاء يوناميد ثم توسيع نطاقها ونشر قوات أممية في “كامل أراضي السودان” وتوسيع عملياتها “من حيث الحجم والنطاق” وتوليها مهمة “بسط سلطة الدولة” هي الوصفة السحرية لتفكيك الدعم السريع، ومن ثم تهدئة “انشغالات الحركات المسلحة عند تعيين هذا الممثل الخاص سيكون مكتبه هو العنوان الأهم في الخرطوم؛ وليس القصر الجمهوري او مجلس الوزراء. ولن يختتم أي وفد أجنبي جولته في الخرطوم الا عند ذلك العنوان. اما حين تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة او يلتقي القادة الأفارقة ويسافر الجميع إلى نيويورك او ادیس ابابا فان الكلمة الأهم حول السودان التي سوف يصيخ لها الحضور اسماعهم هي التي يلقيها الممثل الخاص وليس كلمة رئيس الحكومة السودانية التي ستعتبر مجرد مداخلة لممثل إحدى الفصائل حتمها البروتوكول.
هذا السيناريو ليس من نسج الخيال وانما هو قياس على ما يحدث الآن في ليبيا المجاورة. فغسان سلامة رئيس البعثة السياسية الخاصة في ليبيا يملا الشاشات وتلاحقه الأضواء حيثما حل، بينما لا يعرف الا القليلون أن هناك رئيسا لليبيا بعد القذافي إسمه فائز السراج. أضف إلى ذلك أن نجاح البعثة السياسية الخاصة في حفظ امن البلاد واستقرارها ليس مضمونا. بل دلت التجربة على ان غالب هذه البعثات تخفق في تحقيق اهدافها. ودونك فشل البعثات السياسية في ليبيا وافريقيا الوسطى والصومال، التي تعالج مشاكل وتحديات تشبه ما نواجه. وفي تطاول أمد النزاعات في هذه البلدان، بعد أن دخلها الموظفون الدوليون الذين يتربحون من استمرار الازمات، عبرة لمن يعتبر.
خلاصة القول، أن البعثة السياسية الخاصة التي طلبها حمدوك أم دبر بليل. فهي موجهة لعدو في داخل المنظومة الحاكمة وليس خارجها. ومن ثم لم يسبق هذا الطلب تداول داخلي او تشاور مع الشركاء الاقليمين (كالاتحاد الافريقي) او الدوليين كما هو معهود في مثل هذه الأمور. وهي بعثة تنشأ استباقا لانسحاب يوناميد بل استبقاءا لها بغرض بسط ولاية الأمم المتحدة تحت الفصل السابع على البلاد كلها. بل هي بعثة تنشأ لوضع الخرطوم تحديدا تحت سيطرة القوات الأممية استقواء على الجيش السوداني. وتمثل رسالة حمدوك طلبا غير مسبوق من رئيس وزراء دولة مستقلة ذات سيادة يدعو الآخرين للحجر على بلاده، والحد من حريتها في ممارسة سيادتها والتصرف في شئونها. فغدا لن يكون أمر السودان بيد أحد بنيه. وانما يكون بيد محمد حسن الباد، او محمود دریر، او أيا ممن يمكن أن يعين مبعوثا خاصا؛ نلهث خلفه نستعطفه ونترجاه. ولم يقدم هذا الطلب لأن البلاد قد دهمها خطر أجنبي ماحق، وانما استنصارا من قوى سياسية سودانية على أخرى سودانية مثلها. وينسی مقدمو الطلب او لا يدركون أن المجتمع الدولي ليس منظمة خيرية. فعندما تحل هذه البعثات بأرض تأتي معها باجندة البلدان وقوى كثيرة. حينها لن تكون هناك فرصة لتنفيذ أي أجندة وطنية سودانية. وحينها سيضيع الوطن كله ويصبح الجميع فيه غرباء. وحينها لن يكون قرار انهاء وجود البعثة الجديدة بيد من طالبوا الآن بإدخالها؛ او بيد أي سوداني آخر.
*وزير الخارجية السابق
2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!