أبا والشيوعيون.. إلى اللقاء في دار الحزب الشيوعي بالخرطوم

2


عبدالله علي إبراهيم

سيكون حديثي في بقية مقالاتي عن “أبا والشيوعيون” عن دورنا كشيوعيين في مواجهة أبا. وأعلم أن الحزب الشيوعي الماثل لا ينكر أي دور فيها فحسب بل يزعم أنه استنكرها وأدانها. وهذا كذب صراح لم يفطمهم عنه أن خصومه وأصدقاءه معاً عرضوا عليه تقرير أستاذنا عبد الخالق محجوب للمؤتمر التداولي (أغسطس 1970) وخطاباً بعث به من منفاه في القاهرة في ما بعد مارس 1970 وفي كليهما أمن أستاذنا، والحزب من بعده، على صحة موقف انقلاب مايو في وجه الهجمة الرجعية.

وذكرتني “زرة” الشيوعي هذه بطرفة قريبي الطيب مبيوع مع العمدة السرور السافلاوي، عمدة مدينة عطبرة، في حي الداخلة. فكان العمدة منع أطفال الحي من طلوع جميزة يانعة عند جامعه. ومعلوم أنه لم يوجد العمدة بعد الذي يمنع الشفع من طلوع شجرة في ريعان جميزته. وجاء يوم والشفع طلوع فسرعان ما نزلوا وتفرقوا في الحلة ماعدا الطيب مبيوع الذي يبدو أنه كان في أقصى فروعها. وعثر عليه العمدة طالعاً الشجرة. فانتهره: “يا ود مبيوع طالع الشجرة مالك؟” فحار الطيب جواباً. وقال: “لكن يا عمدة أنا هسع طالع الشجرة”. وصارت حكاية ود مبيوع والعمدة والجميزة حكاية تروى قبل إنكار الشيوعيين وجودهم في ملابسات مواجهة أبا.

أريد أن أطلع القارئ الحدث بالذات على بنية العاطفة في حزبنا حيال حزب الأمة ودائرة المهدي في تلك الفترة قبل أن أعرض لمفهوم ومادة صراعنا معهما كماركسيين. وهي البنية العاطفية من وراء خوضنا في أمر أبا مع الخائضين. فكانا أوغر صدرنا عليهما ردتهما بثورة أكتوبر 1964 وهو ما سميناه “نكسة أكتوبر”. ولم نكد نفق من تلك الصدمة حتى تناصرا مع الوطني الاتحادي والإخوان المسلمين لحل حزبنا في نوفمبر 1965 من داخل البرلمان المستعاد بالثورة، وطرد نوابنا التسعة عن دوائر الخريجين (تبقى اثنان مؤيدان من الحزب). و”انمغصنا” جد. وتداعت بالنتيجة الأحداث بعد ذلك بصورة كدرت الوطن إلى يومنا.

لم يلمس السيد الصادق المهدي خلال مقاومته المدنية الطويلة للإنقاذ بنية العاطفة الشيوعية الموغرة تلك بل تلطف معها بنقد حزبه لارتكابه حل الحزب الشيوعي. فقال بأن دافع الشيوعيين لتأييد ضرب الجزيرة أبا في 1970 كان لغبنهم من حل حزبهم. وهو إجراء جانبه الصواب كما قال في حديث له إلى مجلة طلاب جامعة الخرطوم عام 1985. وزاد: “ما حدث كان انفعال. إن الذي حدث في موضوع حل الحزب الشيوعي كان موقفاً سياسياً غير محسوب نتج عن موقف انفعالي. ولكن يجب أن أقولها إنه يجب الاستفادة من تجارب الماضي الأولي. إن حديث الطالب في معهد المعلمين فجر المشاعر. وإن مثل الذي حدث قد يتكرر”. والإشارة هنا إلى حديث طالب بمعهد المعلمين العالي في شتاء 1965 تذرع به حلف الأمة والإخوان المسلمين والاتحادي الديمقراطي لحل الحزب الشيوعي.

وقع حل الحزب علينا كالصاعقة. تكبدنا تحت رايته الشماء ست سنوات من التضحيات الجسام ضد نظام (عصابة) 17 نوفمبر لأجل الديمقراطية كما لم يفعل حزب لا وقتها ولا بعدها. وكنا نشتهي يوم نرى الضوء في نهاية النفق أن ننعم بوجود قانوني في الديمقراطية. ولا زلت أذكر ليلة في عطبرة ودعنا رفيقاً منقولاً للخرطوم. وأذكر أول اسمه وهو حسن أبيض اللون وله صلعة لم تتمكن منه بعد. وكنا تعاطينا. ولم يكد يبتعد منا راجلاً قليلاً حتى التفت الينا وقال: “إلى اللقاء في دار الحزب الشيوعي بالعاصمة”. لكلمته صهيل في أذني ما تزال.

واستبدت العاطفة بشباب حزبنا استبداداً بلغ حد فداء الحزب بالاحتجاج موتاً. وجسد ذلك الاحتجاج جوداً بالنفس رفيقنا المرحوم عبد الله السماني من أهالي مدني. فكتب هتافه ضد حل الحزب بحروف من نار اشعلها على جسده حتى احترق شهيداً على ضيعة الحق. وكان مثل ذلك الاحتجاج حريقا شاع بين الكهنة البوذيين في كوريا الجنوبية في تلك الأيام وطفحت بأخباره الصحف.
وممن ذكر استشهاد السماني المرحوم الخاتم عدلان في حديث له مع مجلة الخرطوم الجديدة. قال إنه ورفاقه خاضوا معركة حل الحزب الشيوعي في مدني. وكان طالباً بثانويتها وصديقاً للسماني الطالب بالكلية المهنية بمدني. وعلى بُعد الكلية من ثانوية المدينة اتصلت المودة بينهما لأنهما كانا عضوين بمكتب الطلاب الشيوعيين في مدني. وكان ثالثهما بالمكتب تاج الأصفياء الذي مَثّل المدرسة العربية. وكانوا دفعة في الالتحاق بالحزب. وشاركوا في موكب احتج على حل الحزب في مدني. وكان السماني مفرط الانفعال يندد بالمحجوب والصادق المهدي. ثم صب جالون جاز على نفسه وأحرق نفسه والهتاف لم ينقطع حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
وذكر شاعر الجيل علي عبد القيوم حريق السماني للحزب في ديوانه “الخيل والحواجز”:
يسحقني الحزن لأن الفتى
إذ عطّر بالغاز أنفاسه
وأشعل الثقاب ثم انفجر
قد كان يدري . . . ويا حسرتي
أن صباحاً جميلاً عميقاً أغر
تحصن من ظلمات الليالي
بجوف كؤوس الزهر
وأغرى بهجراننا مهرجان الغمام
ووقع هديل الحمام
لقد حز في نفسي دائماً ما بدا لي من استباحة عاطفة الشيوعيين حيال مشروعهم وحزبهم. فكأنهم صم الصخور لا تنخر الرذلات بحقهم في إنسانيتهم وتضرجها. وصار الاستغناء عنهم حيلة من انقطعت به الحيلة وسخف من خفت موازينه. وكشف السماني بلمحة نارية أن الماركسية “صباح جميل أغر” شَقِيت لأجلها عقول مسهدة بالوطن ووجدان يصغي للمستضعفين. وأنها حق. ولها مكرها.
ونعرض لوجوه أخرى من بنية العاطفة الشيوعية التي سبقت مواجهة أبا قبل الخوض في مفهومنا لحزب الأمة ودائرة المهدي من ورائه، وخبرتنا معهما في نضالنا صوب العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!