أبا 1970: الجنرال في باخرته ينهي مؤتمره الصحفي مَغيظاً

11


عبدالله علي إبراهيم

من أكثر الكتابات إحاطة برحلة نميري على النيل الأبيض، التي انتهت بالمواجهة الدموية في أبا في 27 مارس 1970، كلمة لعمر جعفر السوري الذي صحبه في الباخرة كمراسل صحفي ليكتب عنها لاحقاً في 2009. واستفدت مما كتبه كعظم ظهر ليوميات الرحلة. واتفق معه في السردية مرتضى أحمد إبراهيم في ما كتبه في “الوزير المتمرد” كشاهد عيان في صحبة نميري في تلك الرحلة.
بدأت الجولة على النيل الأبيض في 23 مارس على متن باخرة رست في جبل الأولياء. وكانت تحفها في سفرها سيارات الدفع الرباعي على الضفة الشرقية. وصحب النميري من مجلس مأمون عوض أبو زيد، الذي انتظره نبأ سعيد كما سنري، وأبو القاسم محمد إبراهيم. كما جاء في معيته من الوزراء مرتضى أحمد إبراهيم، وزير الري، الذي كتب عن تجربته مع نميري خلال صدام الجزيرة أبأ في “الوزير المتمرد”.
توقف المركب قبالة بلدة صغيرة (أم جر) قبل وصولهم الكوة (180 كيلو جنوب الخرطوم). فركب نميري لبلوغها من المرسى السيارات الموصوفة. وقيل لهم إن رجلاً أخفى سكينا في عمامة حاول اغتيال نميري لولا يقظة الحرس فحالوا دونه. ولم يكن ثمة اغتيال في قول السيد الصادق المهدي ولكن بين الحشد من اقترب منه وهتف “الله أكبر ولله الحمد” ولوح بيده فظهرت منه سكينه على ذراعه.
صعد نميري بعد الحادثة نميري منبراً أعد له ليخاطب أهل البلدة. فلم يأت على ذكر المحاولة على حياته غير انه أعلن في سياق الكلمة تعيين الرائد مأمون عوض أبو زيد رئيسا لجهاز الأمن القومي. وتلك كانت المرة الأولى التي سمع الناس عن هذا الجهاز الذي بدا أنه تم تدبير قيامه بليل عن الآخرين كجامع للمعلومات ومستودع لها على ضوء ما كان يردها كفاحاً عن استنفار الأنصار في أبا. فبدا أنه لم يعد يكفي نميري حتى جهاز الأمن الذي نشأ في وزارة الداخلية وقام عليه محمد أحمد سليمان، القيادي السابق بالحزب الشيوعي، وجرى تدريب كادره من الشيوعيين السابقين بواسطة جهاز المخابرات الألماني الشرقي. وقيلت الأهزوجة “راكب هنتر وعامل عنتر” عن كادر أمن وزارة الداخلية الذي جيهته الحكومة بسيارة هنتر لم يبلغ مبلغها بعد بمقياس الزمان.
واصلت الباخرة رحلتها وحظي نميري خلال ذلك بجمهور هتف لنظامه الجديد. وصعد نميري إلى سارية الباخرة لتحيتهم. وقال السوري إنه صعد خلفه بنية ترتيب لقاء صحفي معه وكالة الخرطوم ورويتر حول توتر العلاقة بينه وبين الشيوعيين. ولما لاحظ نميري وجود السوري خلفه استغرب أكثر من أنه جزع. والتفت إلى رجال الحماية الذين تملكهم الرعب من أن يكون السوري على وشك من ارتكاب محاولة اغتيال ثانية لرئيسهم. وجلل الوفد الرسمي ورجال حمايتهم توتر كبير. وفي مساء يوم حادثة الاغتيال، 25 مارس، عقد نميري مؤتمراً صحفياً في جناحه بالباخرة. ولم يخض نميري في ذلك اللقاء مع ممثلي الصحافة فيما حدث في تلك البلدة. ولكن حاصره الصحافي عبد العظيم عباس، في رواية للصحفي محمد عبد السيد، بأسئلة محرجة ونميري يناور وصحبه لا يخفون امتعاضهم لتمادي عبد العظيم في أسئلته الجريئة.

ولتغيير الموضوع التفت نميري للسوري وسأله إن كان هناك ما يريد السؤال عنه ليجيبه بأن كل اسئلته وردت على ألسن زملائه، وسينتظر بأسئلته الأخرى للقاء قريب. وقبل نميري منه الإجابة على مضض. وتلاحقت الأسئلة من عبد العظيم عباس وأنهى نميري المؤتمر غاضباً حين قال له عبد العظيم إن الجماهير التي استقبلت الصادق المهدي قبيل أسابيع من الخامس والعشرين من مايو 1969 كانت أكثر عدداً من التي استقبلت قادة مايو.

وبلغت المركب في ضحى 26 مارس مدينة الكوة. وارتفع فيها منسوب التوتر على الوفد الرسمي وحرسهم جسدته همهمات وخطى مسرعة تذرع الباخرة جيئة وذهابا أو تصعد وتهبط وتتعثر بين طوابقها الثلاثة. ولاح في الأثناء في الأفق قارب صغير يتجه صوب الباخرة على متنه ثمة أشخاص تبين فيما بعد أنهم عضو مجلس قيادة الانقلاب أبو القاسم هاشم، وعضوا قيادة الحزب الشيوعي (جناح النميري) عمر مصطفى المكي ومعاوية إبراهيم سورج. والأخير من أهل الكوة.

ولم يكن شط الكوة مرحباً. فأحاطت الشرطة بجمهرة من الناس في “جبب” الأنصار الرافعين لراياتٍ سود، حاملين لرماح بيض، وتمنطق بعضهم بسيوفٍ صوارم، وخناجر في أغمادها تبدو من تحت أذرعهم. فتوقفت الباخرة قبل رسوّها في الكوة ليصعد إليها من كان بالقارب مهرولين نحو جناح نميري. وظلت الباخرة واقفة لبعض الوقت حتى أُذن لها بالإبحار، فواصلت طريقها حتى المرسى موضع احتشاد الأنصار الذين طوقهم المظليون والشرطة العسكرية. وقال السوري إنه كان أول من قفز من الباخرة للشط ليقترب من الحشد ومن حاصره من أمن النظام. وكان من خلفهم أبو القاسم محمد إبراهيم الذي صرف أمراً للجنود بالضرب الحي قالها بالإنجليزية (شوت). وما أنقذ الموقف إلا مامون عوض أبوزيد الذي سرعان ما لغي أمر رفيقه قائلاً للجند أن يتوقفوا. قالها بالإنجليزية (ستوب).

سار موكب نميري نحو سرادق أعد لاستقبالهم تحت حماية مشددة. وكان بين المستقبلين العميد المتقاعد عمر الحاج موسى، وزير للإعلام لاحقا، ومن أهل الكوة. ولكن لم يجر احتفال الكوة كما أُريد له نظراً لتوتر أجواء البلدة. وتعجل نميري مغادرة المكان بعد كلمة قصيرة منه وصفها السوري بأنها حملت “وعيد لا وعد، ونذر لا بشائر، فتوجسنا خيفة مما هو قادم.” ولما عاد نميري ووفده إلى المرسى كان الأنصار قد تفرقوا من عنده لجهد كبير بذله عقلاء في البلدة قالوا للأنصار إنهم بلّغوا رسالتهم وأن الإسلام بخير. فصعد الجميع على الباخرة نحو مدينة كوستي و”التوتر يتعاظم بين رهط (القائد) حتى تكاد الأعصاب المشدودة تبرز للعيان”.

وما بلغ المركب كوستي حتى مضى نميري وحاشيته إلى استقبال أُعد لهم ليلقي خطاباً لمن تجمعوا لقائه. وسرى خبر عن احباط محاولة أخرى من الأنصار لاغتياله. وهناك تقرر إنهاء زيارة منطقة النيل الأبيض والعودة إلى الخرطوم على غير الباخرة التي لم يعودوا لها حتى لأخذ ملابسهم. فاستقلوا العربات حتى العاصمة في حين امتطى نميري للخرطوم طائرة رست على مطار ربك صباح 27 مارس وعلى متنها محمد ميرغني، قائد السرب في سلاح الطيران، الذي بعثته القادة العامة لإعداد امطار مدنية ربك لاستقبال طائرات سلاح الجو التي قد تُرسل للاشتراك في المعركة في أبا. وقال السوري إن المعركة ضد أبا كانت قد بدأت حين أخذوا في رحلة العودة للخرطوم. فقال: كان دوي قنابل ألقت بها طائرات شاهدناها في غدوها ورواحها يصم الآذان، يتبعه أزيز الرصاص، وانفجارات متلاحقة يتردد صداها في الآفاق جعلت أعشاب النيل المتناثرة فوق صفحة مياه النيل الهادئة تترجرج وترتعد”. وسنعلم من قائد السرب محمد ميرغني لاحقاً أن تلك الطائرات المغيرة كانت مظهراً من مظاهر فزع النظام لا شوكته.

الصورة: الجنرال في رحلته المجهضة للنيل الأبيض عند كوستي يقول لجمهوره فيها :الثورة قامت لأجلكم ومساعدتكم وهي مصممة على القضاء على التخلف والرجعية مهما كانت التحديات.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!