أبناء الإمام.. بنات الإمام

19


الحلقة الثانية
محمد المبروك

تلقيتٌ عدد من الاتصالات والرسائل بعد نشر الحلقة الأولى من هذه السلسلة يوم الجمعة. ثلاثة أشياء يجب أن تضعهم-عزيزي القارئ- في الاعتبار وأنت تطالع هذه الملفات:
الأول، نحن نجلس وسط عاصفة من الأوراق وعلى كومة من مسودات لقاءات مع شخصيات مرجعية في هذا الملف أو غيره، ولا نأخذ من هذه الوثائق إلا ما نراه مفيداً لتطوير العملية السياسية العامة.

الثاني، لا هدف لهذه الملفات سوى فتح الآفاق للفاعلين في المشهد السياسي ونحن من التواضع بمكان بحيثٌ لا نطمع في رفع مستوى التفكير السياسي ولكنّا نحاول على الأقل.
الثالث، نحن نضع دقة المعلومات أولوية قصوى بحيث نبذل جهداً يأخذ أسبوعا للتحقق من معلومة ما قبل أن نوردها أو نبني عليها تحليلاً أو استنتاجا ما.
نواصل ..

يتسم انتقال القيادة في حزب الأمة، من السلف إلى الخلف، بسمات مختلفة باختلاف المحطات التي مرّ بها الحزب منذ تأسيسه ، ففي حين انتقلت الزعامة من الإمام عبد الرحمن المهدي إلى الإمام الصديق عبد الرحمن المهدي بدون خلافات تذكر، أتسم انتقالها للصادق المهدي(1966 م) بطبيعة خلافية عاصفة بين الشاب الصاعد حينها الصادق المهدي وعمه الإمام الهادي. ولم يحسم الصراع بين القطبين الأنصاريين إلا استشهاد الإمام الهادي في ملابسات هجوم عسكري شنه نظام العقيد نميري على الجزيرة أبا في مطلع العام1970 م. بعدها دالت قيادة حزب الأمة للسيد الصادق المهدي ولم يعكر صفوها سوى محاولات خجولة بعد انتفاضة ابريل 1985م من جانب السيدين احمد المهدي ونصر الدين الهادي المهدي لم يٌكتب لها الاستمرارية. ثم محاولة السيد مبارك الفاضل المهدي عام 2001م والتي لا تزال مستمرة رغم ما شابها من هشاشة منذ بداياتها.

هناك كثير من الدلائل تشير إلى أنّ الإمام الصادق المهدي يحمل هاجسين أساسيّن حين يأتي الأمر لمسألة سيطرته على مقاليد الأمور داخل كابينة قيادة الحزب ومن سيخلفه على الزعامة المستقبلية.
الهاجس الأول، من وجهة نظري، هو ابن عمه مبارك الفاضل المهدي. هذا الوزير دائم العضوية في حكومة الصادق المهدي الأخيرة(86-1989م) ينتمي من ناحية للأسرة المهدوية التي توفر له المشروعية الطائفية لقيادة الحزب، ومن ناحية ثانية يتكئ مبارك على خبرة طويلة في العمل السياسي وعلاقات واسعة وأعمال تجارية ثم امتدادات نسب عشائري تربطه بواحدة من كبرى القبائل المناصرة لحزب الأمة في النيل الأبيض، لذا يمكن الزعم بأنّ مبارك المهدي كان-وربما لا يزال- يشكل خطورة فعلية على مخطط الإمام الصادق المهدي الطويل المدى وهو توريث أحد أبنائه أو بناته زعيماً على الحزب.
فيما بعد، فقد مبارك الفاضل، الذي تتسم حركته السياسية بالاستعجال والعشوائية، كثيراً من أوراقه الرابحة ولم يعد يشكل خطراً كبيراً على خلافة الصادق المهدي ولكنه لا يزال موجوداً في مضمار السباق على أي حال.

الهاجس الثاني الذي نظن أنّ الإمام الصادق المهدي يضع له اعتبار هو ما يحدث في داخل بيت غريمه التاريخي، البيت الميرغني. تبدو مخططات الإمام الصادق صدى لترتيبات السيد محمد عثمان الميرغني لتوريث أبنائه زعامة الحزب الكبير الآخر، الحزب الاتحادي الديمقراطي.
معروف سلفاً، أنّ التنافس بين البيتين الطائفييّن لم يمنع كل طرف من أخذ صفحة من كتاب الثاني. وكان واضحاً ومنذ بداية الألفينات أنّ الصادق المهدي بدأ يحاكي غريمه مولانا الميرغني فيما يتعلق بالسيطرة الأسرية على الحزب. وربما شجع نجاح الميرغني في إبعاد القيادات التاريخية الاتحادية وبسط سيطرته وسيطرة “حيرانه” وأبنائه من بعد على مقاليد الحزب، شجع هذا النجاح السيد الصادق ودفعه لإبعاد عدد كبير من قادة حزبه المعروفين مستخدماً شعاره الشهير:”الباب يِفوِّت جمل” وبذلك أحكم سيطرته على الحزب وبدأ، رويداً رويداً، تقديم أبنائه وكريماته للمناصب القيادية في الحزب تحت إشرافه ومراقبته الدائمة لتقدم الأبناء والبنات في المشهد السياسي العام، رغم أنّ الإمام الصادق المهدي كان يحاول إعطاء هذه الخطوات ملمح ديمقراطي ومؤسسي على خلاف مولانا الميرغني الذي كان يتجاهل كلياً الانتقادات الموجهة له ولأسلوب قيادته للحزب. انتقادات من من قبل قيادات الاتحاديين وشباب الحزب، ولكن في نهاية المطاف تبدو النتيجة واحدة وهي سيطرة الأسرتين الطائفتين على مقاليد الحزبين الكبيرين الأمة والاتحادي الديمقراطي،

وهذا يٌثبِت المطلوب أثباته؛ السيد الصادق المهدي يأخذ من صفحة كتاب السيد محمد عثمان الميرغني.
سعى السيدان، حتف أنف المؤسسية والديمقراطية، باجتهاد وإصرار لتحويل الحزبين الكبيرين لمكسب أسري خالص.
في الحلقة القادمة، سنرى كيف قطع الإمام رحلة طويلة نحو التوريث، وسنقف على صاحب الحظ الأوفر لخلافة الإمام بين الأبناء والبنات ومن خارج الأسرة.
_____ تابع الحلقة الثالثة غدا
*mabrouk@hikayat.com

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!