(أرواح إدَّوْ).. رهق استكشاف دغل الذات وروح الأمومة الحارسة

8

لمياء شمت

رواية القاصة استيلا قايتانو الأولى أرواح أدو الفائزة بجائزة القلم البريطانية، فئة الروايات المترجمة، الصادرة في ديسمبر 2018 عن دار رفيقي للنشر، جوبا، رواية تعج بخزين المواقف والتجارب والتقاطعات الإنسانية، وتئن بآلام الأمومة اللهيفة الكظيمة، وعصف أسئلة الهوية، وقلق الذات في بحثها عن المزيد من البهرج الفائض والكماليات الذي قد يخرج بها عن سوية طبيعيتها الإنسانية.

كما تزخر الرواية الواقعة في 260 صفحة بالعديد من التعقيدات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاصرها السودانيون في الفترة منذ منتصف السبيعنات وإلى منتصف الثمانينات، وتأثيراتها الهائلة على شخصية الفرد، حيث شهدت تلك الفترة تحولات سياسية شاملة وعاصفة تركت أثرها الوخيم على مجمل الواقع التاريخي والاجتماعي والسياسي للسودانيين، فقد أذكت الصراع والانقسامات، وألهبت جذوة النزاع المستند على وقائع التهميش والظلامات الاقتصادية والاجتماعية، والتنمية الانتقائية غير المتوازنة، التي أسهمت بشكل مباشر في تفاقم الغبن واندلاع الحروب، وتهتك النسيج الاجتماعي تبعا لذلك.

وقد اتبعت الروائية وفقا لمقدمتها التي تضيء مضمون الرواية وتقنياتها، اتبعت تقنيتين: تسيطر أحداهما على الجزء الأول من الرواية وحتى الفصل الثالث وهي تقنية الراوي بضمير المخاطب، والذي وصفته بأنه “قريب من أنا الشخوص”. ثم اتجهت لتقنية الرواة المتعددين، حيث يعبر كل راو عن كينونته ورؤيته في دورة تفاعله مع الشخوص الروائية الأخرى التي تشاركه بيئة المحكي. وأضافت الروائية بأنها قد تعمدت أن يتمتع الجميع بكونهم أبطال على قدم سواء، متورطين في خضم ذات الأحداث والتجارب التي ظلوا ينشدوا بها مراقي الكمال الإنساني المشتهى، فأخطأوا وأصابوا في كدحهم نحو اكتشاف ذواتهم.

تدور أحداث الرواية في بيئة قروية بسيطة تغص بالغموض والطقوس والأسبار والخرافة، ثم تتجه نحو المدينة المائرة بتعقيداتها وحكاياها وزحامها. وقد عملت الرواية على تسليط ضوء قوي ومركز على واقع المرأة السودانية، كضحية تسام للممارسات المجتمعية القاهرة المنتقصة للكرامة الإنسانية، ومحاصرة بالقيود والأسوار والكوابح التي تضيق ممكناتها وتسرق حياتها، وتحولها لمحض كائن منهوش الحقوق ومنهوب القيمة يستغل لخدمة رغبات الرجل. فالمرأة في النجوع والقرى أقصى الجنوب، على وجه الخصوص، تظلع لأشواط متتالية فوق جمر آلام متجددة وعنت حياتي متزايد، ومعاناة مريرة وعوز جارح، بما يختلف عن حجم معاناة المرأة في الوسط الشمالي أو في جهات أخرى من البلاد. وهو مما يخفض بل يصادر ممكنات تطورها واستقلاليتها وخروجها عن محابس العوز والاستغلال. وهكذا فإن المرأة في تلك الأصقاع تعتبر “ناجية” بكل معنى الكلمة من لطم أهوال متتابعة: فهي قد تنجو في طفولتها من قسوة ونكال الختان والأمراض والإهمال، وفي مراهقتها من رهبة الزواج المبكر الذي يتحين استباحة جسدها وسرقة براءتها، ولا تخلو مرحلة الأمومة من مخاطر تقترب بها من براثن الموت المتربص. وهي تتجشم كل تلك المشقات والمكابدات في وسط مجتمع يعلي، بلا مداراة، من شأن الشق الآخر ويهيل عليه الامتيازات ويرسخ حضوره.

تدور الرواية كما أسلفنا في منتصف حقبة السبيعينات وبداية الثمانينيات، وهي الحقبة التي أطل فيها العالم برأسه على أفق الحرية والانتعاش السياسي والاقتصادي والحراك المجتمعي، لكن الأمر كان مختلفا في السودان حيث طفحت تلك السنوات بتقلبات سياسية منذرة، حيث كثرت الانقلابات العسكرية الفاشلة الطامحة إلى سدة السلطة، وتماكرت جماعات الإسلام السياسي للقبض على مفاصل الدولة، دون مراعاة لواقع التعدد والتنوع، مما قاد مباشرة لاندلاع التمرد في دولة الجنوب، وتعالي صرخات المطالبة بالحكم الذاتي وتقرير المصير. ولعل ذلك هو ما حدا بالشخوص إلى النزوع إلى الاسترجاع، ونبش مخزونات الذاكرة.

الشخصيات الرئيسة:

إدَّوْ : واسمها يعني الكائن الذي حط من السماء أو صاحب العلو والسمو، وهي أم مكلومة ابتليت برحيل أطفالها، فانطوت حزينة على جرحها الطري، وقد خلف ذلك دافعا غامضا لخوض مغامرة سرية وممارسة الحب المروحن مع مجنون القرية، لتحمل ثمرتها وتنجب ابنتها الوحيدة لوسي، التي تنجو وتعيش بفضل التعويذة التي تلقيها أمها عليها قبل أن ترحل، لتنجب لوسي بستان من الأطفال وتعيش وقائع أمومة مدهشة. لكنها لا تنجو من نداءات الحنين فتظل تعود بروحها إلى حيث خضرة موطنها الصغير، تردد الأغنيات بوجد، فيشعر من حولها بغيابها في عوالم شرودها وأساها. وهي تدرك عميقا بأن روح أمها تتجول من حولها، حارسة راعية.

بيتر : وهو شخصية استثانئية وطفل لأم وحيدة، تركته تحت وصاية تاجر من الشمال، ثم اختفت في ظروف غامضة بعد أن عصفت المشاجرات والعراك وعدم الرضا بعلاقتهما بحبيبها القادم من الشمال، بسبب الغبن الاجتماعي الواغر في الصدور تجاه كل سودانيي الشمال، الموصومين بتجارة الرق والتآمر والقتل، واستغلال الثورات، وسذاجة الاستعلاء الثقافي. وبانتقاله إلى الشمال يصطدم بيتر بتفاصيل اختلافه السافر: سحنته الخلاسية واسمه المسيحي الذي يرفض بعناد التنازل عنه أو عن عقيدته.

ماركو: وهو زوج لوسي الذي هرب بها من أخطار الحرب وأهوالها،في رحلة من قريتها إلى الخرطوم. وهو يسبغ عليها أبوة رؤومة وريفة. ويكاد يحس بطيف أمها يرتكن المكان ليراقبه عن كثب.

وهكذا فإن الشخوص الروائية تظل مرتبطة بمدارات واقعها وأقدارها وهي تتنكب وعثاء طريقها نحو اكتشاف ذواتها.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!