الاستعلاء العرقي ومفاقمة أزمات السودان

3

 

السفير نصر الدين والي
أشاحت العنصرية والاستعلاء العرقي الموجه نحو قبائل إقليم دارفور بشكل سافر في عهد النظام البائد؛ وإن كانت تلك النظرة ليست بالجديدة أو المستحدثة في التفكير المتعالي والعنصري للبعض؛ فتلك النظرة تقوم على عقلية كامنة من التمايز القبلي الذي لا يستند لأساس تاريخي. فمفهوم تلك النظرة المستقبحة، وذلك الفكر المعوج إلى ما يسمى (بأولاد البحر وأولاد الغرب). قد زاد مؤخراً من رقعته الفكرية في السودان؛ ولكن المؤسف نراه يتجدد في عهد الثورة بدلاً عن الاضمحلال.

ولمن لا يعرف القبائل في دارفور، والمجتمع المكون للبنية السكانية في دارفور؛ فهي قبائل عديدة، تختلف أصولها، وموروثها الثقافي ونمط حياتها الاجتماعية؛ فمن سكان دارفور الأصليين قبائل إِفريقية مختلفة، ومنها أيضاً قبائل تنحدر من أصول وخليط من العرب الذين نزحوا إلى السودان من المكون العربي من أقصي شمال غرب إفريقيا بعد انهيار الأندلس وبدء الهجرات العربية عبر طريق قوافل العودة إلى الجزيرة العربية عبر طريق الصحراء أو طريق الحج من نوق الشط (نواكشوط) مروراً ببلاد فاس(المغرب) وجبال أطلس الصغير وأطلس الكبير في المغرب، وتونس الخضراء كما كان تتغني القبائل الحامية (التعائشة وأبناء عمومتهم الجنيد ومجنود الرزيقات والبني هلبه، والمسيريه والمعاليا) ونواحي الجزائر وبلاد البربر، والشلوح في جنوب الجزائر وليبيا حتي تخوم الصحراء قبيل النيل). وكان السكان الأصليون في دارفور يقطنون في كل المساحة في كل إقليم دارفور الشاسع. وهم قبائل عرفت بالسماحة في الخلق، وعلي قدر عال من التدين، الذي تجده في معاملاتهم وسلوكهم ونمط حياتهم؛ قبل دخول تلك المجموعات السكانية العربية الأصل إلى دارفور؛ الذي انصهر بشكل تلقائي مكوناً ما نراه اليوم في دارفور من كيان سكاني اجتماعي واسع وعريض، متجانس ومؤتلف؛ وفي تاريخ دارفور الحديث وفد إلى الإقليم الشاسع العديد من التجار من شمال السودان؛ أطلق عليهم الجلابة؛ فاستقروا في دارفور وعاشوا بسلام وتصاهروا وأصبحوا جزءاً من نسيج دارفور الاجتماعي؛ وأن ذلك الانصهار والتآلف في تلك البوتقة التي تشهدها دارفور لم تعرف ولم تحس تلك النظرات الاستعلائية فيما بينها؛ وفي حياتها ومعيشتها وتماذج مجتمعها؛ ولكن وبالمقابل بدأت النظرة العرقية  الاستعلائية تأخذ رقعتها في الاتساع في بعض العقليات في شمال السودان؛ وتأخذ أهل دارفور على حين غرة.

عبارات الاستعلاء العرقي تنطوي على نظرة دونية، تكرس عبر ثقافة خبيثة، ورويدا رويداً بدأت تتسرب للمفاهيم الاجتماعية، ولم تسلم منها حتى الأغاني، التي تشير وتكرس لتلك النظرة الدونية، فأصبحت الفتيات يتغنين (بود الغرب، وود دارفور، وبنيه نوبيه سموها زنوبة وغيرها من كلمات أغاني البنات في الحفلات) ومن ثم طفحت هذه النعرة المتخلفة والاستعلائية والإقصائية على مجمل التعامل الاجتماعي حتي أصبحت ثقافة مقيتة وبرزت معها انتهاكات إنسانية جسيمة (وهناك تسريب منسوب للرئيس المخلوع مستقبح للغاية يتحدث فيه بتندر وبعبارات لا يمكننا من إيرادها، ولكنها تحض على تكريس الاستعلاء العرقي البغيض).
ولتلك النظرة الاستعلائية مرجعية في مثل هذا الفكر المستقبح؛ فقد بدأ ذلك بتحريف التاريخ منذ الثورة المهدية وعلى وجه الخصوص، تاريخ الخليفة عبدالله التعايشي؛ فلم يسرد تاريخ المهدية؛ الثورة الإسلامية الأولى في السودان بأمانة. والآن وبعد تفجر ثورة ديسمبر التي أردناها تغييراً جذرياً للواقع المريض بكافة أشكاله، وأردناها بداية لإدارة التنوع الثقافي كقوة اجتماعية ناعمة للبناء سودان المستقبل؛ ما يزال البعض يستغل الحرية المتاحة بمفهوم خاطئ، لتطفو وتطفح كلماته ورسائله لتكريس تلك النظرة الاستعلائية الزائفة.

السودان بلد لم يكن في الأصل سوى بلد إفريقي، تقطنه منذ القدم قبائل إِفريقية لها حضارة ومجتمع له قيمه ومبادئه وأعرافه وموروثاته وعقده الاجتماعي. ويؤرخ له بإنسان سنجة الأول؛ ومن ثم نشأت ممالك كوش، وكرمه ونبتة ومروي أقدم الممالك الكوشية؛ ثم تلتها الممالك النوبية؛ المقرة وعلوة ونوباتيا، فبدايات التكوين الحضاري للسودان قبل الإسلام؛ ودخول المجموعات السكانية العربية الوافدة لبلاد السودان؛ ثم جاء دخول الإسلام وقيام الممالك الإسلامية؛ السلطنة الزرقاء، وسلطنة دارفور ومملكة المسبعات؛ مرحلة تاريخية أخري قبل دخول التركية في السودان؛ وإن كنّا لسنا نبحث هنا عن التحدث للحضارة  في بلادنا وأصلها وتاريخها لنثبت أن للسودان حضارة قديمة وعريقة، ولكن فقد أثبت علماء الآثار والحضارة قدم حضارة بلادنا، وصنف السودان كسابع دولة على مستوى العالم من حيث الثراء الحضاري، وأن بالسودان ما يقارب ٣٠٠ هرم بارز، ولنا في العالم الدولي شارل بونيه أسوة، فقد عكف على دراسة الحضارة السودانية إلى ما يقارب الأربعة عقود، وأثبت أن الحضارة النوبية في بلادنا أقدم من وصيفتها في الجارة مصر، بل أن الحضارة النوبية السودانية تنحدر نحو الشمال كما النيل في مسيره وصيرورته التاريخية. ولكننا هنا بصدد الحديث عن أن بلادنا في الأصل لم تكن سوي دولة إِفريقية يسكنها خليط من السكان ذوي الأصل الإفريقي، ويمثل النوبيون المجتمعات الأكبر ويمتد وجودهم على طول النيل، وهم بناة الحضارة النوبية في السودان ومصر، وأن القبائل الإفريقية هم السكان الأصليون للبلاد. وهم قبائل مشهود لها بالشموخ والكبرياء والسماحة في الخلق، وهم شعوب مسالمة لا يعتدون على جيرانهم ولم يعرف عنهم أنهم شنوا حرباً على أي من الشعوب حولهم، بل ظلوا يعيشون في سلم وسلام اجتماعي، فتزاوجوا وتناسلوا فيما بينهم. وعند بدء الفتوحات الإسلامية، وبفعل موقع السودان، أصبحت بلادنا معبراً من الشمال إلى العمق الأفريقي، ومن الغرب إلى الجزيرة العربية، وكانت تلك هي بداية دخول العرب والإسلام معاً، فكانت رحلات التجارة من عبر مصر وإلى السودان، ورحلات العودة الجزيرة العربية من جبل طارق وطليطلة والأندلس عندما اشتد الشوق للعرب إلى ديارهم، فعبروا الصحراء وفيافيها عبر ما عرف فيما بعد بطريق الحج الذي يمر تحديداً بمدينة بربر، فبدأت الثقافة العربية واللسان العربي في التسلل إلى الكيان النوبي والإفريقي في بلادنا، وبدأ الاختلاط والتزاوج بين السكان الأصليين والعابرين من العرب أو الأعراب، وبدأ روبداً رويداً المجتمع السوداني في التشكل حتى أصبح فيما نحن فيه الأن من مزيج من كل ذلك الخليط الإنساني. وبالتالي فإن أي إدعاء بالعروبة والنقاء العرقي في السودان ضرب من الخبل الزائف. بيد أن نزوح العرب وعبورهم لأراضي السودان الشاسعة بخيولهم وجمالهم وماشيتهم قد كرس لدي البعض جهلاً بأنهم كرعاة وملاك  للثروة (للسعية) مقابل سكان أصليين يفلحون أرضهم ويعيشون في سلام، بأنهم هم الأعلون ، وهذه الثقافة الدخيلة لا تجدها في السودان فحسب، بل تجدها عند كل القبائل الرعوية على إمتداد إفريقيا، كالبول في غرب إفريقيا (الأمبرورو في السودان) .

ثم أطلت الحرب اللعينة في دارفور لتعمق الجراح بقتل أرواح العديدين من المواطنين العزل المسالمين في كامل إقليم دارفور، وأطل شبح الإبادة  برأسها، وأعلن بعض رموز النظام انتهاج سياسة الأرض المحروقة والتطهير العرقي، حدث ذلك في دارفور منذ عام ٢٠٠٣، مع تفجر الحرب الداخلية التي قادها النظام البائد في هذا الإقليم المسالم أهله، وتوقفت مرة أخرى عجلة الإنتاج في هذه المناطق الملتهبة بعد أن أضطر أبناؤها لرفع السلاح بوجه النظام وآلته العسكرية التدميرية الضخمة للدفاع عن أنفسهم وعرضهم وأرضهم، فبدأت الهجرة القسرية والنزوح الداخلي والخارجي وزادت معه أثارهما المرة والمؤلمة. وتفتقت جراح قديمة من الاستعلاء العرقي والعنصرية المقيتة.
وفي إنجمينا، عاصمة الشقيقة تشاد، والبلد الدافئ بالحب للسودانيين وبثقافته وموروثاته وحياته الاجتماعية، بلد لا تحتاج لكثير عناء للبحث عن أفضل التسجيلات للأغاني السودانية، ويدهشك التشاديون بمعرفتهم بآخر وأقدم التسجيلات لوردي ومحمد الأمين وحتى طه سليمان؛ تحضرني في هذه البلاد الرائعة بحبها لنا مقولة لأحد الساسة القدامى، والمحافظ لمحافظة وادي المتاخمة لغرب دارفور، المغفور له بإذن الله، السنوسي ودك، عندما قال لي والله يا إكسلانس،  “أنينا ديل والله كن جرينا أربعين حول ما نهصلكم وأنتو واقفين في بكانكو ده” فقلت له ممازحاً وبنفس لهجته “كيكيف يا إكسلانس” فأردف قائلاً “ما إيتو ديل خليتو القبلية دي في وراكو زمان” فتعجبت من تلك النظرة لحكيم تشادي في إعلاء نظرته للسودانيين، في نبذ العنصرية والقبلية. ألم يحن بعد نبذ تلك النظرة الاستعلائية في سودان الثورة، سواء تجاه أنفسنا؟؟
وَيَا ترى ماذا كان سيقول عمنا السنوسي ودك، عن حال السودانيين الآن، الذين امتدح وتباهى بنبذهم للقبلية على أنها سنام العنصرية المقعدة للشعوب، إن قيض له الله العيش حتي اليوم؟ وماذا كان سيقول إن علم بأن وزيراً سابقاً، أضاف عبارة مقيتة في طلب التقديم للوظيفة في وزارته التي عدها ضيعة وخاصته بالميراث، عندما أضاف كلمة “أذكر القبيلة للطلب”؟، أو إن عرف أن وزيراً غير مختص بالتنمية السكانية أو بدراسة الانثربولوجي مسك بقلم لم يمسك به ماكميل (و ماكميل، هو السير هيرالد ماكمايكل)، الإداري البريطاني حديث التخرج الذي عمل بالسودان في فترة الحكم الإنجليزي وكانت تمتلكة نزوة معاداة القبائل التي شاركت في المهدية فحاول يوماً مشؤوماً له بأن يمضي قراراً رغم ما في القرار من إهانة لكرامة ناظر الكواهلة، الشيخ عبدالله ود جاد الله، جد الإمام الصادق المهدي، فتلي ماكمايكل القرار المهين على الشيخ عبدالله ود جاد الله وأمسك بقلمه وهم بالتوقيع على القرار، فما كان من الشيخ ود جاد الله إلا أن انتزع القلم منه وكسره، فلقب بكسار قلم ماكميك)،

ولكن هذا الوزير الآخر في عهد النظام البائد، الذي لا أظنه قد أحسن قراءة التاريخ الدخيل على (ثقافته الأم)، فأمسك بذات القلم (بعد عقود مضت) والذي كسرته يد العزة والكرامة،  لشيخنا ورمز عزتنا الشيخ عبدالله ود جاد الله، ورسم مثلثاً أصطلح على تسميته (مثلث حمدي)، فقد رأي في ورقته التي قدمها وتضمنت محوره السياسي الإستراتيجي؛ حيث قال “إن الجسم الجيو سياسي في المنطقة الشمالية محور دنقلا سنار كردفان كفكر تجانساً وهو يحمل فكرة السودان العربي الإسلامي بصورة عملية من الممالك الإسلامية قبل مئات السنين ولهذا يسهل تشكيل تحالف سياسي عربي إسلامي يستوعبه، وهو أيضاً الجزء الذي حمل السودان منذ العهد التركي الإستعماري” (أرجو الرجوع لمقال الأخ والصديق والإعلامي النابه صلاح شعيب تحت عنوان (مثلث حمدي: طوبي للفقراء وأبناء السبيل، الذي نشر بتاريخ ٦ يوليو ٢٠٠٩ بصحيفة سودانايل الإليكترونية).
توقفت عند تلك العبارات التي حاولت إيقاف حركة تطور السودان البلد الإفريقي الأصل المستعرب ثقافة، والمتجانس رحماً وتنوعاً قبل مجيء الترك إلى بلادنا بعقود، ولا أدري إن كان (صاحب ذلك المثلث) مصاب حينها بمركب عقدتي (بروجوديس (préjudice) والمسيح المخلص معاً)!!!. وعندما سئل عن ورقته المثيرة للجدل، قال (لا تعتقدوا أنني كتبت هذه الورقة بدون تفكير، وهذه الورقة ليس لدي أي إعتذار عنها) راجع مقال السيد د. صديق أمبده (ليس إعتذاراً ولكنه أقبح من الذنب) صحيفة سودانايل يوم ٢٠١٢/٤/٦.
أليس أن مثل هذا التفكير عين القبليه والعنصرية والإستعلاء العرقي الذي إعتقد عمنا السنوسي ودك، طيب الله ثراه خطئاً بأننا في بلاد السودان قد تجاوزنا إلى غير رجعة ؟؟؟ وفي رواندا فإن مجرد ذكر كلمتي الهوتو والتوتسي (محرماً قطعاً)!!، فكيف بالله عليك تكون نهضتنا وحديثنا الأجوف ونحن نتغني مع وردي حادي الثورات السودانية، (نحن في الشدة بأس يتجلي …. وعلي الود نضم الشمل أهلاً…ليس في شرعتنا عبد ومولي…قسماً سنرد اليوم كيد الكائدين…وحدة تقوي على مر السنين) ما أعذب الكلمات لشاعرنا مرسي صالح سراج، وما أقساها عندما يأتي من يعاني من عقد ذاتية ويرمي أصلنا النوبي الإفريقي في جب لاقرار له، ولكنه محظوظ فلم يعد فينا (كسار قلم ماكميك) !!!.

دعونا إخوتي نعكف على نبذ العنصرية والإستعلاء العرقي الزائف، والتباهي بأصل عرقي لا نقاء فيه؛ ونضع جهودنا معاً في إدارة التنوع الثقافي في وطننا ونوجهه نحو إعادة بناء مستقبلنا، دون عودة لخلافات قد تنسف وتهدد وحدتنا الاجتماعية وقوتنا الثقافية.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!