أموال السودان المودعة في قطر ودول أخرى

10


د. هشام القروي مدير مركز مستقبل الخليج- لندن

ظلت قطر وتركيا مؤيدتين لنظام البشير حتى النهاية. كانت تركيا وقطر من الدول القليلة غير العربية التي يمكن للبشير زيارتها دون خوف من الاعتقال بسبب أمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية.

هناك الكثير من أسرار نظام البشير التي لم يتم الكشف عنها بعد، بالإضافة إلى الأمكنة التي أودعت فيها أموال نهبت، كما هناك أيضا مسألة العلاقات الخفية أو الفاسدة بين النظام البائد والدول التي دعمته، وفي مقدمتها قطر. وكل هذا يعود اليوم إلى الأضواء.

الأجندات الخفية للدوحة ونظام البشير البائد

تم توقيع وثيقة الدوحة القطرية للسلام في دارفور في عام 2011، لكنها لم تنفذ قط. ولئن كان السلام في دارفور هدفا نبيلا، فكونه لم ينفذ يثير أسئلة عن الهدف الحقيقي من العملية. هل كان هو السلام أم دعم نظام البشير الفاسد والدموي؟ وإلى أي مدى استفاد النظام من هذه العملية التي وفرت له غطاءً حيويًا، بدلاً من تعزيز السلام الحقيقي أو مساعدة الضحايا والمشردين داخليًا؟

علاوة على ذلك ، ما الذي يمكن أن تخفيه العلاقات بين الدوحة ونظام البشير من ناحية، وجيش الرب للمقاومة The Lord’s Resistance Army و بعض السياسيين والجماعات المسلحة في جنوب السودان، من ناحية أخرى؟ ما هي المكاسب التي وزعتها دول دعمت نظام البشير الفاسد كثمن للسماح لها بممارسة الأعمال التجارية؟

ضرورة الكشف والمحاسبة
ولعل تعقب الحسابات المصرفية السرية المحتملة للبشير، التي تتوزع بين الشرق الأوسط و شرق آسيا ، هي بداية الطريق، لأن استرجاعها يمكن أن يساعد بشكل ملموس حياة السودانيين الفقراء. وفي نفس الوقت، فإن تتبع علاقات نظام البشير غير المشروعة، أينما قاد ذلك، سيساعد بشكل ملموس على معرفة المزيد من الحقائق حول نظام دمر الاقتصاد وقسم البلد نصفين.

وقد أدت الإطاحة بالديكتاتور السوداني عمر البشير في أبريل 2019 إلى إنهاء نظام استمر قرابة 30 عامًا ، ويتميز بوحشيته ومهارته في مقاومة العواصف السياسية والتكيف ليتمكن من البقاء عقودا متتالية على قيد الحياة.
وأفادت بعض التقارير أن عمر حسن البشير استولى على “ملايين الدولارات” من أموال بلاده وأرسلها إلى حسابات مصرفية في قطر وإيران.

ويقدر الدين الخارجي للسودان بنحو 62 مليار دولار ، وتحاول الحكومة الانتقالية بشكل يائس العثور على أموال للتعامل مع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة و التي ضاعفت حدتها جائحة كوفيد 19. وقد ساهم نظام البشير بشكل أساسي في تفقير البلد وسلبه، فربع السودانيين يعيشون في فقر مدقع.

من الثورة الإسلامية العالمية إلى الإرهاب
كان النظام الإسلامجي لحزب المؤتمر الوطني، أو الجبهة الإسلامية، المعروف شعبياً بنظام (الإنقاذ) – ينادي بالثورة الإسلامية التي جعل منها أولوية في جميع أنحاء أفريقيا وخارجها، بطريقة تذكر الملاحظين بنظام الخميني في إيران. وليس غريبا والحال هذه أن تتصل العلاقات بين النظامين. قدم البشير وزمرته ملاذاً لأسامة بن لادن ، وأعلن الجهاد ضد مواطنيه من غير المسلمين في جنوب السودان، ويسر محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك خلال زيارة هذا الأخير أديس أبابا في عام 1995.

إن الضغوط الأمريكية والسعودية هي التي أجبرت نظام عمر البشير على طرد بن لادن وكبح بعض أفعاله العلنية الداعمة للإرهاب، على الرغم من أن النظام لم يتب ولم يتنكر أبدا لماضيه المظلم. وفي حين تظاهر النظام بالخجل من ممارسة الإرهاب بشكل علني ، إلا أنه لم يتوقف أبدًا عن السرقة. وله في هذا السياق بعض الداعمين المتواطئين.

دور قطر وتركيا
كشف تقرير صحفي استقصائي فرنسي جديد أنه “وفقًا لضباط المخابرات السودانية” في الحكومة الحالية، استولى البشير وعشيرته على ملايين الدولارات وقع إيداعها في حسابات مصرفية في قطر وإيران حيث توثقت العلاقات معهما منذ التسعينات.

كان تطوير ميناء سواكن في البحر الأحمر قبالة سواحل السودان موضوع اتفاق بين قطر والسودان في مارس 2018. هل كان ذلك حقا استثمارًا اقتصاديًا؟ كانت هناك شكوك حول وجهة الأموال، خاصة بعد أن أصدرت الحكومة الإريترية بيانًا تتهم فيه قطر بتمويل الجماعات المتطرفة في السودان. وكانت الشبهات حول احتمال تمويل القطريين لداعش قد ظهرت في مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية في 2014، وهي السنة نفسها التي اندلعت فيها الأزمة الكبرى الأولى بين قطر والسعودية و الإمارات والبحرين ومصر. وبحسب المصادر نفسها فقد قبض البشير رشاوى لمشروع سواكن التي استلمها في النهاية الحليف التركي لأمير قطر.

وقد فتح مؤيدو الإسلامي الإريتري المتطرف محمد جمعة سرا مكتبا في منطقة معزولة لتنظيم الأنشطة السياسية والعسكرية وتدريب أفراد التنظيم. وقامت سفارة قطر بالخرطوم بتوفير التمويل لأنشطتها. وكان جهاز الامن والمخابرات السوداني يدير التدريب والوظائف اللوجستية الأخرى. وانفضح الأمر عندما وجهت الحكومة الإريترية اتهامات نحو قطر والسودان باستهدافها بالعمل الإرهابي.

استماتة القطريين في تأييد الدكتاتور
وافترضت الصحف السودانية المحلية أن عشيرة البشير ربما تكون قد أخفت أموالًا إضافية في ماليزيا ، وهي تهمة نفتها الزوجة الثانية للبشير. في حين كانت قطر وإيران مؤيدين مهمين لنظام البشير لسنوات (تم قطع علاقات السودان مع إيران في نهاية المطاف في عام 2016) ، كانت ماليزيا والصين شريكتين رئيسيتين للسودان في قطاع النفط.

ظلت قطر وتركيا مؤيدتين لنظام البشير حتى النهاية. كانت تركيا وقطر من الدول القليلة غير العربية التي يمكن للبشير زيارتها دون خوف من الاعتقال بسبب أمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية. كل هذه الدول، إلى جانب العديد من الدول العربية الأخرى، مكنت النظام من البقاء لسنوات، ودعمت حكم البشير الدموي بالمليارات من المساعدات – كانت الأموال تمر عبر وزارات حكومته ومؤسسات شبه حكومية بدون شفافية أو محاسبة عامة.

وبينما عاش البشير ونخبته الحاكمة بشكل جيد من نهب الاقتصاد، غرقت السودان في عمق الفقر. وبقدر ما كان الدافع وراء الثورة الشعبية 2018-2019 هو الجوع والتضخم، كان أيضا رفض نظام دمر البلاد وقسمها خلال ثلاثة عقود من الحكم الدكتاتوري القائم على أيديولوجيا ظلامية.

مواجهة الأزمة الاقتصادية وفيروس كورونا
واليوم ، مع استمرار الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب التعطيل والحظر والإغلاق التي فرضها فيروس كورونا الجديد، يرى ملاحظون في الأمم المتحدة أن الوباء يمكن أن يكون نقطة تحول ربما نحو بؤس أكبر. فلا يزال التضخم والجوع مصدر قلق كبير والحكومة الانتقالية بحاجة ماسة إلى موارد إضافية. و ما زال أكثر من ربع السكان في فقر مدقع. ولم يسلم من العدوى حتى موظفو بعثة الاتحاد الإفريقي و الأمم المتحدةفي دارفور، حيث أعلن يوم 22 ماي/أيار عن تسجيل 7 حالات مشتبه بها بكوفيد-19 بين أفرادها العاملين في قاعدتها اللوجستية في مدينة الفاشر الواقعة شمالي إقليم دارفور في السودان.

هذه السلطة الانتقالية التي تضم حكومة مدنية إصلاحية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تحاول العمل بعناية مع القادة العسكريين الأقوياء في البلاد، و تبذل قصارى جهدها. و على الرغم من أوجه القصور والتناقض، فهي تحاول تحسين حقوق الإنسان ، وتوفير المزيد من الشفافية ، ومعالجة العديد من أبشع سياسات النظام السابق. كما تعمل الحكومة الانتقالية بجد من خلال الحوار مع مختلف الجماعات المتمردة لإحلال السلام في السودان.

إن إدارة حمدوك لا تحاول فقط تتبع الأموال التي سرقها حزب المؤتمر الوطني ولكن أيضًا استعادة أجزاء من الاقتصاد التي خص بها البشير وأعوانه الأجهزة الأمنية. كل هذا يحدث في خضم نقص الخبز والوقود وغاز الطهي مما يجعل تدابير التباعد الاجتماعي التي فرضت بسبب كوفيد – 19 أكثر تعقيدًا.

وإذا كانت أي حكومة قد عملت بجد من أجل الحصول على إعادة اعتبار لدى إدارة ترامب ، فهي الحكومة السودانية. يحتاج هذا النهج الإصلاحي الهش والواقعي ، إلى جانب الموقف الجيوسياسي الاستراتيجي السوداني وأهميته للأمن القومي للولايات المتحدة، إلى استجابة أقوى وأكثر واقعية، من حيث المساعدة المقدمة من الغرب وخاصة الولايات المتحدة. إن الضغط الأمريكي على قطر والدول الأخرى لإعادة أي أموال أودعها نظام البشير إلى الشعب السوداني يمكن وينبغي أن يكون جزءًا من اتفاقية جديدة لتعزيز الإصلاح والكرامة الإنسانية بين سكان السودان البالغ عددهم 43 مليون نسمة.

أموال السودان المودعة في قطر ودول أخرى

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!