أيام في جوبا

0

معتصم الشعدينابي
ما بين جنوب السودان وشماله لا يحتاج مني إلى كثير عناء لإبرازه فقط يحتاج التعبير عن ذلك (البين) إلى إمكانيات تمكن من تركيب الحروف بمهارة داخل الكلمات وترتيب الكلمات كما ينبغي داخل الجمل وإحكام الجمل كما يجب داخل النص، وفي هذا الإطار المضبوط يجب أن نكتب أحسن القصص عن الجنوب والشمال أو نسكت، ولكني هنا أفضل على السكوت، أن أخطئ ألف مرة وأنا أدلي بدلوي المثقوب في الحديث عن العلاقة بين شعبي السودان في الشمال والجنوب.
فتحت لنا مفاوضات سلام السودان (كوة) لنتسلل عبرها إلى جوبا مرة أخرى، وإن كان رجوعنا إلى هناك هذه المرة محكوما بإجراءات خروج وعودة يسبقها الحصول على موافقة دخول (تأشيرة) من سفارة جمهورية جنوب السودان من الخرطوم عبر القنصلية.
ولكن كل هذه المظاهر الرسمية والإجراءات الشكلية لم ولن تفلح في تغيير شعورنا بأننا في بلدنا، ولن تغير هذه الشكليات انطباعاتنا عن جوبا التي نعرف منذ أن كانت مساحة السودان (مليون ميل).
وجودنا بالفنادق كان يغذي فينا الشعور بأننا ضيوف على هذه المدينة لذلك اخترنا (المساسقة) بين الأسواق والمقاهي الشعبية (ستات الشاي) في وقت الفراغ، والمقاهي هذه لا تجدها بهذا الشكل إلا في السودان جنوبه وشماله ف(ست الشاي) هنا وهناك هي دائما المتنفس والملاذ والمؤتمر والمؤتمن وربما الكثير المثير وغير المثير.
من وحي الصورة المحفوظة بذاكرة الهاتف تقافذت إلي هذه الانطباعات متسابقة نحو الهروب من ضيق ذاكرتي المثقوبة إلى فضاء الحروف المكتوبة، فكان لها ما أرادت، فمعذرة إن ارتبكت الحروف ولم تخرج بالترتيب المطلوب، فقد آثرت أن تخرج متلعثمة على ألا تخرج.
عدسة الشاب (سامر) جمعت في مساحة ضيقة بحساب وحدات قياس الصورة، جمعت شتات أصدقاء تسببت السياسة في التفريق بينهم منذ نحو عشر سنوات، دونما ذنب جنوه، أو ربح اكتسبوه ولن نعطي هذا الماضي السياسي البغيض الكثير من الذكر في مساحتنا الاجتماعية هذه.
جمعتنا الصورة بمنزل الزميل الصحفي الهادي هواري العامر في جوبا والهادي سوداني كامل تزاملنا في صحافة الخرطوم حينا من الدهر لن يكون شيئا منسيا، قبل ان يصبح السودان الواحد سودانين اثنين، اجتمعنا على دعوة عشاء أبدعت في تفاصيلها حرمه التي تفرغت لتلك المهمة وأنجزتها من (المالح إلى الحلو) بإتقان.
الصورة تعكس حالة السودانيين حينما تجمعهم الظروف في الهم العام، والناظر إلى مكوناتها لن يجد ما يميز ضابط الجيش من الصحفي من السياسي، فقد أذابت (كترة الطلة) والاحتكاك في قاعات التفاوض والسكن الفوارق بين الناس فلم نعد نفرق بين الصحفي والنظامي والسياسي والموظف. وهذا ما خلق جوا من التآلف وانعكس إيجابا على تعامل الناس في ما بينهم.
لم أخصص هذه المساحة لمدح الزميل الهادي هواري وإن كان يستحق، ولكن فقط حاولت ان اتذكر “بصوت مكتوب” وأشرك معي الرفقاء الذين ربما يتفرقون ثانية في دروب التعب والراحة.
كثيرون هم من لم تشملهم الصورة المعنية وجمعتهم لقطات غيرها باقية بالذاكرة، وما الاحتفال بليلة رأس السنة في فندق (لاند مارك جوبا) ببعيد، فقد كان احتفالا عفويا عبر عن جمال روح الأشقاء في السودان الكبير.
وقد فرخت فترة المفاوضات التي لا تزال متواصلة في جوبا جماعات صغيرة متناغمة في قاعات التفاوض وخلف كاميرات وكواليس التغطية الإعلامية وأمامها والتحية لجوبا من الخرطوم ولنا عودة.
الصورة التي أوحت لي بكتابة هذه الخواطر كانت تضم إلى جانب الهادي هواري، هيثم أويت وآخرين من طاقم الجزيرة، وضابطين من القوات المسلحة السودانية، وزملاء مهنة من جنوب السودان، وللأسف افتقدتها وطلبتها من بعض الزملاء الذين يحتويهم إطارها فضنوا بها علي وأولهم ياسر المساعد ومنهم رضا وشادية وجاليا اسكاي وسامر وآخرين، وكنت قد اعتمدت عليها في كشف التفاصيل ودقة وبلاغة التعبير لكن خذلني هاتفي كما فعل بعض أصدقائي.

التعليقات مغلقة.