https://www.dirtyhunter.tube

أين ذهبت الحركة الإسلامية ؟

5

حاتم الياس

على مر القرون كانت – باستمرار – هناك طبقة جاهزة لتقديم خدماتها للسلطة، هكذا يعلمنا التاريخ أنه ومهما كانت طبيعة السلطة في أي زمان أو مكان وطبيعة الخطاب السياسي والأيدلوجي الذي تطرحه يمينيا كان أو يساريا، فإن ثمة نخبة جاهزة على الباب لتقديم خدماتها وإيجاد موقع لها داخل أعشاش السلطة، خصوصا إذا كانت سلطة أو الحكومة ذات مشروع شمولي. ففي فيلم قديم للممثلة فردوس عبدالحميد وخالد النبوي وصلاح قابيل (أرجو أن يذكرني به من يملك المعلومة واسم الفيلم) يحكي عن لحظة حساسة في تاريخ حركة المقاومة المصرية في السويس إبان التدخل الثلاثي بعد تأميم قناة السويس، فقد تم تكليف الممثل خالد النبوي شقيق فردوس عبدالحميد بمهمة توصيل أسلحة لعناصر المقاومة، لكنه جبن في لحظة حساسة ومفصلية، فتصدت هنا شقيقته فردوس عبد الحميد بحس وطني عال وفدائي رغم المخاطر ونقاط تفتيش الجيش الإنجليزي لإنجاز المهمة، فيما بعد نسبت بطولتها وجهدها هذا لشقيقها وبعد نجاحها ولم تجرؤ هي للحديث، وكشف الملابسات الحقيقية لواقعة تسليم السلاح، وسينسى تماما دور الشقيقة خلف حجاب نكران الذات النبيل. بينما سيصعد نجم الشقيق خالد النبوي كأحد أبطال المقاومة، ويترقى ليصبح أحد نجوم السياسة في الحقبة الناصرية. ودون أن نطيل في السرد فإن الفيلم يريد أن يحدثنا عن استيلاء الطبقة الانتهازية في مصر التي أنتجت لاحقا ما يعرف بطبقة الانفتاح الطفيلية في العهد الساداتي التي استولت على مقاليد الأمور دون أن تكون جزءا من القناعات التحررية الوطنية للناصرية وثورة يوليو، وحتى لايفرح الإسلاميون بهذه المقارنة التي لا يحتملها أي سياق سياسي بين ناصر وثورته وبين ما حدث في السودان، وبين ثورة أنهت حكم ملكي واستعمار، وبين من انقلب على نظام ديمقراطي جاء بعد ثورة شعبية، لكننا فقط سقنا هذا النموذج هنا لتشريح فكرة السلطة و(مجتمع السلطة)، إذ أنه من الواضح الآن أن من يدافعون عن الإنقاذ أغلبهم طيف واسع جدا ممن انتموا لاحقا للإنقاذ من باب مجتمع السلطة لا بالتنظيم الذي أتى بها للسلطة. وبالتالي ارتبطت بشكل عضوي مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية والرمزية كذلك بوجودها كسلطة يرتبط وجودها وعدمها بهذه المصالح،سلطة تملك خزائن البلاد وإدارتها، ولعل الكثيرين يذكرون بدايات عهد الإنقاذ وكيف تم إطلاق اللحى وارتسمت معالم التدين بغرة الصلاة على الجباه والمسابح المحمولة في الأيادي في فترة الإنقاذ الأولى خصوصا وسط أولئك الموظفين المساكين والمذعورين الذين خرجوا سالمين من مذبحة الصالح العام، إذ كان على هؤلاء أن يركضوا إلى المسجد ركضا ليتخذوا موقعا قريبا من المدير العام الجديد حتى يراهم في تمام العبادة والتدين والإخلاص الممتثل لفكرة دولة المشروع الحضاري، وهم بذلك ينفون عن أنفسهم شبهة المعارضة ورجس العلمانية حتى حياد الأفندية. هذه الصورة كنت تراها في جميع المواقع والأماكن تقريبا من أجهزة الدولة في تلك العهود، وربما هؤلاء الراكضون إلى مساجد المصالح والإدارات الحكومية هم الآن في أعلى المناصب التنفيذية ويتحكمون في أكثر القرارات الحساسة في البلاد.
الحركة الإسلامية تقريبا ابتلعها مجتمع الإنقاذ ووجودها واقع الأمر شكلي أو بقايا لعناصر وشخصيات قديمة تصر على أنها تملك حصريا حق الخلاص لشعب السودان، لكن مجتمع الإنقاذ تشكيلة المصالح الاقتصادية والاجتماعية وجماعات البزنس هي الآن من تدير أمر السلطة فقط باستلاف (حجبات الحركة الإسلامية) التي تقلص دورها ولم يعد لها وجود يذكر، وإن ادعى علي عثمان محمد طه خلاف ذلك، مهددا بفزاعة كتائب الظل.
بعد ثلاثين عاما للإنقاذ في السلطة فتح خزائن الدولة لتراكم ثروات منسوبيها سيلتقط مجتمع السلطة الواقف على الأبواب عبر تاريخ السلط في العالم طموح الجاه الاجتماعي للإنقاذي والإسلامي، وهو يبحث عن مافاته من نعم حضرية قديمة، كان يسمع بها ويحلم سواء أكان ابن مدينة أو قرية بعيدة، ومع وجود حلم الترقي الطبقي سينحسر ظل التنظيم وينأى ويضعف في الذاكرة الحركية المؤمنة بمشروعه ليحل محلها أهل مجتمع السلطة في مراكز القرار. وليكونوا كعادتهم أول من يقبض ثمن هذا التحول الطبقي والاجتماعي لأنهم كانوا في الموقع الصحيح الذي يفهم طبيعة السلطة كمشروح طموح فري لا مشروع تنظيم وحركة أو حزب، ثم يلبس وضع بينها قيلا إلا أن يصبحوا فيما بعد هم أنفسهم لاغيرهم (أصحاب الجلد والرأس والحكم)، فهل نحن الآن نواجه الإسلاميين أم أصحاب المصالح الاقتصادية والتجارية والنفوذ التي تكونت داخل سلطة الإسلاميين؟
___
نشر في ٣٠ مارس ٢٠١٩ وأجريت عليه بعض التعديلات

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!