إثيوبيا منشغلةٌ بالتنمية ونحن بالصراع

3

النور حمد

جاء في الأخبار في اليومين الماضيين أن بنك التنمية الإفريقي قد قدم منحةً للحكومة الإثيوبية تبلغ مليوناً ومئتي ألف دولار كجزء من كلفة إجراء دراسة جدوى لإنشاء خط حديدي يربط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا والعاصمة السودانية الخرطوم. وتمثل هذه المنحة 30٪ من جملة كلفة دراسة الجدوى البالغة 3 مليون دولار. تتفرع من هذا الخط الحديدي شعبة تربط أديس أبابا بميناء بورتسودان على ساحل البحر الأحمر. المفرح في الأمر، بالإضافة إلى أهمية المشروع، أن المسافة بين القضيبين في هذا الخط ستكون أوسع مما هي عليه في خطنا القديم الذي جرى إنشاؤه ضمن حملة كيتشنر على السودان، في نهاية القرن التاسع عشر. كان ذلك الخط مناسبًا لقطارات البخار البطيئة. لكننا مع تطور صناعة القطارات أبقينا على القضيب القديم ولم نبذل أي جهد لتطوير السكك الحديدية، بل دمرناها. وما جرى لها من تأهيل مؤخرًا، ليس سوى ألاعيب إنقاذية، الغرض منها شفط المال العام إلى الجيوب الخاصة. والحمد لله الذي أنهض الإثيوبيين لهذا المشروع الحيوي. وأحسب أن ثورة ديسمبر المجيدة وذهاب البشير وزمرته الفاسدة، ومجيء حمدوك، هو ما شجع الإخوة الإثيوبيين للمبادرة بهذه الخطوة الجبارة.

عبر الربط بين الخرطوم وأديس أبابا تتكامل السكك الحديدية السودانية بمنظومة السكك الحديدية لمنطقة القرن الإفريقي. وكانت إثيوبيا قد قامت، قبل بضعة سنوات، بتحديث الخط الرابط بينها وبين جيبوتي، بل وجعلته مزدوجًا، وجلبت له قطارات كهربائية، بدلا عن قطارات الديزل. السبب أن ميناء جيبوتي أصبح الميناء الرئيس لإثيوبيا، بعد أن فقدت منفذها إلى البحر الأحمر باستقلال إريتريا. ولأن حراك التنمية وحجم التجارة في أثيوبيا قد تضاعف مرات في العقود الثلاثة الأخيرة، أصبحت إثيوبيا بحاجة إلى ميناء إضافي. فكان بصرهم دومًا مصوبًا على السودان.

لقد بلغت إثيوبيا بفضل قادتها النابهين واستقرارها السياسي النسبي، ووضعها للتنمية الاقتصادية على رأس سلم الأولويات، نقطة الانطلاق الكبير. وهي نقطة تتسارع التنمية بعدها بمتوالية هندسية. لقد احتلت إثيوبيا بجدارة موقع القيادة في جهود التنمية في منطقة القرن الإفريقي. فهي الآن، بلا منازع، مصدر كهرباء القرن الإفريقي. وهي قائدة الربط بالسكك الحديدية بين أقطاره. وهي صاحبة أكبر أسطول جوي ناقل في إفريقيا، والشرق الأوسط. بل وصاحبة أكبر أسطول بحري، رغم أنها لا تملك ساحلاً بحريًا. وكما هو واضح فإن إثيوبيا تسعى عبر توصيل الخط الحديدي إلى بورتسودان ليصبح ميناء بورتسودان ميناءً ثانيا لها، وربما إنشاء ميناء خاص بها في إطار التعاون المشترك.

تؤكد هذه الخطوات الرائدة أن المخاوف التي يثيرها البعض عن أطماع إثيوبية في بلادنا في غير محلها. من يطمع فيك لا يستأجر منك ميناء لتخنقه به، ولا يبيعك كهرباء بسعر تفضيلي، ولا يبادر بالربط معك بالسكك الحديدية. ولا يتوسط ليحل السلم في بلدك. تسعى إثيوبيا بهدوء وبلا ضوضاء لتكامل القرن الإفريقي ولاستقراره، وإنشاء سوق مشتركة للسلع والسياحة والثقافة. ولقد سبق أن ناقشت أهمية علاقتنا بإثيوبيا، بتوسع في كتابي، “لماذا يصحو مارد الهضبة ويغفو مارد السهل”. والسؤال الآن: متى ستترك نخبنا السياسية الجدل الشكلي العقيم، وأساليب لي الأذرع للتكسب الشخصي والجهوي على حساب الصالح العام؟ ومتى سننصرف بكليتنا لرسم وتنفيذ السياسات المفضية إلى النهضة والتقدم والرفعة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!