“إخوان السودان”.. “الحراك الشعبي” في مواجهة “تفكيك التمكين”

2

تقرير- معتصم الشعدينابي:​
بعد الإعلان رسميا عن سقوط نظام المؤتمر الوطني، واقتلاع رأس النظام المشير عمر البشير، في 11 أبريل 2019م، انخفض صوت الإسلاميين إلى أدنى مستوى حتى كاد ينعدم، ليسيطر على المشهد جسمان آخران أحدهما قوى إعلان الحرية والتغيير بمختلف مكوناته الثاني المجلس العسكري الوريث الواقعي للبشير نفسه، ولا سيما أن اعتصام القيادة العامة الشهير الذي عجل برحيل المشير، كان قد أسس لشرعية العسكر، إذ احتمى بهم وطالبهم بالانحياز للثورة، غير أن هذا الاعتصام نفسه الذي استمر لمدة 57 يوماً في محيط القيادة العامة للجيش، قبل أن يفضه “من فضه” و”يحدث ما حدث” أظهر للعسكريين عدم صفاء نية المدنيين تجاههم.​

عمليات التعبئة والشحن والاستقطابات التي شهدها ميدان الاعتصام والإساءة بمكبرات الصوت للعسكر في عقر دارهم كانت من الأسباب التي وسعت الهوة بين الجيش والشعب في ساحة الاعتصام وخارجها، بل إن تطاول الاعتصام وتضخمه غير المسبوق ألقى بمسؤولية كبيرة على عاتق المدنيين فأشفقوا منها فحملتها قوى الحرية والتغيير التي لم تكن ظلومة جهولة ولكنها كانت مفرطة في التفاؤل.​

أرض الاعتصام كانت خصبة بما يكفي لرمي بذور الفتنة بين العسكريين والمدنيين بل ونموها ورعايتها في غفلة أعين جغرافيا المكان وتاريخ الحدث. منذ تلك الأيام زرع الزارعون بذور فتنتهم ورعوها عن بعد ولكن بعدا معقولا يمكنهم من إبعاد خطر اكتشافها عنها حتى حانت ساعة المجاهرة والخروج إلى العلن.​
وبعد مضي نحو 9 أشهر من إسقاط النظام، استجمع الإسلاميون قواهم وأعادوا ترتيب صفوفهم ليعودوا طرفاً ثالثا لا يمكن تجاهله في المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في السودان، صار الإخوان المسلمون يتحدثون بلغة الندية إن لم تكن لغة استعلائية، مسنودين بمنصاتهم الإعلامية الراسخة داخل وخارج السودان، ووسائل الإعلام الإلكتروني الجديد.​
مجاهرة ولا مبالاة​
غير آبه بشيء، يقول القيادي الإسلامي، د.عمار السجاد، عضو المؤتمر الشعبي والناشط في الحراك الثوري، إنه يؤيد بقوة كل من يدعو أو يعمل على إسقاط حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ولا يتردد في وصفها بالفاشلة.​
غير أن نظرة قوى الحرية والتغيير تبدو متفائلة أو أنها تنظر من زاوية أخرى، إذ يقول القيادي بقوى الحرية والتغيير جعفر حسن إنه لا يرى خطورة كبيرة للإسلاميين على الحكومة الانتقالية ويؤكد أنهم لن يستطيعوا إسقاط الحكومة ولا إضعافها، مستندا في ذلك على قناعته بأن الإخوان المسلمين صاروا بلا سند شعبي، وأن الشعب هو من سيواجههم إذا حاولوا التطاول على حكومة الثورة، ويرى لجان المقاومة بالأحياء هي حائط الدفاع الأول والأقوى لرد وردع أي محاولات تعدي على الحكومة.​

ولكن الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، الأستاذ الهادي محمد الأمين، الصحفي والمحلل السياسي، يقول بغير جعفر حسن، إذ يعتقد الهادي أن وضع الحرية والتغيير الآن يشبه وضع المعارضة في عهد الإنقاذ في الضعف، ويشير إلى أن الإسلاميين يمتلكون الأموال والشركات العاملة في التعدين والنفط واستيراد القمح والمصانع، ويمتلكون من الأسلحة الاقتصادية ما يرجحون به كفتهم لأطول فترة ممكنة، خاصة وأن الرأسمالية الإسلاميين يدعمون تنظيمهم بسخاء.​
ترجيح الكفة​
وما يدعم فرضية ترجيح كفة أنصار النظام البائد، أن فشل تجربة الإسلاميين في السودان يدق آخر مسمار في نعش الإسلام السياسي في العالم، الأمر الذي يبقي جذوة الصراع مستعرة، والإسلاميين في العالم لن يفرطوا في آخر تجربة لهم لذلك سيدعمونها بكل ما أوتوا من إمكانيات، والامدادات العالمية متواصلة وتتواصل من قطر وتركيا وماليزيا يقول الهادي. كما أن الإسلاميين في كل من سوريا والعراق واليمن واريتريا وتونس ومصر، تمت استضافتهم بشكل مدني ومرتب في السودان بواسطة نظام الحكم الإخواني البائد وكل هؤلاء يشكلون رصيداً خطراً للإسلاميين لا تُؤتمن عواقبه.​
لا عودة للحكم​
وبرغم قناعتهم بأنه لا عودة قريبة للحكم، وأن تنظيمهم لا يستطيع الخروج بوجهه الحقيقي قريباً، لكنهم سيحاولون دعم الاسلاميين الثوريين خاصة الذين شاركوا في الحراك الثوري وكل من يخرج ضد الحكومة الحالية – بحسب السجاد -، والذي يرى أن محمد علي الجزولي ومعمر موسى وغيرهم هم واجهات إسلامية شاركت بقوة في الثورة لكنها لم تجد نفسها في الواقع الجديد.​
عدم اعتراف ​
ويقول الهادي محمدالأمين ،إن خطورة الإسلاميين تكمن في عدم اعترافهم بالحكومة الأمر الذي يجعل وجود فلول النظام مهدداً حقيقياً للفترة الانتقالية، ويرى أن الإسلاميين ازدادوا قوة لأن التعامل معهم كان غير ماتوقعوا والأخطر أن التفكيك يشعرهم بأنهم مستهدفون وهم دائما يتوحدون في الأزمات ويكونون أكثر قوة.​
وبينما يرى محمدالأمين أنه ليس للحكومة الانتقالية تصور واضح للتعامل مع الإسلاميين، غير التفكيك الذي تأخر لعام كامل، وأنه لا بد من استراتيجية واضحة للتعاطي معهم وحسمهم، يقول القيادي بالحرية والتغيير جعفر حسن، بعكس ذلك إذ يرى أن مشروع تفكيك التمكين يسير بصورة مرضية ومقنعة، ويبرر البطء لارتباط التفكيك بإجراءات قانونية، ويعتقد أن المتبقي من الفترة الانتقالية كاف لتفكيك تمكين نظام الإخوان، ويشير إلى أن الاستعجال في التفكيك قد يوقعهم في أخطاء ومظالم.​
مخاوف وتراخٍ

والمخاوف التي يبدو أنها لا تحرك مكامن الانتباه لدى “الحرية والتغيير” يجملها محمد الأمين في كون قيادات التنظيم الإسلامي مطلقي السراح ويتحركون بحرية ومناخ التراخي تجاههم أخرجهم من طريقة التفكير الذاتي إلى التفكير الجماعي، بعد أن شعروا بأنهم غير مطلوبين ولا ملاحقين، فالتحديات الخارجية توحدهم وتنسيهم خلافاتهم الداخلية وتجعلهم أقوى والضغط يجعلهم أعنف، يضيف محمد الأمين، وهذا ما شجعهم على التواصل مع المجموعات الراديكالية أمثال عبدالحي يوسف، ومحمد عبدالكريم، وكمال عثمان رزق، ود.غازي صلاح الدين، ما أنتج تيار نصرة الشريعة وهو مظلة جديدة للإسلاميين.​
وتيار نصرة الشريعة تطور أكثر، حيث سيطر عليه المؤتمر الوطني، فسير مواكب الزحف الأخضر في الخرطوم ومدني وغرب كردفان والضعين، وانضم إليه مفصولو هيئة العمليات ومسرحو وحدة تنفيذ السدود ومجاهدو الدفاع الشعبي ومسرحو الشرطة الشعبية (المرابطون) ومفصولو وزارتي الخارجية والمعادن، وهذا يعد تطوراً خطراً إن لم تنتبه إليه الدولة.​
ويتقدم الإسلاميون على الحكومة الانتقالية بأنهم يعملون على أصعدة مختلفة منها التصعيد السياسي عبر الاحتجاجات والمظاهرات والمؤتمرات، والجانب الثاني الجانب المنبري (خطب الجمعة والمنابر والتصعيد الديني) ومحاولة شيطنة اليساريين والعلمانيين والحرية والتغيير، وتحييد وتحريض العساكر.​
سند متنازع​
حسن عثمان، يوضح أن الحرية والتغيير تعول على السند الجماهيري الذي يفتقده الإسلاميين، لكن الهادي محمد الأمين يقول إن الجماهير تحركها احتياجاتها اليومية التي لم تتمكن حكومة حمدوك من توفيرها، أن الرهان على الجماهير قد يبدو ليس خاسرا، ولكنه ربما لا يكون من مصلحة الحرية والتغيير خاصة في ظل الندرة والشح وغلاء الأسعار بعد مرور عام على الثورة.​
ويبدو عثمان مطمئنا من ناحية الإسلاميين الذين يقول إن أقنعتهم قد سقطت وانكشف زيف شعاراتهم الدينية بعد اكتشاف عمليات الفساد الكبرى التي كانت متوارية بسبب إغفالهم المساءلة والمحاسبة.​
إظهار قوة​
لكن ردة الفعل الحكومية يراها محمد الأمين، بطيئة وضعيفة لا تتماشى مع ما أظهره الإسلاميون من قوة، حيث عبروا عن قوتهم في تمرد هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، ومظاهرات الحشد الشعبي الأخيرة، ويلفت محمد الأمين انتباه الحكومة إلى أن قوة الإسلاميين في السودان لم تزل بزوال الحكم كما حدث في مصر وتونس بعد ذهاب “بن علي” ومبارك، لأنهم تنظيم أيدولوجي متمدد في العالم.​
محور الشر​

ويقول إن تنظيم الإخوان المسلمين تنظيم دقيق التحالفات حيث تأخذ تحالفاتهم بعداً كبيراً في الدوحة وتركيا وماليزيا، الأمر الذي يقوي من شوكتهم ويجعلهم شوكة في خاصرة الوطن.​
وبرغم إيمانه بأن ما أسماه “محور الشر” الخارجي سيظل يدعم الإسلاميين باعتبار أن فشل تجربتهم فشل للاخوان المسلمين في كل العالم، إلا أن جعفر عثمان يرى في تعامل الحكومة الانتقالية مع العالم الخارجي بسياسة خارجية متوازنة يمكن أن يحد من الدعم الخارجي للإخوان، ويقول “محور الشر الخارجي يدعم وسيظل يدعم ونحن سنتعامل مع العالم بسياسة خارجية متزنة”​.
روشتة الحل​
وليكون العلاج ناجعا يرى الهادي محمدالأمين أن تشخيص الأزمة وتشريحها هو المدخل للحل، فهو يقول إن انشغال الطرفين (الحرية والتغيير والعسكريين) بخلافاتهما الداخلية. ويتساءل كيف تتهم العسكر بفض الاعتصام وتهددهم بالمحاكمات، وتريدهم أن يكونوا شركاء حقيقيين؟ ويضيف: ما لم يتغير هذا الوضع ستكون المعطيات لمصلحة الإسلاميين، والمخرج من الأزمة وكبح جماح الإخوان لا يتأتى إلأ بتحالف مكونات الحكومة المدنية والعسكرية، خاصة وأن السند الخارجي من دول يعول عليه المدنيون بقيادة حمدوك بطيء والغرب كما يقول محمد الأمين بارد في التفاعل مع الأحداث ولن يدفع دولاراً واحداً ما لم يسبقه بدراسات ومراجعات مطولة، بينما الجانب الآخر وهو الأقرب للعسكريين يتمثل في دول الخليج تحديداً الإمارات والسعودية، سريعة الاستجابة ولا تتعامل بتعقيدات الغرب وإنما تلبي الطلب عند الحاجة سواء أكان دعما لوجستياً أو مادياً، وما لم تنتبه الحكومة بمكونيها المدني والعسكري لهذه الملاحظات، فإن الخروج من ضغوط الإسلاميين سيحتاج إلى معجزة مثلما كانت الثورة معجزة.​
ولكن الجانب الآخر يقول إنه متحسب لكل خطوة ويتوقع الأسوأ من الإسلاميين، ويبشر جعفر حسن، بخطوات أخرى في طريق تفكيك التمكين ستخصم من رصيد الإسلاميين وتضعضع ثقتهم في أنفسهم وتعريهم أكثر في نظر الشعب، ويقول بالرغم من أن تنظيم الإسلاميين كان يبتلع الدولة كاملة إلا أننا سنستعيدها إلى الشعب ونحجم خطر الإخوان في السودان.​
وتبقى فرضية تحول الدولة من خانة المدافع إلى حالة الطرف الأقوى في الصراع مع الإسلاميين، معلقة بانسجام مكونات الحكومة الانتقالية وارتفاع درجة المسؤولية وأخذ كل التهديدات مأخذ الجد، والتعامل مع الخصم بحجمه الطبيعي وتجنب الاستخفاف بإمكاناته “الاستخفاف” الذي يرتقي لدرجة الاستفزاز ماقد يؤدي لنتائج عكسية.

التعليقات مغلقة.