إدانة ونبش جذور الإبادة الجماعية والعنصرية

7

تاج السر عثمان

1

انتقلت احتجاجات شعوب أوروبا وأمريكا وغيرها الي مرحلة أرقي بعد جريمة اغتيال المواطن الأمريكي الأفريقي الأصل جورج فلويد بواسطة جندي أبيض، من الإدانة الي نبش جذور العنصرية والابادة الجماعية والرق، كما هو الحال في إزالة تماثيل رموز الإبادة الجماعية وتجارة الرقيق والاستعمار، في الاحتجاجات الجماهيرية في أمريكا وأوربا، بل انتقلت الي إعادة القراءة الناقدة للتاريخ الاستعماري والدموي االذي اتسم به نشأة الرأسمالية في أوربا التي ارتبطت بإباد المستوطنين البيض الهنود الحمر أو السكان الأصليين وحضارتهم حتى أصبح الأمريكان معلقين في الهواء بلا جذور، فضلا عن اقتلاع ملايين الأفارقة من قراهم وأهلهم وحضارتهم وجلبهم للعمل في مزارع الرأسماليين البيض وخدم في منازلهم.

منذ اكتشاف الرحالة الايطالي كريستوفر كولومبوس أمريكا في 3 / أغسطس/ 1492 م، وضع المستوطنون الأوربيون البيض أرجلهم علي الأراضي الجديدة، وقاموا بالإبادة الجماعية للهنود الحمر أو السكان الأصليين، استخدموا فيها الأسلحة النارية في معارك غير متكافئة باسلحة الهنود الحمر البدائية، وحرقوا المحاصيل، وسمموا الآبار، واستولوا علي الأراضي والتلال والجبال والبراري الزراعية الواسعة، واختطفوا الشباب للعمل في مناجم الذهب، واستخدموا الحرب الجرثومية بنشر الطاعون والجدري والكوليرا والحصبة والسل التي أبادت 80 % من الهنود الحمر، وأعطو حوافز للجنود من يقتل رجل هندي 100 جنيه استرليني، ومن يقتل امرأة 50 جنية، والذين اكتفوا بتقديم فروة الرأس بعد سلخها من كثرة عدد القتلي لنيل الحافز، اضافة للتهجير القسري للقبائل لمناطق لا تصلح للعيش، هذا ويُعد السفاح روحرز كلارك الذي يُعتبر بطلا تاريخيا من أبرز سفاحي إبادة الهنود الحمر.

كانت النتيجة إبادة جماعية للهنود الحُمر قدرها المؤرخون بحوالي ( 100 – 120) مليون شخص.

2

بعد إبادة الهنود الحمر والاستيلاء علي أراضيهم الزراعية الخصبة البكر، كانت الخطوة الثانية استجلاب الرقيق من مجاهل أفريقيا، كقوة عمل رخيصة لاستخدامها في مزارع المستعمرات وخدم في المنازل بدأت بفرجينيا التى جُلب لها عدد من الرقيق، وكان الهدف زراعة التبغ والقطن والسكر والبن، وحرث الأراضي وجمع المحاصيل يدويا في مساحات شاسعة مترامية الأطراف.

هذا ويقدر المؤرخون أنه في الفترة من القرن السادس عشر والتاسع عشر، تمّ نقل ما يقرب من 12 مليون أفريقي الي الأمريكتين، وفي الفترة ( 1790- 1850) زاد الطلب علي الأقطان مما دفع للتوجه نحو الغرب للبحث عن أراض صالحة لزراعة القطن، فضلا عن اختراع ماكينة حلج القطن التي جعلت إنتاج القطن قصير التيلة أسرع واقتصاديا، مما أدي لجلب وتهجير مليون عبد في تلك الفترة من أجل الزراعة.

كان الرقيق يُنتزعون قسرا من أراضيهم وأهلهم إلي أراضي مجهولة و في ظروف معيشة أسوأ، مع معاملة وحشية، اتسمت بالعقوبات القاسية مثل: الجلد، الاعدام، الحرق، الشنق، إضافة للتمييز العنصري مثل : منع التعليم، الوشم بالكي بالنار، حظر العلاقات الجنسية بين البيض والسود.

قاوم الرقيق الاضطهاد العنصري بمختلف الأشكال مثل: التمرد، الهروب، الخ، حتى تمّ الانتصار بإلغاء الرق عام 1865 بعد الإعلان الذي وقعه ابراهام لينكولن، ولكن رغم ذلك، والاعتذار الرسمي عن العبودية الذي قدمته “الجمعية العامة لولاية فرجينيا” في 24 فبراير 2007 عن 400 عام من العبودية، ظل التمييز العنصري مستمرا، باعتباره نتاج للنظام الرأسمالي الذي عمّق ظاهرة الاضطهاد الطبقي والعنصري والديني والقومي، والتفاوت بين البلدان، ونهب ثروات المستعمرات وبقائها في التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

هذا ويقدر جاك ووديس في مؤلفه، جذور الثورة الأفريقية ص 60 “خسارة أفريقيا من الرقيق بحوالي 60 مليون أفريقي”، وهذا استنزاف كبير للقوى البشرية المنتجة اذا أخذنا في الاعتبار أن الذين كان يتم اختطافهم من الشباب. للعمل في مناجم الذهب والزراعة.

3

بالتالي، فإن تاريخ الرأسمالية الحديثة ارتبط بإبادة الهنود الحمر في أمريكا والرق، وقد لخص ذلك كارل ماركس في مؤلفه “الرسمال”، المجلد الأول بقوله : ” ان اكتشاف الذهب والفضة وافناء السكان الأصليين واسترقاقهم ودفنهم في المناجم، وبداية غزو جزر الهند الغربية، وتحول أفريقيا الي منطقة لصيد ذوي البشرة السوداء علي نطاق تجاري، كل ذلك أعلن الفجر الوردي لعصر الإنتاج الرأسمالي”.

يواصل في مؤلفه السابق، ويقول الرأسمالية جاءت الي العالم “تقطر من الرأس الي أخمص القدم، من كل خلية بها دما ودنسا”.

في مؤلفه، بؤس الفلسفة، يرجع ماركس انبثاق الصناعة الرأسمالية من الرق بقوله : ” دون الرق لا يكون لديكم قطن، ودون قطن، لا يكون لديكم صناعة حديثة، فالرق هو الذي أسبغ علي المستعمرات قيمتها، والمستعمرات هي التي خلقت التجارة العالمية، والتجارة العالمية هي الشرط المسبق للصناعة الكبيرة”.

الجدير بالذكر بعد إلغاء الرق وتقلص تجارته، تقلصت زراعة القطن في أمريكا بسسب نقص الأيدي العاملة، اتجهت بريطانيا لمستعمرات جديدة لزراعة القطن لتسيير دولاب صناعة النسيج في لانكشير، وكان من ضمن المستعمرات احتلال السودان عام 1898، وتمّ تحويله لمزرعة قطن كبيرة بقيام مشاريع القطن في مناطق الجزيرة، والنيل الأبيض والأزرق، والقاش وطوكر، وجبال النوبا. الخ.

وأخيرا، ما حدث من حركات جماهيرية في قلب النظام الرأسمالي أوربا وأمريكا .الخ، انفجار نوعي غير مسبوق نتاج لتراكم كمي طويل من المقاومة للاضطهاد العنصري والطبقي والقومي والنوعي الذي ميّز الرأسمالية منذ نشأتها، فخرج الآلاف في أمريكا في اكثر من 120 مدينة، كانت جائحة كرونا التي تجاوز ضحاياها أكثر من 200 ألف، ومقتل الأمريكي الأفريقي فلويد الشرارة التي قادت للانفجار، رفضا للعنصرية، وضد كراهية الأجانب، وضد الوحشية في مواجهة المتظاهرين والاستغلال الرأسمالي الفظيع للعاملين، وتدهور الأوضاع المعيشية، وانهيار النظام الصحي بسبب سياسة سحب الدعم عن الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، والبطالة التي بلغت أكثر من 42 مليون عاطل، وارتفاع مستويات الوفيات بسبب جائحة كرونا، وأن ما جري حلقة في سلسلة النضال والحركات الجماهيرية التي تمت في أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وثورات الربيع العربي، بسبب القهر والفقر، مما يتطلب أوسع تضامن مع تلك الاحتجاجات الجماهيرية، من أجل الديمقراطية الحقة التي ترفض التفرقة العنصرية، والاضطهاد الطبقي والحروب، وتوفير الاحتياجات الأساسية للبشر، وتسهم في تطورهم من جميع النواحي.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!