“إدوارد لينو” نضال القلم والبندقية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مصطفى أبو العزائم

نعَتْ الحركةُ الشّعبيةُ لتحريرِ السُّودانِ أحَد أبْرَزِ رُمُوزِها الثّوريّة القائد “إدوارد لينو” الذي رحلَ عن ُُدنْيَانا الأربعاء الماضي في الهِّند ، بعْدَ صِرَاعٍ طويلٍ مع المرض، وقد عانى كثيراً خلال الفترة الأخيرة ، لكنّ عقله كان مُتّقدِاً مُقارنةً بجسدٍ أنهكه التّعَبُ، وهدّه المرضُ ؛ وقد أحزنني شخْصياً رحيل هذا الرمز الكبير ، لمعرفتي به وتعرُّفي عليه خلال فترة التّفَاوُض بين الحكومة السُّودانيّة آنذاك وبين الحركة الشعبية ، خاصة في أيّام التّفاوُض الأخيرة نهايات العام 2004م بمنتجع (سيمبا) في ضاحية (نيفاشا) القريبة من العاصمة الكينية (نيروبي) ، ولازلتُ أذكر تلك الأيام بكامل تفاصيلها حيث كنت أمثل صحيفة (أخبار اليوم ) الغراء التي كنت مستشاراً للتحرير فيها ، ومبعوثاً من قِبلها لتغطية مفاوضات السلام ، وظللتُ على مدى تسعةِ أشهرٍ أتابعُ مجريات التفاوض ، ومافيها من عثراتٍ ونجاحات .


كان الرّاحلُ “إدوارد لينو” مسؤولاً كبيراً في إستخبارات الحركة الشعبية ، وكُنْتُ أريد أن أتعرّف عليه عن قرب وأفهم توجّهات الحركة الشعبية لتحرير السودان ، وموقها من وحدة البلاد ، إذ أعتبر نفسي وحدوياً يقف ضد أي محاولة لفصل جنوب السودان عن شماله ، لمعرفتي بالمكونات التي تجمع بين الشمال والجنوب ، بعيداً عن مناورات السّاسة ومتاجرتهم بقضية جنوب السودان . وقد كانت معرفتي بالجنوب معرفة من رأى وسمع وعايش وطاف على كل أراضي الجنوب ومدنه وقراه ، وهو ما زرع حُبّ هذه البقعة في نفسي غير علاقات الصداقة التي تربط بيني وبين عدد من أبناء جنوب السودان ، ومن بينهم “محمد شول الأحمر” ، واللواء “عبدالله شول” الذي تعرفت عليه وهو ما زال فتىً يافعاً أواخر أيّام الحكم المايوي ، وقد إلتقيتُ به آخر مرّة قبل أشهر قليلة في مكتب الأخ والصديق الكريم سعادة الفريق شرطة الطريفي وزير الداخلية ،وكان معي الأخ الكريم الأستاذ “عادل سنادة” ….و”شول دينق “الصّديق الوفي ، وصديقي الرّاحل المُقيم “لينو رول دينق ” رحمه الله ، وغيرهم .
خلال فترة التفاوض في مُنْتجع (سيمبا) بضاحية (نيفاشا) كان من العسير أن تلتقي بأي من أعضاء الوفدين المفاوضيين إلا لدقائق خلال ساعات الإستراحة ، وكان ذلك الأمر صعباً على الصحفييّن الذين يسعون لمعرفة التفاصيل ، خاصةً بالنسبة لي لأنني أقيم في أحد فنادق العاصمة (نيروبي) وهو فُندقٌ بسيط لكنه نظيف وزهيد السعر بالنسبة للأقامة فيه ، وكنت أتحرك يومياً منذ الصباح الباكر لأصل إلى (نيفاشا) وأعود مساءً من هناك ؛ في تلك الفترة تعرفتُ على الرّاحل الدكتور “جون قرنق دي مابيور” عن طريق الأخ الكريم الأستاذ “ياسر عرمان” ، وعرَفتُ كيف كان وحدوياً يحْلمُ بسودانٍ واسعٍ، غني وقوي ، يتساوى فيه الجّميع بعكس ما كان يقال عن بعض المقربين منه ، لذلك آليت علي نفسي أن أتعرف على توجهات السيد “ادوارد لينو” .
أذكر تماماً أنه في فترة إستراحة من التفاوض خلال يومِ جمعةٍ يذهبُ فيه مفاوضو الوفد الحكومي لأداء فريضة الجمعة في مسجد قريب من المنتجع ، أذكر أنني إلتقيت بالأخ الأستاذ “آدم ادريس” داخل المُنتَجع بعد أداء فريضة الجمعة وأخذنا نتحدّث حول سير التفاوض ، ولكن لفت نظري وجود الأخ الأستاذ “إدوارد لينو” وهو يرتدي فانيلة حمراء وبنطلون أبيض ويجلس على كرسي من الكراسي التي حول حوض السباحة ، ويبدو متأمِّلاً أو ناظراً إلى الفضاء كأنما يُفكِّر في أمر ما . سريعاً تحرّكْتُ نحوه ، حيّيته ، وجلستُ إلى جانبه وعرّفْته بنفسي لأتجاذب معه الحديث ، لكنني فشلت في أن أخرج منه بأية تفاصيل حول التفاوض ، حتى أن صديقي الأستاذ “آدم ادريس” قال لي : (إنت داير تشيل معلومات من زول إستخبارات ؟ .. ده مستحيل ) ،
لكنني إقتربت منه لاحقاً وعرفت أنه كان وحدوياً مثل زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان الراحل الدكتور “جون قرنق” ،و مثل كثيرين داخلها ، وقد شعرتُ أنني قريبٌ من الرّجل بعد أن علمت أنه عمل صحفياً لفترة طويلة ، وهو للعلم من مواليد العام 1946م في مدينة “بور” بولاية بحر الغزال وتلقى تعليمه الأوسط فيها بينما تلقى تعليمه الثانوي في مدينة “الأبيض” بمدارس الكومبوني ، ثُمّ إلتحق بعدها بجامعة الخرطوم ليكون أحد طُلّاب العِلم بكلية الآداب ، رغم أنه كان يرغب في دراسة القانون ، لكنه درس الآداب وعمل محرراً صحفياً بصحيفة “مرآة النيل” الانجليزية أو ” نايل ميرور” الأسبوعية ، ثُمّ محرراً في مجلة السودان الدولية ، وعمل بالتدريس فترة في مدرسة “رومبيك” الثّانوية ، ثم موظفاً بمؤسسة التنمية الإقليمية ، وإلتحق بالحركة الشعبية لتحرير السودان وتقدّم في صفوفها ليصبح قائداً و رئيساً لإستخبارتها العامة .
رحل “إدوارد لينو” وقد أجهضت أحلامه في أن يكون هناك سودان واسع عريض ، غني وقوي ، وكان قد إقترب كثيراً من النّظام السّابق ليكون أحد المُبشّرين بالوحدة ، لكنّ الإنفصالين داخل الحكومة وداخل الحركة الشعبية عملوا على أن يكون بعيدا” عن ملف الوحدة..

*صحيفة الأخبار السودانية النسخة الإلكترونية*

التعليقات مغلقة.