إدُو روح الثورة وشفرة النصر

1

حامد بخيت الشريف:

من الواضح أننا في احتياج إلى تغيير “الصورة النمطية”، الراسخة بفعل المرجعيات الكولونيالية عن المرأة الإفريقية، التي تكاد تحصر دورها في معظم ما كتب في الأدب الإفريقي في حدود المرأة المنكسرة بفعل الحب أو تلك التي تعاني صراعات الفقر والاحتقار داخل مجتمعها وربما حتى في الحالات التي يجعل منها الأدب الأفريقي فاعلا فإنه يستخدمها في حدود تأسيسه لفعل الأسطورة وغرائبيات الأرواح والسحر المنتشرة في فضاء المحكبات الإفريقية، غير أن هذا الحال بدا لي وكأنه يتبدّل مع الكاتبة استيلا قايتانو في روايتها أرواح إدو حيث ظهر ومن خلال متن الرواية أنها مشبعة بثقافة منفتحة على التعدد، وقارئة بدقة لمفاهيم التغيير والتحرر ومنها يمكننا القول إنها جعلت للكتابة الإفريقية رهانا جديدا بحيث يمكن لثقافة إفريقيا أن تبحث داخلها عن مضامين معرفية تعيد فهم التعددية الإفريقية لما هو إيجابي
اللغة كشفرة أولى:
إن اقتراب أي خطاب روائي سردي في وجوده النصيِّ يلزمه اختياراً واعياً لمقاصد الألفاظ والدلالات والاستعارات التي تأول المفردات الخبيئة في النص اللغوي وتتفصح عن هذه المفردات الخبيئة عبر الجمل والعبارات المحكية بأصوات الشخصيات الروائية. فالخطاب الروائي في أرواح إدو ينحو إلى مفارقة الصورة القديمة والنمطية للمرأة دون التجرّد من معانيه التي يستقيم بها الفهم والإدراك. ولعل ذلك يظهر لنا جليا إذا ما انتبهنا للإشارات العامة التي يمكن اتخاذها كشفرات لتأول الجمل المباشرة. فالإشارة إلى أن سكان القرية حيث توجد إدو لا يعرفون ما وراء الجبل، تفسر فكرة المجتمع المنغلق على ذاته التي تفسر بدورها فكرة أن أبناء إدو لايعيشون كثيرا خصوصا إذا ما قارننا ذلك مع حياة أغينو (لوسي) التي هزمت الموت وفهمنا سر ذلك أنها أنجبت لرجل مجنون، وهو بالضرورة – أي سر حياتها يمكن أن يفسر مقرونا مع علم الوراثة الذي يرى في زواج الأقارب أو قل تزاوجهم سببا في كثير من المشكلات الصحية فإذا أخذنا بالنظرية القائلة بالعالم الموازي الذي يخلقه العالم الخطاب الروائي، فإن في الآفاق التي وصلها السرد في نص استيلا تتجاوز كثيرا الخطوط المعيارية للغة، فهو – أي الخطاب الروائي في نص إدو – يخلق عالماً لغوياً موازياً أيضا وثيق الصلة باللغة المتكونة في طبقاته السردية الأخرى. بذا فإن اللغة في أرواح إدو لا تعمد إلى شرح النص الروائي وتحليل نسق البناء اللغوي وعلاقات المفردات والدلالات المعجمية والتركيبية، بل يتم استخدامها بالتطابق والموافقة الموضعية بين مستوى اللغات التي تنطق بها الشخصيات في الرواية والعلامات الأخرى التي توجد بقوة الفعل اللغوي نفسه في النص بتمثلها للأحداث.
الحمولات المعرفية في أرواح إدو:
أولا فإن هناك حقيقة لابد أن نلتفت إليها وتظهر هذه الحقيقة بجلاء حين نتساءل عن قيمة العمل الروائي، هل يمكن أن نتعامل مع كل المحكيات بوصفها رواية؟ ثم ما الذي ميز ما يعرف بالسرديات الكبيرة عن غيرها غير مقولاتها وفلسفتها ؟ من هنا سنجد أن أي عمل روائي وحتى تتحق فيه درجات ومستويات تأثير فإنه لابد له أن يحقق شرطا معرفيا يتمظهر في شكل أسئلته التي يطرحها أو الأقوال التي يتبناها. ومن هنا فإن القراءة الفاحصة لرواية أرواح إدو ستمكنك من ملاحظة أن الروائية استيلا عمدت إلى تكثيف مقولات النص وتحريكها بصورة تغطي على كثير من الأسئلة المتخيلة حول المجتمعات الإفريقية، لاحظ الحوار الذي دار بين بيتر وماركو حول ضرورة وجود أنبياء فئيين مثلا أنبياء صعاليك لهم رسالتهم التي يؤدونها من داخل مجتمع الصعاليك غير أن ما يمنع من تسميتهم بالأنبياء هو أن الرب لا يحب أن تلتصق أسماء الصعاليك باسمه هذا الحوار وبما حمل من رؤى فلسفية لا يقف فقط في حد أنه حوار عابر بين شخصين أو أنه مجرد طق حنك، بل هو وبذكاء يحاول أن يفتح الأسئلة حول العقل الإفريقي وفلسفاته الحياتية علاوة على رؤيته حول مفهوم الأديان.يقرأ ذلك أن الدين بوصفه نظاما لضبط الحيوات لايمكن إيقاف نموه وتطوره من خلال إغلاق الإعتقاد في فكرة واحدة ، انما تتجدد الأفكار من خلال هؤلاء الأنبياء لتتماشى مع حركة المجتمع بحسبان اختلاف الأزمان والأماكن .
وغير بعيد عن ذلك أيضاً محاولة تفسير العلاقة بين بيتر وأسرة عبد السلام (مربيه) ومبادلة تفسيرها بين هل هي علاقة استرقاق أم أنها علاقة أبوية، وهنا استطاعت الروائية أن تفتح مسارا جديدا للأسئلة التي تستوضح مثل تلك العلاقات التي نشأت بين أسر شمالية – عربية- وأبناء جنوبيين – زنوج وهل قامت تلك العلاقات على احترام إنسانية الإنسان أم إنها كانت مجرد علاقات رق (ناعم) لتؤسس بذلك إلى أن سلوك الفرد هو ما ينبني عليه شكل العلاقة وليس بالضرورة أن يكون الرق فكرا مجتمعيا تمارسة الجماعة كلها دون اعتبارات لفروقات الأفراد.
كما يجب أن لا نغفل عن تلك الالتقاطة الذكية في موضوع ختان الإناث ، فهي – استيلا- بدون التورط في طرح رؤيتها الشخصية لكنها استطاعت أن تحقق قولا رافضا للممارسة فتوصيف بيتر لحالة أخواته بنات عبد السلام حين الختان وأنه قد أزيلت أعضاؤهن تماما وكيف أنهن ظللن يعانين لتحرير قطرات البول، فهي بذلك قد صدرت إدانتها للفعل مع تفسير واضح – فعدم القدرة على تحرير قطرات البول من شأنها أن تكون سببا للتلوث.
فنص أرواح إدو في مجمله يحتشد بالكثير من الجمل المعرفية والفلسفية التي تجعل منه نصا قادرا على أن يجعل لنفسه مكانا بين السرديات التي يمكن أن تتأسس عليها مفاهيم كثيرة في مناصرة قضايا الإنسانية بصورة أشمل، خصوصا وأنه اتخذ من المرأة – موضوعته المركزية – فاعلا وليس مفعولا به مهزوم دائما كما درجت على ذلك الكثير من النتاجات الفنية ويمكن ملاحظة ذلك في كل مستويات العمل الروائي أرواح إدو منذ الجدة الأكبر إدو، مرورا بأغينو، فتريزا، وبنات عبد السلام تحية وجلاء، لم تظهر من بين هؤلاء أي واحدة إلا وينفتح النص بعد ظهورها على قضية كبرى، إدو التي يمكننا من خلالها أن نقرأ العلامات الأساسية في علم الوراثة التي تنبني على خطيئة الانغلاق في أسرة واحدة. يموت جميع أبنائها ولم يحي منهم إلا اغينو المولودة لأب غريب، كما تفتحنا أيضاً على مفهوم الثورة من خلال تحريضها للأخريات بأن ينمن مع رجال آخرين ، أو تحريضها لجارتها بأن تضرب زوجها حتى تحاكم من خلال ذلك المجتمع كله الذي لا يناصر المرأة بل ينحاز دوما للرجل، أو كما يقول فرانز فانون في كتابه (معذبو الأرض) “على مستوى الفرد فإن العنف لديه تأثير لإزالة السموم إنه يزيل عقدة النقص التي تعبث بأنفس السكان المحليين ويحررهم من موقف المشاهد اليائس العنف يحعلهم لايعرفون الخوف ويرد اليهم اعتبارهم في نظر انفسهم”.
كذلك تفتحنا أغينو الابنة على مفاهيم سيسيولوجية أخرى من خلال انتقالها من عالم قريتها الضيق الذي لا يرى من خلف الجبل إلى عوالم المدن واختلافات أنماط العيش وأعراق الناس ولغاتهم وقدرتها فيما بعد على التعايش مع هذا المجتمع، وهذه بالضرورة ليست مجرد إشارات عابرة، ولكنها انفتحت وفي سياق رؤيتنا الكلية كأفارقة لمفهوم الاستعمار على دلالات أخرى، وهي بهذا المعنى إنما تريد ان تقول: علينا أن لا ننشغل بما يريده المستعمر منُا أكثر من انشغالنا بمعرفة قدراتنا وتحريرها من أجل تكوين رؤانا الخاصة.
إجمالا فإن رواية أروح إدو تحتاج إلى مزيد من القراءات وإن محاولة الإحاطة بكل قدراتها ومقولاتها وابنيتها الجمالية في ورقة واحدة يكاد يكون أمرا مستحيلا. ظني أن نقاد آخرين بمقدورهم تقديم قراءات أشمل وأكثر قدرة على إضاءة هذا النص.

التعليقات مغلقة.