إذا كنتم فعلا تهتمون بحياة السود، فيجب عليكم التصدي للعنصرية في بلدكم*

4

أمل الباقر العفيف
لم أشاهد مقتل (جورج فلويد)، ولا أستطيع مشاهدة المناظر العنيفة، بل أن الشي الذي يرعبني هو فكرة كيف يمكن للآخرين مشاهدة قتل السود بكل سهولة، هذا المشهد الذي لا يبارح ذاكرتي يؤذيني كثيرا. أن الطريقة التي يشارك بها الاخرون ويتداولون بها هذه المشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي يتلك السهولة تعتبر أحد أعراض ومتلازمات المشكلة التي تتمثل في انعدام القيمة والوزن لحياة هؤلاء السود.

إن المرة الأولى التي شعرت بها بالأثر الاثني وانعكاساته على حياتي عندما كان عمري 4 سنوات، وذلك غداة أن تم تغيير مقر إقامتنا بواسطة مجلس مدينة مانشستر إلى مقر آخر جديد وذلك نتيجة تعرضنا للعنف كأسرة لا تنتمي الى البشرة البيضاء. لقد تعرضنا الى العنف من قِبَل بعض المراهقين البيض في حَيِّنا. لقد حاولوا إخافة وإرعاب والدتي والتي أضحت تشعر بالوحدة، حبيسة المنزل، لا تخرج إلا للضرورة كمقابلة الطبيب مثلا. تخرج مذعورة بالباب الخلفي وهي تمشي على أطراف أصابعها. لقد قضينا عامان أشبه بالاعتقال المنزلي والحجر غير الطوعي وذلك قبل أن يكون باستطاعتنا مغادرة الحي. وقد كان ذروة ذلك الرعب أن تَتَوَّجَ بكسر وتحطيم النوافذ الخلفية للمنزل، وسرقة معظم ممتلكاتنا وما تبقي من هذه الاشياء كان حظه التحطيم. لم تَنجُ من السرقة حتى الاقراص المدمجة، أما القليل الذي تبقي من الملابس التي لم تُسرق فقد تم تعفيرها عمدا وبعثرتها في كل أرجاء المنزل بطريقة بربرية.

بعدها غادرنا إلى مقاطعة (وولثام استو) في الشمال الشرقي لمدينة لندن، وقتها كنت في التاسعة من العمر، ومنذ ذلك الحين نواصل العيش في تلك المدينة. لقد درست في مدارس متعدِّدة الثقافات هنا وفي مدينة مانشستر.
فتجاربي كانت دائما خليط يتراوح بين انتفاء الشعور بالغربة داخل المدرسة متعددة الثقافات، والشعور بأني مرفوضة خارج تلك الدائرة، والتي أيضا تعني الإحساس بالغربة خارج تلك المدارس ذات التنوع الثقافي المتعدد. ولكن القاسم المشترك بين هذه الجزر المجتمعية الصغيرة التي أنشأناها هو إحساس صلات القربى والانتماء بين أفرادها، لكن ذلك الإحساس فشل أن يمتد خارج ذلك المحيط الصغير.

في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن هذه المجتمعات التي أنشأناها قد خضعت لاختبار حقيقي عن مدي فعاليتها وواقعيتها.

العنصرية في بريطانيا مشكلة فاغرة الفم. وإنكارها ورفض مخاطبة جذورها يحتل مكان القلب من هذه المشكلة، وهذا هو مصدر خطورتها، عدم الإقرار بوجود مشكلة هو بحد ذاته مشكلة. هناك تعاملات وتفاعلات يومية تعكس تحيزا عنصريا ولكنها لا تُصَنَّف كذلك لأنها لا تنطوي على إهانة مباشرة. وهذه ثقرة تجعل الجرح يستمر ويتعفن. وتساعد على تطبيع هذا النوع من التعاملات. وغرابة هذا المنطق تكمن في كونه يفترض إنه إن لم يكن حديثك مسيئا بشكل صارخ فسوف لا تُصنَّف كعنصري، بعبارات أخرى هي أن مناقشة العنصرية يلزمها عبارات تسئ للأخر. ان الهروب من معضلة كهذه هو أن تدع الاشياء تتفاقم ومن ثم يصبح علاجها عسيرا.

ذهبت إلى مدينة (فال ماوث) برفقة صديقة بيضاء، وكنت وقتها في السادسة عشرة من العمر. وقد كان الحضور يحملقون في اتجاهي ويبتسمون ابتسامات بلهاء توحي بالسخرية. وقد كان هناك صديقات لشقيقة صديقتي التي رافقتها. لاحظت أنهن يتجاهلنني عمدا في اثناء النقاش الجماعي. ويبدو أن وجودي لم يكن مريحا لهن. وقد كن عمدا يحجبن حضوري وكأني لم أكن موجودة بينهم. هذا التجاهل والإيحاءات كان أكثر إيلاما من وصف ذلك الرجل الابيض لي بالسافلة السوداء. عندما اسمعني ذلك الرجل أساءته كنت في الثالثة عشرة من العمر.
نحن في حاجة إلى أن نذهب إلى ما وراء الواضح الملموس البائن للعيان وذلك لكي نعترف ونقر بغير المنطوق والمرموز. فالذي لم يُحكى أو يُعَبَّر عنه صراحة بل يُشَار إليه بالرمز هو الأكثر وضوحا في بعض الأحيان من المنطوق والمُصَرَّح به.
حقيقة نحن نريد وننشد العدالة لكل من (جورج فلويد) و (بيرونا تايلور) و (أحمد أربري) و (دايفد ماك أتي) وآخرون كثر على القائمة المأساوية للسود الأبرياء الذين قُتِلوا عن طريق الشرطة وعن طريق الاستعلائيين المتطرفين في أمريكا. أن الأمر العاجل الآن هو التبرع للجمعيات الخيرية الأمريكية التي تدفع الاموال لإطلاق سراح المُحتَجَزِين في حراسات الشرطة لأسباب مختلفة، ومن ثم علينا دعم العرائض والالتماسات والتوقيع عليها. ويستوجب علينا أيضا النزول للشوارع مع (ملاحظة الحفاظ على التباعد الاجتماعي بقدر المستطاع).

إن حياة هؤلاء السود تستحق أن يُدافَع عنها في حملة تشمل العالم بأسره. على كل فإنه من المهم ألا يفقد المُحتَجُّون الرؤية وألا يفقدوا محور الرسالة التي نهضوا لأجلها. بعبارات أخري عليهم أن لا يخطئوا الهدف، هذا بالإضافة إلى العمل على محاربة العنصرية في داخل دولنا. نحن لا يمكننا الاستمرار في إطفاء الحرائق بصورة فردية، بل نحتاج إلى أن نتعامل مع جذور المشكلة وذلك لكي نجعل من العالم مكان آمن وعادل لكل فرد.

لقد رأينا العنصرية هنا في بريطانيا في صورة البشاعة التي أظهرها البوليس (حالة مارك دوقان) الذي قتل أثناء محاولة اعتقاله، وحالة (مارك) هذا هي فقط تُعتَبَر قمة جبل الجليد. كما علينا الاعتراف أيضا بجرائم أخرى وهي الجرائم الناتجة عن الإهمال مثل تلك النيران التي اندلعت في برج (قرين فِل)، وهو الحريق الذي أخذ ارواح قرابة 72 شخص، ولحق بهم شخصان كضحايا لسوء الرعاية الطبية.

رداءة العناية الطبية انعكست بشكل واضح في ظاهرة تفشي الموت في أوساط المجموعات العرقية خلال هذه الجائحة، كما أن ذلك كان ايضا واضحا في موت (بيلي ماجينقا) المحزن إبان جائحة كورونا.

الإحصائيات تقول بأن السود في المملكة المتحدة هم بشكل غير متناسب الأكثر عرضة للاعتقال، والأقل بكثير بين من يجدون الدعم والمساعدة. عندما لا تُخاطَب مثل هذه الاشياء ولا يُنظَر إليها كعنصرية منظمة، فأن ذلك يدعم الفهم السائد بأن السود قوم مجرمون وأغبياء بفطرتهم، ومن ثم تتكامل الدوائر الشريرة.

لقد أُهدِرَ زمنٌ ليس بالقليل في مناقشة ما إذا كانت الكلمة أو الفعل يمكن أن تصنف كعمل عنصري أم لا؟ وكلاهما (الكلمة والفعل) يتفقان حول الحقيقة المفترضة أن السود قوم لا يمكن الوثوق بهم. لكن بدلا عن هذه الاطر الجاهزة والمقولبة، فلابد لنا من أن نستمع جيدا ومن ثم نطرح سؤالا بسيطا وهو ماذا بإمكاننا أن نفعل تجاه هذه العنصرية؟ وكيف يمكننا أن نمنع حدوث ذلك في المستقبل؟ وأي نوع من العدالة يمكننا تأسيسه لهذا؟

إذا كنتم بصدق تريدون أن تجعلوا من العالم مكانا آمنا لذوي البشرة غير البيضاء، فسيتوجب علينا مخاطبة جذور الأزمة (العنصرية) وذلك في مجموعات الاصدقاء وفي عائلاتنا، وعلينا ان نخصص لذلك زمنا. استخدم صوتك للدعوة لتحمل المسؤولية، طالبوا قادتكم بتحمل مسؤولياتهم تجاه تفشي العنصرية.

رئيس الوزراء البريطاني (بوريس جونسون) كمثال يمتلك تاريخا طويلا من مخزون العبارات العنصرية. كيف يستقيم عقلا أن نطالب المواطنين بتبني اعلى القيم الاخلاقية في حين أننا لم نخاطب جذور المشكلة؟

لتعليم نفسك ابدأ بابتكار نظريات لفهم العنصرية وذلك لكي تدرك كيف انحدرنا لذلك المستنقع الآسن. للإفادة بالإمكان الاطلاع على مقال الكاتب والمؤرخ (ساندر جيلمان) عن “الأجساد السوداء والاجساد البيضاء” وكذلك مختارات ومقتطفات (لويس قيتس) عن تأثير العرق والسلالة في الانتاج الادبي أو النقدي. كل هذه المقالات ظلت عالقة بذهني، وكذلك تتبع نشأة العنصرية ورموزها في الحقبة الفِكتورية. بإمكانك الان مشاهدة مغني الراب الشاعر والباحث (أكالا) وهو الذي أنجز عملا رائعا وذلك بوضع الاشياء في مكانها الصحيح بشكل مباشر، بإمكانكم مشاهدته وهو يتحدث عن العنصرية في بريطانيا. (كما يمكنكم أخذ نسخة من كتابه: السلالة والنوع في الامبراطورية المدمرة). كما أيضا يمكنكم قراءة (ريني إيدو لودج) في مدونته المعنونة:( لماذا لم أعد اتحدث للبيض عن النوع والسلالة). هناك ايضا كتاب آخر له ذات الأهمية وهو للكاتبة (أفوا هيرسك)، وهو يصور العنصرية اليومية، وهو أيضا يعتبر بمثابة ضربة بداية جيدة لمن يرغب في البحث في مجال العنصرية.

أما إذا أردنا توسيع نطاق الغضب، فدعنا نتوجه صوب امريكا ولنرى الكاتبة الجامايكية (سيلفيا وينتر) في كتابها (المتورطون -في القضية- ليسوا بشرا)، وهو عبارة عن تشريح وتفصيل مكثف عن العرق والسلالة. وقد كُتِب هذا الكتاب بعد تبرئة الضباط الذين تورطوا في إهانة وضرب عامل البناء الامريكي (رودني كينق) والذين أُطلِق سراحهم بناء على تسبيب قانوني أكاديمي طويل ومعقد خلاصته هي أن ضحيتهم – رودني كينق-“ليس بشرا”. كذلك يمكن للمهتمين بمطالعة ما سطره الكاتب والصحفي الامريكي (تا ناهيسي كوتس) الذي كتب عن قضية التعويضات والتي وردت فيها عبارات شاكلة (250 عاما من العبودية، و60 عاما من الفصل، 35 عاما من سياسة العنصرية، أمريكا لا يمكن أن تكون شيئا واحدا أبدا).

إن الكثير جدا يحدث في هذه الانتفاضات، وما نشاهده الأن لهو شي مرعب يجعل قلب الفرد يخفق ذعرا. لكن بشكل عام أنا لجد سعيدة ومصدر سعادتي هو ذلك الإحساس الجميل بالتضامن والتعاضد وإرساء الحقوق. أن التغيير يلوح في الافق لا شك في ذلك.

*ترجمه للعربية: د. عادل العفيف مختار

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!