“إلى كوستي”.. نفرد مساحات العشق

2

يقف مع أعضاء رابطة الأصدقاء الادبية بكوستي في أحزانهم وأفراحهم.. فهو رجل دمث ولطيف.. وكان أكثر من مجرد رئيس فخري للرابطة حتى بعد أن غادر المدينة وأستقر في الخرطوم بحري أحدي أضلاع العاصمة الوطن..

“صديق الحلو”.. أحد الأسماء اللامعة في القصة والصحافة الثقافية في الخرطوم , له أكثر من مجموعة قصصية.. نشر بعضها على حسابه وكما أن واحدة من مجموعاته نشرت وفقا لبرنامج الخرطوم عاصمة للثقافة..

لولا هذا الرجل لما كانت هناك رابطة أصدقاء أدبية “ولا يحزنون” فهو الوالد الروحي لها , والذي كان في سبيل إستمراريتها (يأتي على نفسه), فقد تملكه هاجسها على حساب الكثير من الأشياء التي تخصه , قدم هذا الرجل برابطة الأصدقاء للمدينة ما لم يقدمه لها أحد أبنائها يوماً , وحري بالمدينة الناعسة أجفانها وهي تصحو على شمس بحر أبيض.. أن تكرمه بعد كل هذه التضحيات التي قدمها في سبيل إستمرارية الرابطة وهي تضحيات غالية (لأننا نعرفه عن قرب).

الحلو هو صاحب فكرة إنشاء الرابطة وهو الذي قام بمجهودات تسجيلها لدى الجهات الرسمية وهو الذي كان يستقبل أعضائها في بيته طوال سنوات خصماً على زمنه العائلي , وهو الذي بذل مجهودات جبارة لبنائها وتعريف الناس بها حتى أنهكه هذا الجهد الفائق . وهو الذي حاول أن يربط الرابطة بالملفات الثقافية للصحافة السودانية , أي عطاءٍ نبيل هذ الذي قدمه هذا الرجل , فضلا عن مجهوداته المستمرة بشخصيته التوفيقية الوسطية , لإقرار السلام بين الأعضاء عندما تحتدم بينهم المعارك..

ننتصور انه لولا وجود رجل كٰ(صديق الحلو) كرئيس للرابطة وقتها لما استطاعت رابطة الأصدقاء أن تمضي خطوة واحدة للامام.. ذاك رجل أعطى المدينة أكثر مما أخذ منها، كان يعطي بلا من رغم الخذلانات العميقة وقسوة الناس والحياة والأسى الذي تعاظم بسبب كل ذلك ..

(ج) أسماء في الذاكرة:

الشاعر الصادق أحمد كباشي:

والحديث عن الصادق كباشي ذو شجون أكثر مما هو ذو شجون، فالرجل غادر دنيانا على نحو مأساوي (بعد أن سجننا في جب عميق الغور , مليء بالأسى والحسرات ).. أشعل على نفسه النار “كما في مار تجلو – الرواية” !!..

كانت علاقتي بالصادق كباشي في البداية عادية , قبل سفره إلى تونس ليدرس بجامعتها , ولكن بعد عودته توثقت علاقتي به كثيرا , إذ اكتشفت فيه صديقاً حميما ونبيلاً, صاحب رؤية جمالية واسعة وأفق معرفي يتسع لمتناقضات ذلك الزمان الأغبر , ويحاول أن يتعامل مع هذه المتناقضات , فرحلته كانت رحلة بحث دائم عن جواب , كان شكاكاً , على ذلك النحو المنهجي , وكان يشعر بأنه منذور للغربة والإغتراب , ويحاول أن يتخطى الأسئلة بإجابات لازمة , وربما ذلك ما دفعه للإجابة عن سؤاله الوجودي على نحو يعبر عن القلق الميتافيزيقي لأبناء جيلنا بالرحيل في طقس فانتازي , مرعب وساحر في آن !!.. ليس كأي انتحار .. فانتحاره تضمن رسالة مريعة للجميع ..

كنت أحرص على زيارته عندما تشاء المصادفة أن نكون متواجدين معا في المدينة , وكان يحرص على زيارتي . وبين رشفات الشاي بالحليب نتداول الرؤى , أقرأ له واحدة من قصصي الجديدة , ويقرأ لي آخر نصوصه , يستمع إلى ملاحظاتي باهتمام كبير , ويعبر عن تحفظاته على ما أطلق عليه “التعابير النابية في قصصي القصيرة ” فوقتها كنت مغرماً بمفردات مثل “وغد- ولعين- وحقير” , لا أدري من أين تسربت إلىّ , لكن غالبا تكون قد تسربت من أدب الواقعية الإشتراكية , فهو لا يخلو من الوقاحة !.

كانت هذه التحفظات من الصادق تعبر عن مدى لطفه ونزاهة لغته لدرجة أن تجرح مفردة مثل “وغد” ذائقته العفيفة . وتزعجه كثيراً و لدرجة إصابته بالإنقباض .. كان “الصادق كباشي” شاعرا جميلاً وعذباً ومرهفاً وفوق كل ذلك حزيناً ومأسوي الوجدان !!..

عندما تم قبوله للدراسة في تونس , أخذ معه قصص أعضاء الرابطة وأشعارهم , وتمكن هناك من نشر هذه النصوص في الملف الثقافي لجريدة” الفجر التونسية “, وكان كلما نشر نصاً أرسله لنا بالبريد لنتحلق حوله وكأننا ندثر أرواحنا بعبقٍ من نور.

وهكذا تعرفنا على الصحافة الثقافية في تونس من خلاله , وفي ذات الوقت كان (صديق الحلو).. يسعى في الداخل لتعريفنا بالصحافة الثقافية السودانية ويبذل مجهودات كبيرة لنشر نصوصنا كأعضاء للرابطة على صفحاتها , حتى كاد لم يبق ثمة ملف ثقافي لصحيفة من الصحف يخلو من كتاباتنا , وان كان النشر غير منتظم بالنسبة لنا وقتها ولكن يبعث في الروح شبق الكتابة وحماس الشوق للحرف الندى.

يقول الصادق كباشي في مطلع أحد نصوصه( التي كتبها إبان غربته قبل أن تخدع الحكومة الجميع وتخرج لهم لسانها , بعد أن تآمرت على إعادة كل الطلاب الذين يدرسون خارج السودان بمنحهم وعود كاذبة من سفارات السودان للدراسة في الداخل ليكون الصادق كباشي أحد هؤلاء الضحايا الأمر الذي يسهم في إتخاذه قرار الانتحار بسبب عدم إنجاز الحكومة لوعودها التي قدمتها للطلاب عبر السفارات السودانية في الخارج !!.. الصادق أحد ضحايا ما أطلقت عليه “الجبهة الإسلامية” سياسات التعليم العالي , وبذلك خسر السودان أحد شعراءه المميزين جدا , الذين كانت حياتهم لو إستمرت لشكلوا فرقاً كبيراً !!..) ..

يقول الصادق في قصيدته التى أشرنا إليها:

نهدك الثلجي مقبرة الربيع ,
أتوه في سماءه أضيع

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!