“إنت لسه حي”؟.. تأملات في رمضان.. (٢٩)

15

بعد مكالمة محمد وإستنجاده بي للإسراع في الوصول إليه لإيقاف نزيف الدم جراء الاصابة بعدة طلقات رصاصية، بدأت الاتصال بالزملاء الأطباء بمستشفى الشرطة اللواء م. د. مصطفي دياب واللواء م. د. عمر الوداعة وشرحت لهم حالة محمد ومحاولتنا الفاشلة في الوصول إليه، وطلبت منهم الاتصال بالمستشفى لارسال إسعاف لإحضاره، خاصة وهو لا يبعد مسافة مائتان متر من المستشفي، فشلت محاولاتهم وذكروا لي بأن إسعاف المستشفي قوات العسكر منعوه من التحرك رغم إن لديهم جثة يودون نقلها، أعطيت د. مصطفى تلفون الشخص المختبئ مع محمد للإتصال به ومحاولة معرفة مكان النزيف وطريقة عمل إسعافات أولية لوقف أو تقليل النزيف، فعلاً أدي ذلك الي تقليل النزيف في الأرجل الاثنين بعد ربطهم، ولكن لازال جرح الظهر ينزف.


تذكرت الفريق دمبلاب رئيس جهاز الامن الذي تعرفت عليه منذ كان قنصل بالسفارة السودانية بالقاهرة، حينما كانت نسيبتي الدر مساعد الملحق الثقافي بالسفارة، ولعب دوراً كبيراً في عودتي للسودان، بعد إنقطاع دام سنين، لم يكن معي رقمه ولكن إتصلت بصديق زميله ودفعته وشرحت له الأمر، عاد الي وطمأنني بأنه تحدث مع دمبلاب وسيقوم بإرسال عربة لنقله للمستشفى، ظللت متابع مع محمد حالته وموقف النزيف، وكنت حريص إنه مايدخل في غيبوبة، تمر الدقائق ثقيلة وتتوالي التلفونات وانا في قمة الإستياء والإحساس بالقهر، مرت ساعة ولم تصل عربة جهاز الأمن، كررت الاتصالات بالصديق الذي كان يتابع الاتصال بالفريق دمبلاب بلا جدوي، كان اللواء د. عمر متابع معي الامر بالتلفون، لما مرت أكثر من ساعة ولم يحدث جديد، قرر التحرك من منزله بالمجاهدين، الطرق كانت مقفلة في شارع الستين إما بالمتاريس أو قوات الدعم السريع المنتشرة، لك أن تتخيل حتي اللواء شرطة معاش يعاني في تجاوز إلارتكازات ،الواضح من تصرفاتهم أن كان لديهم تعليمات صارمة للتعامل مع الشعب بقسوة.

طيلة هذا الوقت لم تتوقف الاتصالات من الاخوات بأمريكا، لم أخبرهم بإصابته وخدعتهم بأنه تحدث معي من تلفون شخص آخر، و إنهم مجموعة مختبؤون في أحد بيوت أساتذة الجامعة ببري المحس، وسينتظر حتي تهدأ الامور في الخارج ليتحرك للبيت، إطمأنوا وفرحوا بعد أن كانوا في أسوأ حال منذ أن رد عليهم العسكري سارق موبايل محمد وقال لهم “صاحب الموبايل الله يرحمه”،
بعد ساعتين من المحاولات التلفونية الفاشلة ومحاولة التحرك مع الشوارع المقفلة، وحالة الإحباط والإستياء، إتصل بي محمد وأخبرني بأنه تم نقله الي طوارئ مستشفى الشرطة!!!
يا الله كم أنت كريم ورحيم..
كيف إستطعت الوصول؟
ذكر بأن أحد حراس محطة الكهرباء كان واقفاً في الشارع فمر صدفة قريبه ضابط” رائد شرطة” بعربته فلما أخبره بحالة محمد ونزيفه المستمر، لم يتردد في نقله.. جزاه الله خير، بسرعه ذهب به الي طوارئ مستشفي الشرطة وأوصي الأطباء عليه،.. لسه الدنيا بخيرها..
إتصلت علي د. مصطفى دياب الذي كان متواصلاً معي وأخبرته بأن محمد بمستشفى الشرطة ، إتصل بالمستشفي وتحدث مع المدير الطبي وطلب منهم الاهتمام ، ثم إتصل بي وقال لي أجهز سأمر عليك لنذهب معاً للمستشفي، جاءني سريعا وذهبت ومعي إبني عمرو معه الي المستشفى، في الطريق بشارع النيل أخبرنا بأن محمد جرحه كبير ويحتاج الي عملية وهو قام بالإتصال بكبير جراحي المستشفى د. أسامة السنوسي ولحسن الحظ كان موجود بالمستشفى الذي قرر إجراء العملية فوراً، وصلنا وعلمنا بأنهم جاهزين لإدخاله العملية وهو في طريقه من الطوارئ لغرفة العمليات،وصل كذلك د. عمر الوداعة أخصائي التخدير من سكنه بالمجاهدين بعد معاناة، ووجدنا د.أسامة السنوسي ومعه أخصائي تخدير في ألإنتظار بغرفة العمليات، أخبرني الدكتور بأن محمد أصيب بأربعة طلقات و شرح لي في صور الاشعة مكان الطلقات الثلاثة الموجودة، والطلقة الرابعة دخلت وخرجت، ذهب عمرو الي الطوارئ واحضر معهم محمد محمولاً علي النقالة، إستجمعت كل قواي للظهور بالتماسك أمامه ولكن خذلتني الدموع، المنظر كان بشع بمعني الكلمة، والتأثر واضح في الممرضين والمعاونين بالمستشفي من حالته، كل أجزاء جسمه، ظهره، اكتافه، أياديه ، بها خطوط من الالوان من أثآر الضرب ، رأسه وكفه الايسر بهم جرح غائر،أما مكان الطلقات لما شاهدتها كاد أن يغمي علي.


فتح كبير في أعلي الرجل اليمين من الخلف،
فتح في أعلي الحوض من الظهر،
ثم فتح في البطن من الناحية اليمني، وفتح في اسفل الساق الايسر،
كل الجسم مورم، الإجهاد والتعب النفسي باين في ملامح وجهه، بسرعة أدخلوه العملية، بعد حوالي ساعة خرج د. السنوسي من العملية وطمأنني بأن الامور مرت بسلام وإنهم إستطاعوا إستخراج الطلقات ماعدا واحدة لأنها في مكان عميق ووجودها لا يؤثر، من الأفضل تركها خوفا من الدخول، طالما وجودها لن يؤثر، قال لي الدكتور إن العناية الإلهية رعت محمد لأن الطلقات مرت بالقرب من أماكن حساسة وقاتلة ولكن لم تصيبها، وكذلك العظام سليمة، الطلقة في الرجل اليسرى دخلت وخرجت تاركة فتحتين ولم تصب الساق.
خرج من العملية وانتقلنا الي وحدة العناية المركزة واتصلنا بالاخوات بأمريكا وتحدث معهم محمد وطمأنهم علي حالته وإتصلنا بالمنزل بالمنشية وكنا أخفينا عنهم إصابته ،توالت الإتصالات والدعوات له بالسلامة والشفاء.
ما وجدناه من إهتمام وعناية من مستشفى الشرطة لا توفيه كلمات الشكر حقه، كانوا وقوفاً معنا من مدير مستشفيات الشرطة مرورا بالاطباء والكادر الطبي حتي عمال النظافة، لعلها في ميزان حسناتهم.
حكي لي محمد معاناته مع العسكر وعدم رحمتهم وضربهم المستمر له وبتشفي، وكيف كان بيمشي ويزحف للوصول الي بري، قال لي إن من اطلق عليه الرصاص مشي لما عاد مرة أخري ووجده بيزحف ماشياً قال ليه :
“إنت لسه حي؟”
ثم أطلق عليه الطلقة الرابعة ،كانت في الساق الأيسر ،ولقرب المسافة دخلت وخرجت .
كان معه بغرفة العناية المكثفة “الشاب صالح” في العشرين من عمره إصيب بطلق مر علي النخاع الشوكي أصابه بتهتك مما أدي الي شلل تام للنصف الاسفل من جسمه، عندما تري مصائب الآخرين تهون عليك مصيبتك.

أختم بما كتبه اليوم الصديق الأخ الصادق سمل والد الشهيد عبدالرحمن :
“و انه في اليوم الاول / من شهر الغدر / لعام ذاكرة الدم و الجثامين .
لا زلنا نبحث عن العدل لنعدل تاريخ الوطن .
الي اليوم الاول / من شهر إرتقاء الروح / لعام هجرة العصافير .

اصنعوا عدلا تصنعوا وطنا …”

كل عام وأنتم بخير

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!