اجلس يا عبد الحي.. فالوطن لا يتشرف بأمثالك للقيام له

2

فاروق عثمان

يقول الفيلسوف ابن رشد

“إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلّف كل باطل بغلاف ديني”.
ويقول أيضا: “التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل”.
ما قاله ابن رشد يعبر بصورة ماثلة وجلية عن ظاهرة عبد الحي يوسف ومن شايعه من علماء السلطة والسلطان، وشيوخ التكفير، الذين أعطت لهم السلطة المقتلعة، الغطاء الأيدلوجي، والحماية الأمنية، والتمكين المالي، والفسحة الإعلامية، والتضخيم والقداسة المجتمعية، حتي يكونوا أدوات تقهر وتهدم بها ركائز المجتمع السوداني ومن ثم تدجينه والسيطرة عليه، وتقوم عليها دولتهم البوليسية المسنودة بغطاء زائف للدين، ولكيما يتحقق لها ذلك، لا بد أن تنسف سماحة إسلامه الشعبي المتسامح، المرتكز علي ثنائية التدين الصوفي في معناه اللطيف، والمتحرك في فضاء السماحة والزهد والورع والتقشف، والمرتكز أيضا علي حضارة ممتدة لسبعة آلاف عام في جل مناطقه وأقاليمه، وضعت غطاء حضاريا، وإرثا تسامحيا لإسلام، قام في جوهره على الدين المعاملة ومكارم الأخلاق، ولم يقم على استغلاله كتجارة رائجة، تفصل الفتاوى وتدبج التبرير ات السياسة على حسب ثوب السلطان، ضيقا بحريات أو اتساعا بقمع أو فساد، هذه التجارة تحشد بها رأسمال رمزي يعطيها سلطة الإنابة عن الله، تحوز بها على قدسية معنوية واحترام مجتمعي، وامتيازات مادية من أموال وعقار ومنقولات وغيرها من حيوزات دنيوية بحتة لا علاقة لها بدين أو غيره.
إن الإسلام الصوفي علماني في بنيته، أي يزهد في السياسة ودروبها، ويمازج بين الموروث الحضاري للشعوب والبعد الأصيل للدين أي جوهره المكي، وينطلق في براحات التأمل والزهد والتقشف والبعد عن ما هو دنيوي وسياسي، وهو الذي أقام ونشر الإسلام في السودان بعد أن عجز سيف ابن أبي السرح في تطويع أجدادنا رماة الحدق، وارتكز الإسلام الصوفي على الزهد والتقشف، أكل الويكاب، والفتريتة الغبشا داكنة اللون خشنة الملمس، مرة الطعم مع الحيران، ومص القرض، والصوم الطويل، وجرد الألفيات ليلا ابتغاء الرياضة الروحية والسمو فوق أمنيات وشهوات الذات، ومطلوبات الدنيا الزائلة وفق الأدب الصوفي الجميل، والفلسفة العرفانية، وعمدة التسليك الصوفي النبيل ، لذا كان إسلام المتصوفة متسامحا لينا، لطيفا، نقيا، وظلت ركائزه في كدباس وطيبة الشيخ عبد الباقي، والشيخ الياقوت والطندب ومناطق التجانية في كردفان ودارفور، وغيرها من القرى والبوادي، منحازة دوما لنبض الشارع ومزاجه العفوي، تعانق نيران تقاباتهم سماء هذه البلاد، وتضج مدائحهم وأذكارهم في أثيرها وفضائها، ولم نر لهم غنى فاحشا أو ثراء فارها، أو تطاولا في البنيان.

على النقيض منهم كان الإسلام السلفي الأصولي المتشدد، القائم على القمع والأقصاء والوصاية والتكفير، والذي ما إن حل على مكان، الا أحال أمنه خوف، وسلامه حرب، وطمأنينته وجل ورعب، ودونكم أفغانستان وجحيمها وسوريا ومعاناتها ومحنها، وليبيا وبركان دمويتها وحروبها، أم تريد يا هذا مزيدا من الدموية الداعشية التي وقفت يوما تنعي عرابها بن لادن، وذهبت إلى ليبيا داعيا، لتحيلها إلى دماء وأشلاء وذبح وسحل، إن بلادنا الآمنة والمحمية بوعي شعبها وسلمية ثوارها وإسلامها المتسامح التليد لن تجد فيها موطأ قدم مجددا لبث سموم فكرك الإقصائي الدموي.
هذا الفكر المستورد والمحشور في مفاصل الواقع السوداني حشرا، أضيق طرحا، وأقسى قبولا، وأكثر تطرفا وإقصاء من أن يستوعبه ويتقبله واقعنا وإرثنا وتنوعنا وتسامحنا، رغم سنده من آلة الدولة البائدة ودولابها ، فظل معزولا غير متمددا رغم الإمكانيات والأموال التي ضخت في سبيل تمكينه، ولكنه واقعنا الحضاري الضارب عميقا في جذر التاريخ، وإرثنا الديني المتسامح هو من لعب دور التطعيم وقاية لنا من شروره ومحنه وآثامه.
إن ما يقلق مضجع عبد الحي ومن شايعه ويجعله يرفض مد يد العون لوطنه مما يحسب في باب الخيانة العظمى أن انتماءه لداعش والقاعدة وبن لادن والبغداي، أكبر وأعمق من انتمائه لتراب وانسان وطين هذا البلد، وفق فقه جهاد الطلب والولاء والبراء وإعادة الخلافة.
إن تجربة الإسلام السياسي أثبتت فشلها الذريع وكارثيتها حتى على الدين نفسه ، وأثرت حتى في الدين في إطلاقه الرحيب وتسامحه البهي، لأن ما حصل من كوارث وقتل واغتصاب وفساد، كان يبرر له من خلال الدين، ويؤسس له من فتاوى علماء السلطة والسلطان، ومن ذات عبد الحي وأمثاله، هذا الواقع جعل من محاولة تسويق خطاب ديني جديد أمر محسوم بالرفض من جموع الشعب.
عبد الحي الذي قيل إنه أفتى بقتل ثلث الشعب للطاغية المخلوع، في أحد الصحف، هو ذات عبد الحي الذي صمت عن قتل المئات من الشباب النضر البهئ ، والطلاب اليفع في سبتمبر وديسمبر. في العيلفون وكجبار وبورتسودان، ، وبلع لسانه وذمته حين كانت آلة النظام تحصد في مئات الآلاف في دارفور وجبال النوبة والفونج من أطفال وعجزة وشيوخ، إبادة وتشريدا وأغتصاب، كان إسلامهم نقيا وايمانهم عميقا وتسامحهم سودانويا أصيلا، فصمت عن قول الحق أمام سلطان جائر، وسكت عن الفساد والنهب والمحسويية، وقمع الناس والتضييق عليهم، لم ينبس ببنت شفة عن آلاف مؤلفة من جرائم يندي لها جبين كل من له ذرة حس إنساني وأخلاقي وديني قويم، بل آثر الأكل من موائد السلطان وعلى أشلاء وجماجم ودماء ودموع هذا الشعب، فعن أي شريعة يتحدث ويدافع ووفق أي ضمير وأخلاق وشرع يعارض حكومة الشعب والثورة ويقف ضدها ويفتي بعدم التبرع لها؟
فعبد الحي يدافع عن أملاكه وعقاراته وفلله وقنوات وامتيازاته، التي لا ندري وفق أي مهنة حازها؟
فاجلس يا عبد الحي، فهذا الشعب لن يخدع لأمثالك، والوطن قطعا لا يتشرف بأن يقوم له من على شاكلتك ممن يضمرون له الحقد والسوء.
والقومة ليك يا وطني

3 أبريل 2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!