الأوبئة والتاريخ والحجر الصحي!

2

 

* مع تزايد انتشار وباء الكورونا (كوفيد-19) وبدون مقدمات، تحول العالم فجأة إلى سجن كبير، بحيث وجدت الحكومات في العديد من البلدان، ألاّ معنى للاحتفاظ بالسجناء المحكومين والمنتظرين في عنابر وزنازين السجون، فعمدت لإطلاق سراح أعداد كبيرة منهم للانضمام إلى مواطنيهم الذين سجنوا أنفسهم في بيوتهم بأمر كورونا، إعمالاً لنظرية “الحجر الصحي” التي تنصح بالتباعد الاجتماعي توقياً للعدوى الناتجة عن التقارب والتداخل الحميم، في غيبة اللقاح والعلاج الفعال المطلوبين للنجاة من الإصابة أو الموت الزؤام.
* عجت الصحف والأسافير بقصص التاريخ القريب والبعيد، عن الأوبئة وتجارب المعاناة والمآسي التي روعت البشرية جراء الجوائح الصحية، التي أفنت الآلاف والملايين أمام الأحياء من أحبائهم في أوقات قياسية وهم ينظرون.. ورصدت تلك القصص كيف تعامل الحكماء والفقهاء والأطباء في تلك الأوقات لدرء المخاطر والكوارث المُحدِقة بلا رحمة.
* في عالمنا العربي والإسلامي لجأ الفقهاء إلى الموروث السني والحديث المشهور للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي يؤسس لأهمية الحجر والعزل الصحي بدقة متناهية،عندما يحل الوباء أو الطاعون والذى يقول : “إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأَنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه”.. كما استدلوا لذات الغرض والمعنى بالآية الكريمة من سورة البقرة التي تقرأ : “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”.
* مراجع التاريخ الإسلامي تحدثنا عن أن المشرق العربي شهد أوبئة وكوارث صحية عديدة، أشهرها في صدر الإسلام عندما كان جيش المسلمين يقاتل الروم ببلاد الشام، عندها حل بهم “طاعون عمواس” – سنة 18 هجرية – انطلاقاً من قرية عمواس الفلسطينية، وأفنى خلقاً كثيراً في مقدمتهم الصحابي الجليل وقائد الحملة أبوعبيدة عامر بن الجراح وعدد من كبار الصحابة وأشراف القوم، ما اضطر الخليفة عمر رضي الله عنه للعودة قافلاً إلى المدينة المنورة، بعد أن أزمع اللحاق بأبي عبيدة وجيشه في الشام، وكان ذلك تطبيقاً باكراً لقواعد الحجر الصحي.
* وفي عهد عبد الله ابن الزبير ضرب العراق – سنة 69 هجرية- طاعون “الجارف”، الذي سُمي كذلك لأنه جرف الناس جرفاً وأفنى الآلاف خلال أيام معدودات.. كما شهد العهد الأموي- سنة 131 هجرية- طاعوناً فتاكاً سُمى “طاعون مسلم بن قتيبة” لكونه أول من مات به.. كذلك أغارت الأوبئة و الطواعين على المشرق العربي تترى خلال العصور العباسية والمملوكية والأيوبية، ولم تستثن الأوبئة والجوائح بلدان المغرب العربي والأندلس في أوقات متعاقبة، وأدت إلى خفض عدد السكان والأيدي العاملة وضربت الأنشطة الاقتصادية الزراعية والحرفية ونشرت الندرة وإلغلاء والمجاعات، ووصل الأمر كذلك إلى بلدان الهند والسند التي امتدت بعدواها إلى الجزيرة العربية، مما عطل فريضة الحج مرات عديدة أو قلل من زوار الحرمين الشريفين في تلك المواسم، درءاً للأوبئة والجوائح الفتاكة عملاً بحكمة؛ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
* هكذا يعلمنا التاريخ أن مقولة “الوقاية خير من العلاج” هي الرؤية الصائبة التي لا مناص منها في أوقات الأوبئة والجوائح المهلكة، وأن الحجر والعزل الصحي هو الآلية الضرورية المتاحة، وهو فرض وواجب، لا يتم الواجب بدونه، مسنوداً بالخبرة الإنسانية والحكمة الدينية، وتجاهله يعني التفريط المفضي للخسران والندامة.. فعضوا عليه بالنواجذ علكم تفلحون وتسلمون.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!