الاتحاديون.. إلى أين؟

3

د. فقيري حمد/كندا

العبور بثورة ديسمبر المجيدة إلى دولة مدنية ديمقراطية بمعايير العصر يحتاج لحزب سياسي معتدل منبثق من واقع السودان، يعلو بالتجربة فوق صراع اليمين واليسار الأبدي، يحرر شعب السودان من توابيت الأسى ويحقق الاعنتاق لجيل الثورة من كوابح الفشل المستمر.

شعب السودان النبيل يحتاج بإلحاح لحزب سياسي متقد وقائد ملهم يلحقة بركب التطور، لكن تجربة الأحزاب الحديثة في السودان توحي بصعوبة صعود حزب وقائد دون قاعدة اجتماعية داعمة، مال وافر وإرادة غلابة.

لصعوبة ميلاد حزب حديث من هذا الركام، يتجدد الأمل في إصلاح مؤسسي يوحد الحزب الاتحادي الديمقراطي على اختلاف مدارسه وتياراته ليجعل منه حزبا وسطيا، ديمقراطيا وقوميا جامعا لإرادة شعب السودان حول برنامج وطني يرسي دعائم نظام ديمقراطي مستدام.

هذا الأمل يفرض على قادة الأحزاب الاتحادية المتصارعين على ميراث الزعيم الرئيس الأزهري ومولانا السيد علي الميرغني استدعاء مسيرة الحزب منذ 1952 وقوفا على محطاته بدقة وقراءة متأنية بعين فاحصة غير منحازة وتحليل لوجة الوطن مبرأ من هوى النفس وقمط الحق.

لا يختلف اثنان من قادة الأحزاب الاتحادية على وطنية، حكمه، نزاهة وكايرزما الزعيم الأزهري وقد تمكن من توحيد إرادة أمة السودان على اختلاف مكوناتها خلف قيادته في مسيرة الاستقلال.

كان الأزهري ديمقراطيا، قولا وممارسة وضد الاستبداد طبعا، إنه قائد الاستقلال الوحيد في إقليمينا ( إفريقا والشرق الاوسط) الذي أعلن استقلال بلاده عبر نظام ديمقراطي برلماني تعددي.

أسوق هذا مثلا لقادة الأحزاب الاتحادية المتصارعة علهم يهتدون بسنة الأزهري الزعيم في التصالح بين المكونات التاريخية
للحزب منذ نشأة الحزب الوطني الاتحادي 1952 والتوافق على الحزب الاتحادي الديمقراطي 1967بدلا من المغالاة في الخصومة.

خلافا لما أرساه الزعيم الأزهري من شراكة متينة بين الختمية والنخب الاتحاديه، قادة الأحزاب الاتحادية اليوم ينكرون أصالة الختمية في الحزب في مزايدة جاسرة على موقف الزعيمِ المؤسس.

وقائع التاريخ تؤكد أن الختمية مكون أصيل ومؤسس للحزب الوطني الاتحادي، الشعب الديمقراطي والحزب الاتحادي الديمقراطي.

والراهن يبرهن أن الختمية أكبر مكون جماهيري للحزب الاتحادي الديمقراطي وأن مولانا السيد محمد عثمان الميرغني حمل رأية الحزب ثمانية وثلاثين عاما منذ وفاة الشريف حسين 1982 وحتى 2020 محافظا على حضور الحزب في الساحة السياسية في الحكم والمعارضه.

فبراير 1938 خاطب الزعيم الأزهري عدد 1180 خريج في المؤتمر التأسيسي لمؤتمر الخريجين قائلا (لنعمل صفا واحدا متآزرين ليس كخريجين فقط بل مع الآباء ورؤساء العشائر والزعماء وأن تعدد طرق الوصول إلى الهدف، فالهدف واحد نعمل جمعيا على تحقيقه) .

كانت هذه الكلمة هي الرؤية الوطنية للزعيم الخالد إسماعيل الأزهري، انبثق منها هدفه الاستراتيجي :

استصحاب كل المكونات الاجتماعية وحشد كل القدرات والموارد في بوتقة العطاء والدفع بها في اتجاه الهدف.

دقة هدف برهنت التميز القيادي للزعيم الأزهري وأهله لقيادة شعب السودان في مسيرة التحرر.

كان الأزهري يدرك منذ الوهلة الأولى أن النخبوية والصفوية والاقصائية لا تساعد القادة على حشد إرادة الجماهير حول الأهداف الوطنية.

كان يدرك أن عدد 1180 خريجا كامل عضوية المؤتمر ليسوا إلا رأس الرمح في طريق التحرير والتعمير وأن مهمتهم المقدسة حشد وعي وإرادة الآباء ورؤساء العشائر وزعماء الأمة نحو الغاية الكبري المرتجاة (التحرير).

بعدد قليل من خريجي جيلة وضع الأزهري قواعد الحزب الوطني الاتحادي وببعده الاستراتيجي وحكمته خلق شراكة ذكية جعلت من الطريقة الختمية حاضنة اجتماعية وسياسية للحزب ومن مولانا السيد علي الميرغني راعيا ناصحا.

هذه الشراكة مكنت الحزب الوطني الاتحادي من إحراز الأغلبية النيابية في أول انتخابات برلمانية وجعلت من الأزهري رئيسا لوزراء دولة السودان المستقلة.

حدث شرخ في التحالف الختمي النخبوي طرفي الوطني الاتحادي أدى إلى الانشقاق، ليفقد الأزهري السند الختمي في انتخابات 1958 التي تحصل فيها الوطني بزعامة الأزهري على 44 مقعدا في مقابل 63 مقعدا لحزب الأمة حيث كانت حكومة حزب الأمة الأولى 1958 برئاسة الاميرالاي عبد الله خليل.

سقطت حكومة حزب الأمة، بانقلاب الفريق عبود الذي ثار عليه شعب السوران في أكتوبر 64، ثم كانت انتخابات 1965 أحرز فيها حزب الأمة 92 مقعدا والوطني الاتحادي63 مقعدا.

بفقدان الأغلبية النيابية في دورتين انتخابتين عقب الانشقاق أدرك الأزهري بحكمته وفطنته المعهودة ضرورة التئام الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي تحت رعاية مولانا السيد علي في الحزب الاتحادي الديمقراطي. يوم ميلاد الحزب الاتحادي الديمقراطي العام 67، قال الزعيم الأزهري قولته المشهورة (إن الحزب الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي قد قبرا اليوم وإلى الأبد) وبدأت مرة أخرى مسيرة الصعود للحركة الاتحادية لينال الحزب الاتحادي الديمقراطي 102 مقعد نيابي في انتخابات 1968 بينما نال حزب الأمة بجناحية (الهادي- الصادق) 72 مقعدا.

تعرضت التجربة الديمقراطية الثانية لمؤامرة من الحزب الشيوعي أودت به في انقلاب 1969 الذي استمر حتى اتنفاضة أبرايل 1985.

استشهد الزعيم إسماعيل صانع الاستقلال وقائد التحرير في سجن كوبر على يد تحالف قوى الشعب الحاضنة السياسية لانقلاب مايو المكون من الحزب الشيوعي والقوميين العرب (الناصري والبعثي) حكام اليوم .
استشهد الزعيم الأزهري تاركا إرثا سياسيا مجيدا للاحقين من الاتحاديين هو الحزب الاتحادي الديمقراطي بمكونيه، و كما ترك ثارا دفينا بين الاتحاديين ورثتة وبين تحالف اليسار الأممي والعربي قتلته.

سقطت حكومة مايو 1985و تصدع الحزب الاتحادي في التو حيث خرجت تيارات مناوئة لقيادة مولانا الميرغني والشريف زين العابدين أبرزها الحزب الوطني الاتحادي بزعامة المناضل الجسور على محمود حسينن .

جرت انتخابات 1986 في ظل تشظٍّ اتحادي كبير غير أن جماهير الختمية أصطفت خلف السيد محمد عثمان الميرغني والشريف زين العابدين وأحرز الحزب الاتحادي 67 مقعدا بينما نال الحزب الأمة القومي 101 مقعد.

مرة ثالثة دارت الدائرة على الديمقراطية واستولى البشير على السلطة في انقلاب ابيض حيث هرب قادة الحكومة الديمقراطية بليل.

تصدى الحزب الاتحادي الديمقراطي للانقاذ بزعامة مولانا الميرغني الذي قاد أكبر تجمع سياسي سوداني في تاريخ البلاد ضم كل أحزاب الشمال والجنوب و51 نقابة، القيادة الشرعية للقوات المسلحة والحركة الشعبية .

ظل السيد محمد عثمان الميرغني قويا صامدا معارضا شرسا للانقاذ حتى خذله حزب الأمة 1999 بتوقيع اتفاق جيبوتي مع الإنقاذ وعودة الإمام وقادة حزبه إلى السودان العام 2000، تبع ذلك اتفاق الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق مع نظام البشير حيث وقعت على نيفاشا وقاسمت السلطة مع الإنقاذ 2005.

تحت ضغوط الحلفاء وخذلان الشركاء وقع الحزب الاتحادي الديمقراطي على اتفاقية القاهرة ملحق نيفاشا ضمن من تبقى من قوى التجمع الوطني الديمقراطي (الشيوعي – البعثي – الناصري- قوات التحالف – مؤتمر البجا- القيادة الشرعية للجيش والشخصيات الوطنية) غير أن مولانا الميرغني ظل معارضا للإنقاذ رافضا العودة إلى السودان حتى سقوط الإنقاذ 11 أبريل 2019.

هذا السرد التاريخي يوضح بجلاء أن طائفة الختمية ليست دخيلة على الحركة الاتحادية بل أصيلة وراسخة وداعمة للحرب الاتحادي منذ تكوينة 1952، وفرت له عمق جماهيري واسع مكنه من تحقيق استقلال البلاد وإحراز الأغلبية النيابية مرتين.

هذا السرد التاريخي يوضح أيضاً حتى مع وجود الزعيم اسماعيل الأزهري في قمة الحزب كان صراع النخب مع طائفة الختمية وبالا على الحزب كما وضح في انتخابات 58، 65، 86 وكان التوافق مع الختمية انتصارا ساحقا للحزب كما وضح في انتخابات 53 و68.

الواقعية والعقلانية السياسية تقول لن ينهض الحزب الاتحادي الديمقراطي من الأشلاء دون الاعتصام بقاعدته الجماهيرية الصوفية المتمثلة في طائفة الختمية.

الختمية طائفة دينية سياسية متجذرة في العمق الاجتماعي وممكنة في البعد الاقتصادي المالي وتحظى باعتراف دولي وإقليمي ولها قيادة مركزية واجتماعات راتبة كل مساء الخميس والأحد ودعوات تفتح لها أبواب السماء اشغلت الأعداء بأنفسهم .

ستلعب الختمية دورا محوريا في السياسية السودانية لسنوات طوال ولا مناص لمثقفي ونخب الحزب إلا السير على التحالف الذي أرسى قواعده الأزهري في العام 1952 وجدده في العام 1967 لو يريدون حزب يساهم بفعالية في بناء الوطن واستدامة الديمقراطية.

وحدة الصف الاتحادي ضرورية وطنية ملحة وعاجلة ذلك أن بعث الحزب الاتحادي الديمقراطي موحدا مؤسسيا على هدى رؤية وطنية ثاقبة يحقق :

* تمكين الحزب من إحراز الأغلبية النيابية مما يحقق استقرار الحكم الديمقراطي.

* تجفيف منابع الحركة الإسلامية في الوسط والشمال والشرق بإيجاد بديل اسلامي وسطي معتدل .

* امتصاص حدة الصراع بين العلمانية المعادية للدين والتدين المعادي للمدنية.

حشد الوسط المستنير حول شعارات ثورة ديسمبر المجيدة ( حرية، سلام وعدالة) وإنهاء تحالف العسكر وقحت.

* إيقاف تمدد العرقيات والجهويات إلى مفاصل الدولة والمجتمع وبناء القومية النبيلة.

* تجديد العلاقات المصرية والعربية السودانية ببعد استراتيجي يحقق المصالح المشتركة.

* بناء نظام ديمقراطي راسخ مستدام ينهض بالدولة في كل المجالات.

*تحقيق سلام مستدام يرسي قواعد العدل ويحمي البلاد من شبح التفكيك والتشظي.

* إقامة اتحادي كنفدرالي مع دولة الجنوب استنادا على العلاقات الراسخة بين الحزب الاتحادي والقوى السياسية في دولة الجنوب.

الرابط الوثيق بين مستقبل الديمقراطية في بلادنا السودان ووحدة الحزب الاتحادي الديمقراطي يحتم على الاتحاديين ضرورة التوافق على تصالح حقيقي بين المكون الختمي الصوفي وبين الأحزاب الاتحادية في شراكة موضوعية قائمة على:

تحديد دقيق للادوار.

بناء مؤسسي ديمقراطي.

تبادل سلمي ديمقراطي للقيادة التنفيذية الحزب.

حكم المؤسسة وديمقراطية التنظيم.

الطريق لوحدة الحزب الاتحادي يبدأ :

* اعتراف بأن الحزب الاتحادي الديمقراطي ملك مشاع لجماهيره وليس حكرا على فيصل.

*حق العودة مكفول للمبعدين والمبتعدين والخارجين من قدامي الاتحاديين.

*حق الانتماء متاح لجميع السودانيين من ممن استفوا شروط العضويه.

* الترفع فوق المزيدات والادعاءات وتوزيع صكوك الغفران.

* الاعتراف بأن جميع الاتحاديين عارضوا نظام الإنقاذ حينا من الدهر بنسب متفاوتة.

* الإقرار بأن الاتحاديين شركاء الإنقاذ على اختلاف راياتهم شاركوا وفق اتفاقيات أحدثت تحولا نسيبا نحو التحول الديمقراطي وخففت وطأة الاستبداد.

* الإقرار بأن جميع قوى الحرية التغير من أحزاب وحركات شاركت الإنقاذ يسري على الاتحاديين ما يسري عليهم.

* الإقرار بأن الناس لا يحاسبون على خياراتهم السياسية والفكرية بل على أعمالهم .

* الاتفاق بأن لا إقصاء لأحد من الاتحاديين في مسيرة الوحدة إلا لمتورط في جرائم دماء، أموال وفساد.

الطريق إلى الوحدة :

1- تشكيل مجلس حكماء برئاسة مولانا السيد محمد سر الختم الميرغني وعضوية:

شخصيات اتحادية لم تكن طرفا في الصراعات.

مقبولة من كل الأطراف.

متجذرة في العمق الاجتماعي الاتحادي.

2- يؤكد مجلس الحكماء في بيان مقتضب حيادته إزاء خلافات الحزب ومقاصدة النبيلة إ زاء وحدة الصف التي تحتمها المسؤولية الوطنيه.

3- يجتمع المجلس مع كل فيصل اتحادي على حده ليقف على تصوره للوحده.

4- يضع المجلس أسس وقواعد الوحدة المرتجاة بناء على نتائج لقاءاته مع الفصائل الاتحادية .

5- يجتمع المجلس برؤساء الفصائل الاتحادية لإجازة أسس وقواعد الوحده.

6- يصدر بينان مشترك بتوقيعات رؤساء الفصائل الاتحادية إيذانا ببدء مشروع الوحدة وفق الأسس والقواعد المتفق عليها.

7- بالاتفاق مع رؤساء الفصائل يسمي المجلس شخصيات اتحادية محايدة مشرفين سياسيين على الولايات

8- بالاتفاق بين رؤساء الأحزاب يختار المجلس لجنة مقتدرة الإشراف على قيام المؤتمرات القاعديه، الواحدات الإدارية، المحليات، الولايات وصولا للمؤتمر العام .

8- يتم الاتفاق على تاريخ للمؤتمر العام .

9- يلتزم كل الفصائل الاتحادية بالمساهمة في توفير مالية المؤتمرات والمؤتمر العام.

9- يتم التأكيد في بيان مشترك من الرؤساء الفصائل الالتزام الكامل بنتائج المؤتمرات والمؤتمر العام.

10 – يتم التاكيد على أن حكم المؤسسة وديمقراطية التنظيم هو غاية ما يسعى الاتحاديون وأن إرادة جماهير الحزب هي الآلية الحاكمة لبوصلة الحزب وحركة عضويته وقادته.

د. فقيري حمد
كندا- 28 مارس 2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!