الاتحاديون.. إلى أين ؟

5

العبور بثورة ديسمبر المجيدة إلى دولة مدنية ديمقراطية بمعايير العصر يحتاج لحزب سياسي معتدل منبثق من واقع السودان، يعلو بالتجربة فوق صراع اليمين واليسار اأابدي، يحرر شعب السودان من توابيت الأسى ويحقق الاعنتاق لجيل الثورة من كوابح الفشل المستمر.

شعب السودان النبيل يحتاج بإلحاح لحزب سياسي متقد وقائد ملهم يلحقه بركب التطور، لكن تجربة الأحزاب الحديثة في السودان توحي بصعوبة صعود حزب وقائد دون قاعدة اجتماعية داعمة، مال وافر وارادة غلابة.

لصعوبة ميلاد حزب حديث من هذا الركام، يتجدد الأمل في إصلاح مؤسسي يوحد الحزب الاتحادي الديمقراطي على اختلاف مدارسه وتياراته ليجعل منه حزبا وسطيا، ديمقراطيا وقوميا جامعا لإرادة شعب السودان حول برنامج وطني يرسي دعائم نظام ديمقراطي مستدام.

هذا الأمل يفرض على قادة الأحزاب الاتحادية المتصارعون على ميراث الزعيم الرئيس الأزهري استدعاء مسيرة الحزب منذ 1952 وقوفا على محطاته بدقة وقراءة متأنية بعين فاحصة غير منحازة وتحليل أمين لوجة الوطن مبرأ من هوى النفس وقمط الحق.

لا يختلف اثنان من قادة الأحزاب الاتحادية على وطنية، حكمة، نزاهة وكايرزما الزعيم الأزهري وقد تمكن من توحيد إرادة أمة السودان على اختلاف مكوناتها خلف قيادتة في مسيرة الاستقلال.

كان الأزهري ديمقراطيا، قولا وممارسة وضد الاستبداد طبعا، إنه قائد الاستقلال الوحيد في إقليمينا (إفريقيا والشرق الأوسط) الذي أعلن استقلال بلاده عبر نظام ديمقراطي برلماني تعددي.

أسوق هذا مثلا لقادة الأحزاب الاتحادية المتصارعة علهم يهتدوا بسنة الأزهري الزعيم في التصالح بين المكونات التاريخية للحزب بدلا من المغالاة في الخصومة والتنكر لحقائق التاريخ الموثقة منذ نشأة الوطني الاتحادي 1952.

خلافا لما أرساه الزعيم الأزهري من شراكة متينة بين طائفة الختمية والنخب الاتحادية، قادة الأحزاب الاتحادية اليوم ينكرون أصالة الختمية في الحزب في مزايدة جاسرة على موقف الزعيمِ المؤسس.

وقائع التاريخ تؤكد أن طائفة الختمية مكون أصيل ومؤسس للحزب الوطني الاتحادي، الشعب الديمقراطي والحزب الاتحادي الديمقراطي.

الراهن يبرهن أن الختمية أكبر مكون جماهيري للحزب الاتحادي الديمقراطي وأن مولانا السيد محمد عثمان الميرغني حمل رأية الحزب ثمانية وثلاثين عاماً منذ وفاة الشريف حسين 1982 وحتى 2020 محافظا على حضور الحزب في الساحة السياسية في الحكم والمعارضة.

فبراير 1938خاطب الزعيم الأزهري عدد 1180 خريج في المؤتمر التأسيسي لمؤتمر الخريجين قائلا (لنعمل صفا واحد متآزرين ليس كخريجين فقط بل مع الآباء، رؤساء العشائر والزعماء وإن تعدد طرق الوصول للهدف، الهدف واحد نعمل جميعاً على تحقيقه) .

عبرت هذه الكلمة عن الرؤية الوطنية للزعيم الخالد اسماعيل الأزهري، وانبثق منها هدفه الاستراتيجي المتمثل في:

*استصحاب كل المكونات الاجتماعية وحشد كل القدرات والموارد في بوتقة العطاء والدفع بها في اتجاه الهدف.

التصويب الدقيق للهدف برهن التميز القيادي للزعيم الأزهري وأهله لقيادة شعب السودان في مسيرة التحرر.

كان الأزهري يدرك منذ الوهلة الأولى أن النخبوية والصفوية والاقصائية لا تساعد القادة على حشد إرادة الجماهير حول الأهداف الوطنية.

كان يدرك أن عدد 1180 خريجاً كامل عضوية المؤتمر ليسوا هالا رأس الرمح في طريق التحرير والتعمير وأن مهمتهم المقدسة حشد وعي وإرادة الآباء، رؤساء العشائر وزعماء الأمة حول الغاية الكبرى المرتجاة (التحرير).

بعدد قليل من النخب المثقفة وضع الأزهري قواعد الحزب الوطني الاتحادي وببعدة الاستراتيجي وحكمتة خلق شراكة ذكية جعلت من الطريقة الختمية حاضنة اجتماعية وسياسية للحزب ومن مولانا السيد على الميرغني راعيا ناصحا.

هذة الشراكة مكنت الحزب الوطني الاتحادي من احراز الاغلبية النيابية في اول انتخابات برلمانية جعلت ومن الأزهري رئيسا لوزراء دولة السودان المستقله.

حدث شرخ في التحالف الختمي النخبوي طرفي الوطني الاتحادي أدى إلى انشقاق أفقد الأزهري سنده الشعبي في انتخابات 1958 التي تحصل فيها الوطني بزعامة الأزهري على 44 مقعداً في مقابل 63 مقعداً لحزب الأمة حيث كانت حكومة حزب الأمة الأولى 1958 برئاسة الأميرالاي عبد اللة خليل.

سقطت حكومة حزب الأمة، بانقلاب الفريق عبود الذي ثار عليه شعب السودان في أكتوبر 64، ثم كانت انتخابات 1965 أحرز فيها حزب الأمة 92 مقعداً والوطني الاتحادي63 مقعداً.

بفقدان الأغلبية النيابية في دورتين انتخابتين عقب الانشقاق أدرك الأزهري بحكمته وفطنته المعهودة ضرورة التئام الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي تحت رعاية مولانا السيد علي في الحزب الاتحادي الديمقراطي.

فور إعلان الحزب الموحد قال الزعيم الأزهري قولتة المشهورة (إن الحزب الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي قد قبرا اليوم وإلى الأبد) وبدأت مرة أخرى مسيرة الصعود للحركة الاتحادية لينال الحزب الاتحادي الديمقراطي 102 مقعداً نيابياً في انتخابات 1968 بينما نال حزب الأمة بجناحيه ( الهادي- الصادق ) 72 مقعداً.

تعرضت التجربة الديمقراطية الثانية لمؤامرة من الحزب الشيوعي أودت بها في انقلاب 1969 الذي استمر حتى اتنفاضة أبريل 1985.

استشهد الزعيم اسماعيل صانع الاستقلال وقائد التحرير في سجن كوبر على يد تحالف قوي الشعب الحاضنة السياسية لانقلاب مايو المكون من الحزب الشيوعي والقوميين العرب ( الناصري والبعثي ) شركاء قحت.

استشهد الزعيم الأزهري تاركا إرثا سياسيا مجيدا للاتحادين هو الحزب الاتحادي الديمقراطي بمكونيه، وثارا دفينا بين الاتحادين ورثته وبين تحالف اليسار الأممي -العربي قتلته.

سقطت حكومة مايو 1985و تصدع الحزب الاتحادي في التو حيث خرجت تيارات مناوئة لقيادة مولانا الميرغني والشريف زين العابدين أبرزها الحزب الوطني الاتحادي بزعامة المناضل الجسور علي محمود حسينن .

جرت انتخابات 1986 في ظل تشظٍّ اتحادي كبير غير أن جماهير الختمية اصطفت خلف السيد محمد عثمان الميرغني والشريف زين العابدين وأحرز الحزب الاتحادي 67 مقعداً بينما نال الحزب الأمة القومي 101 مقعد.

1989 دارت الدائرة على الديمقراطية الثالثة واستولى البشير على السلطة في انقلاب أبيض حيث هرب قادة الحكومة الديمقراطية بليل.

تصدى الحزب الاتحادي الديمقراطي للإنقاذ بزعامة مولانا الميرغني الذي قاد أكبر تجمع سياسي سوداني في تاريخ البلاد ضم كل أحزاب الشمال والجنوب و51 نقابة، القيادة الشرعية للقوات المسلحة والحركة الشعبية.

ظل السيد محمد عثمان الميرغني صامدا معارضا شرسا للإنقاذ حتى خذله حزب الأمة 1999 بتوقيع اتفاق جيبوتي مع الإنقاذ وعودة الإمام وقادة حزبه إلى السودان العام 2000 تبع ذلك اتفاق الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق حيث وقعت على نيفاشا وقاسمت السلطة مع الإنقاذ 2005.

تحت صغوط الحلفاء وخذلان الشركاء وقع الحزب الاتحادي الديمقراطي على اتفاقية القاهرة ملحق نيفاشا ضمن قوى التجمع الوطني الديمقراطي ( الشيوعي – البعثي – الناصري- قوات التحالف – مؤتمر البجا- القيادة الشرعية للجيش والشخصيات الوطنية) غير أن مولانا الميرغني ظل بالخارج رافضا العودة إلى السودان حتى سقوط الإنقاذ 11 ابريل 2019.

هذا السرد التاريخي يوضح بجلاء أن طائفة الختمية ليست دخيلة على الحركة الاتحادية بل أصيلة وراسخة وداعمة للحرب الاتحادي منذ تكوينه 1952، و وفرت له عمقًا جماهيرياً واسعاً مكنه من تحقيق استقلال البلاد وإحراز الأغلبية النيابية مرتين.

هذا السرد التاريخي يوضح أيضاً مع وجود الزعيم إسماعيل الأزهري في قمة الحزب كان صراع النخب مع طائفة الختمية وبالا على الحزب كما وضح في انتخابات 58، 65، 86 وكان التوافق مع الختمية انتصارا ساحقا للحزب كما وضح في انتخابات 53 و68.

واقع الحال، يقول لن ينهض الحزب الاتحادي الديمقراطي من الأشلاء دون الاعتصام بقاعدته الجماهيرية الصوفية المتمثلة في طائفة الختميه.

و الختمية طائفة دينية سياسية متجذرة في العمق الاجتماعي وممكنة في البعد الاقتصادي المالي وتحظى باعتراف دولي وإقليمي ولها قيادة مركزية واجتماعات راتبة كل مساء الخميس والأحد ودعوات تفتح لها أبواب السماء أشغلت الأعداء بأنفسهم .

ستلعب طائفة الختمية دورا محوريا في السياسية السودانية لسنوات طوال ولا مناص لمثقفي ونخب الحزب إلا السير على التحالف الذي أرسى قواعده الأزهري في العام 1952 وجدده في العام 1967 لو يريدون حزبا يساهم بفعالية في بناء الوطن واستدامة الديمقراطيه.

وحدة الصف الاتحادي ضرورية وطنية ملحة وعاجلة ذلك أن بعث الحزب الاتحادي الديمقراطي موحدا مؤسسيا على هدى رؤية وطنية ثاقبة يحقق :

* ايجاد بديل ديمقراطي يحرز الأغلبية ويحقق استقرار الحكم.

* تجفيف منابع الحركة الإسلامية في الوسط والشمال والشرق .

* امتصاص حدة الصراع بين العلمانية المعادية للدين والتدين المعادي للمدنية.

حشد الوسط المستنير حول شعارات ثورة ديسمبر المجيدة (حرية السلام وعدالة وإنهاء تحالف العسكر وقحت.

* إيقاف تمدد العرقيات والجهويات إلى مفاصل الدولة والمجتمع وبناء القومية النبيلة.

* تجديد العلاقات المصرية والعربية السودانية ببعد استراتيجي يحقق المصالح المشتركه.

* بناء نظام ديمقراطي راسخ مستدام ينهض بالدولة في كل المجالات.

*تحقيق سلام مستدام يرسي قواعد العدل ويحمي البلاد من شبح التفكيك والتشظي.

* إقامة اتحادي كنفدرالي مع دولة الجنوب استنادا على العلاقات الراسخة بين الحزب الاتحادي والقوي السياسية في دولة الجنوب.

العلاقة الوثيقة بين مستقبل الديمقراطية في بلادنا السودان ووحدة الحزب الاتحادي الديمقراطي، تحتم على الاتحاديين التوافق على تصالح حقيقي بين المكون الختمي الصوفي وبين الأحزاب الاتحادية في شراكة موضوعية قائمة علي:

* تحديد دقيق للأدوار.

*بناء مؤسسي ديمقراطي.

*تبادل سلمي دوري لسلطة الحزبِ.

* حكم المؤسسة.

* ديمقراطية التنظيم.

الطريق لوحدة الحزب الاتحادي يبدأ :

* الاعتراف بحق جميع الاتحاديين في الحزب وأنه ملك مشاع لجماهيرة وليس حكرا على فيصل.

*حق العودة مكفول للمبعدين والمبتعدين والخارجين من قدامى الاتحاديين طالما لم يتركبوا جرما يدين عليه القانون.

*حق الانتماء متاح لجميع السودانيين من من استفوا شروط العضوية.

* الترفع عن المزيدات والادعاءات وتوزيع صكوك الغفران.ِ

* الاعتراف بأن جميع الاتحاديين عارضوا نظام الإنقاذ حينا من الدهر بنسب متفاوتة.

* الإقرار بأن الاتحاديين شركاء الإنقاذ على اختلاف راياتهم شاركوا وفق اتفاقيات أحدثت تحولا نسيبا نحو التحول الديمقراطي وخففت وطأة الاستبداد.

* الإقرار بأن جميع قوى الحرية والتغيير من أحزاب وحركات شاركت الإنقاذ وعليه يسري على الاتحاديين ما يسري عليهم.

* الإقرار بأن الناس لا يحاسبون على خياراتهم السياسية والفكرية بل على أعمالهم التي تنافي القانون

* الاتفاق بأن لا إقصاء لأحد من الاتحاديين في مسيرة الوحدة خالا لمتورط في جرائم دماء، أموال وفساد.

*الإشادة بالموقف الوطني للتجمع الاتحادي الذي تصدى للمعارضة بجسارة في غياب كل رموز الحزب وحمل الراية باقتدار وحافظ على المكانة التاريخية للحزب الاتحادي الديمقراطي نصيرا قويا للتحول الديمقراطي.

* نعاتب التجمع الاتحادي على عدم استثمار الوهج الذي حققة إبان الثورة في حشد أوسع إرادة اتحادية لبعث الحزب من اأإشلاء وردة إلى منبعه الفكري ومعينه الاجتماعي.

الطريق إلى الوحدة :

1- تشكيل مجلس حكماء برئاسة مولانا السيد محمد سر الختم الميرغني وعضوية: ِ

شخصيات اتحادية لم تكن طرفا في الصراعات.ِ

مقبولة من كل الأطراف.

متجذرة في العمق الاجتماعي الاتحادي.

2- يؤكد مجلس الحكماء في بيان مقتضب حيادته إزاء خلافات الحزب، مقاصده النبيلة والضرورية الوطنية التي تحتم الوحدة.

3- يجتمع المجلس مع كل حزب اتحادي على حده ليقف على تصوره للوحدة.

4- يضع المجلس أسس وقواعد الوحدة المرتجاة بناء على نتائج لقاءاتة مع الأحزاب الاتحادية.ِ

5- يجتمع المجلس برؤساء الأحزاب الاتحادية لإجازة أسس وقواعد الوحدة.

6- يصدر بيان مشترك بتوقيعات رؤساء الأحزاب الاتحادية إيذانا ببدء مشروع الوحدة وفق الأسس والقواعد المتفق عليها.

7- بالاتفاق مع رؤساء الأحزاب يسمي المجلس شخصيات اتحادية محايدة مشرفين سياسيين على الولايات.

8- بالاتفاق بين رؤساء الأحزاب يختار المجلس لجنة مقتدرة للإشراف على قيام المؤتمرات القاعدية، الولايات، المحليات وصولا للمؤتمر العام .

8- يتم الاتفاق على تاريخ للمؤتمر العام.

9- تتم جدولة مؤتمرات الولايات.

10- يلتزم كل حزب من الأحزاب الاتحادية بالمساهمة في توفير مالية مؤتمرات الولايات والمؤتمر العام.

11- يتم التأكيد في بيان مشترك من الرؤساء الأحزاب على الالتزام الكامل بنتائج المؤتمرات والمؤتمر العام.

12 – يتم تأكيد:

حاكمية المؤسسة.

ديمقراطية التنظيم.

سلطة وارادة جماهير الحزب عبر المؤتمرات الراتبة.

جماعية القرار.

،، وعلى الله قصد السبيل،،

د. فقيري حمد
كندا- 28 مارس 2020

التعليقات مغلقة.