الاتحاد الأوروبي يبدأ الإثنين إجراءات التوقيع على اتفاق “بريكست”

9

يبدأ الاتحاد الأوروبي، الإثنين، إجراءات توقيع وتنفيذ الاتفاق التجاري الذي أبرمه مع لندن، الخميس، وعرضه كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه على الدول الأعضاء، الجمعة، بنسخته الإنجليزية فقط.

وقال دبلوماسي أوروبي لوكالة الصحافة الفرنسية، إن رد فعل سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على هذه النسخة غير النهائية من الاتفاق كان عادياً، مضيفاً “لم تكن هناك فرحة كبيرة، لأن الطلاق ليس خبراً ساراً”.

وأوضح الدبلوماسي أن “الاتفاق الواقع في 1200 صفحة سيخضع للتدقيق بحلول الإثنين لتحديد ما اذا كان ينطوي على مسائل خفية يمكن أن تثير مشاكل”.

ومن المقرر أن يجتمع السفراء مجدداً، الإثنين، لإطلاق إجراءات التوقيع على الاتفاق من قبل الدول الأعضاء تمهيداً للمصادقة عليه من قبل البرلمان الأوروبي.

ويتعين على الدول الأعضاء الموافقة على النص والتوقيع عليه، مساء الثلاثاء أو الأربعاء، كي يتسنى نشره في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي، الخميس، ما يتيح دخوله حيز التنفيذ في الدقيقة الأولى من فجر الجمعة في الأول من يناير (كانون الثاني) 2021.

كما ينبغي على الدول الأعضاء أن توافق على تطبيق الاتفاق بصورة مؤقتة لمدة شهرين بانتظار انتهاء عملية المصادقة عليه رسمياً.

وناقش السفراء خلال اجتماعهم، الجمعة، سبل التصدي للطريقة “العدوانية جداً” و”الشعبوية جداً” التي عرضت بموجبها الحكومة البريطانية اتفاق بريكست والاتفاق التجاري.

وقال الدبلوماسي إن “الاتحاد الأوروبي سيذكر بما يتضمنه الاتفاق وبالطريقة التي تم بموجبها الدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي ضد مخاطر المنافسة غير العادلة وبما يتيح الاتفاق ولا يتيح تجنبه لأن المملكة المتحدة تغادر السوق الموحدة والاتحاد الجمركي”.

لندن أمام تحديات بريكست

وبعد الارتياح الذي أثاره التوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي، يفترض أن يدخل حيز التنفيذ بعد أيام قليلة، تجد المملكة المتحدة نفسها أمام تحديات تمليها الحقبة الجديدة التي تقبل عليها كدولة خارج نطاق القواعد الأوروبية.

وتنتظر البريطانيين تغيرات كثيرة مع خروج المملكة المتحدة من السوق الأوروبية الموحدة، لكن الأسوأ جرى تجنبه بتوقيع هذا الاتفاق التاريخي في أعقاب مفاوضات أثارت جدلاً واسعاً، والذي من شأنه الحيلولة دون ظهور مفاجئ للحواجز التجارية المكلفة وإغلاق المياه البريطانية أمام الصيادين الأوروبيين.

في رسالة مصورة، رفع رئيس الوزراء بوريس جونسون أمام شجرة الميلاد في مقر رئاسة الوزراء في لندن مئات الصفحات التي تشكل الاتفاق وقدمها على أنها “هدية صغيرة” للعيد.

وقال رئيس الوزراء المحافظ الذي فاز في انتخابات قبل عام بناء على وعده بـ”تنفيذ بريكست”، إن “هذا اتفاق يوفر اليقين للشركات والمسافرين ولجميع المستثمرين في بلادنا اعتباراً من 1 يناير”.

وكانت المملكة مستمرة في تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي خلال فترة انتقالية بدأت مع خروجها رسمياً منه في 31 يناير.

انتصار لجونسون

ويشكل الاتفاق انتصاراً لبوريس جونسون الذي شهدت شعبيته تراجعاً على مدار العام بسبب إدارته المضطربة للأزمة الوباء الذي أسفر عن وفاة أكثر من 70 ألف شخص في المملكة المتحدة، بينما كان يستعد لإنهاء ملف بريكست.

ومع اصطفاف الآلاف من مركبات نقل البضائع والمخاوف من نقص المنتجات الطازجة، منح الاضطراب الناجم عن إغلاق حدود نحو 50 دولة في الأيام الأخيرة، بما في ذلك الموانئ الفرنسية والبلجيكية والهولندية، صورة عامة عما قد ينتظر البريطانيين في حال إخفاق مفاوضات بريكست مع بروكسل.

ويشكل الاتفاق، بالنسبة إلى صحيفة “التايمز”،  “مصدر ارتياح أكثر من كونه مصدر احتفال”. فعلى الرغم من أنه يعد “إنجازاً رائعاً”، فإن “الخاتمة لا تزال بعيدة لبوريس جونسون. فالآن بعد ما أوفى بوعده بتنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التحدي هو في إنجاح ذلك”، وفق الصحيفة.

وحذرت صحيفة “الغارديان” من أن “تجنب السيناريو الأسوأ هو إنجاز مثير للشفقة. السيد جونسون لا يستحق الثناء على تجنبه لكارثة كانت قريبة جداً لأنه كان يتجه نحوها بحماس”.

ويتيح الاتحاد الأوروبي من خلال الاتفاق التجاري لدولته العضو السابقة وصولاً استثنائياً من دون رسوم جمركية أو كوتا إلى سوقه الضخم الذي يحوي 450 مليون مستهلك.

شروط صارمة

غير أن هذا الانفتاح سيكون مصحوباً بشروط صارمة، إذ سيتعين على الشركات في الضفة الشمالية للمانش احترام عدد معين من القواعد الجديدة فيما يتعلق بالبيئة وقانون العمل والضرائب لتجنب أي إغراق للأسواق. ثمة أيضاً ضمانات على صعيد مساعدات الدولة.

وفيما يتعلق بالصيد، وهو موضوع ظل شائكاً حتى اللحظات الأخيرة، تنص الاتفاقية على فترة انتقالية تمتد إلى يونيو (حزيران) 2026، يكون الصيادون الأوروبيون قد تخلوا تدريجاً خلالها عن 25 في المئة من محاصيلهم.

ولم يخف ممثلون للصيادين الأوروبيين عن إحباطهم من التسوية، لكن مدير اللجنة الوطنية للصيادين البحريين الفرنسيين جان-لوك هال يوفر رأى أن الاتفاق على الرغم من كل شيء “ارتياح لأن خطر عدم التوصل إلى صفقة كان كبيراً، وكان سيمثل كارثة على الصيادين الفرنسيين”.

من الجانب البريطاني، يوجد شعور بـ”الإحباط والغضب”، كما أكد مدير اتحاد الصيادين باري ديس لوكالة “بي آي”، معتبراً أن “بوريس جونسون أراد اتفاقاً تجارياً شاملاً وكان مستعداً للتضحية بالصيد”.

وقال دبلوماسي أوروبي “لا يجب إساءة تقدير حجم الصدمة الاقتصادية التي ستتعرض لها المملكة المتحدة”. وأضاف أنه بالنسبة للقطاع المالي، المهم جداً للاقتصاد البريطاني، “فالواقع سيكون على المدى المنظور، اتباع قواعد الاتحاد الأوروبي أو العزلة”.

على الرغم من ذلك، فإن الاتفاق لا يمنع إدخال ضوابط جمركية وإجراءات إدارية تستغرق وقتاً طويلاً بالنسبة إلى الشركات المعتادة على التعاملات السريعة.

وصارت من الماضي الحركة الحرة التي تسمح للأوروبيين بالمجيء للعمل في لندن أو للبريطانيين لقضاء الوقت الذي يريدون في الاتحاد الأوروبي. كما تغادر لندن بفعل الاتفاق برنامج التبادل الجامعي “إيراسموس” ليحل مكانه برنامج آلان تورنغ، على اسم عالم الرياضيات البريطاني الشهير.

وتعهد جونسون بمستقبل مشرق للبريطانيين تتيحه إمكانية عقد اتفاقات مع القوى الكبرى بحرية بعيداً عن الاتحاد الأوروبي.

وحتى الآن لم تبرم بريطانيا سوى اتفاقين مع سنغافورة واليابان، ولا يزال تحقيق تلك الرؤية بعيد المنال، لا سيما مع عدم إبرام الاتفاق التجاري الواسع مع الولايات المتحدة الذي تعهد به دونالد ترمب. واعتبر الدبلوماسي أن تنفيذ الاتفاق سيشكل “اختبار ثقة” تضعضعت بعد أشهر طويلة وصعبة من المفاوضات.

وكالات

التعليقات مغلقة.