الاحتفال باليوم التذكاري وعيد الفطر.. عفواً سيدي الإمام فقد فاتك القطار

5

blank

صلاح إدريس
صلاح إدريس
لا أدري هل ما تم هو مصادفة ”رغم يقيني أن كل ما يحدث في الكون هو من تدبير العلي العظيم”. أم هي واحدة من تصاريف القدر أن يحتفل المسلمون بعيد الفطر المبارك ويحتفل الشعب الأمريكي باليوم التذكاري ”موتى الحروب” في نفس التوقيت. وأن يصادف الاحتفال جو من الحزن والموت والفراق… بسبب الكورونا التي حولت الاحتفال إلى مواكب من الحزن.
الفرق الوحيد هو رفض الشعب الأمريكي البقاء في البيوت. لماذا لأن اليوم هو يوم استثنائي في الذاكرة التاريخية الأمريكية. ويرتبط بذكريات خالدة قام بها أبطال في مخيلة التاريخ والحروب والعسكرية، ولكن هذا العام لا يمكن لهم ممارسة نفس الطقوس، وهي الخروج والاحتفال بهذا اليوم الفريد في الهواء الطلق وهي الميادين العامة الحدائق الخضرء الشواطئ ذات المياه الدافئة. السبب هو ” الحظر المنزلي” بسبب الكوفيد-19. ولا يمكن التحايل على القانون ومن يفعل يتعرض لعقوبة قد تكون رادعة. جاء الحل من شابة أمريكية مهاجرة” من أصول روسية”. ماذا فعلت تحدت السلطات عدة مرات وقامت بمظاهرة أمام رئاسة البلدية وقامت الشرطة وفق القانون باعتقالها مرتين. عندما يئست من الحلول “السياسية” لجأت للحلول القانونية. رفعت قضية للمحكمة العليا طلبت فيها بالسماح للجمهور بالخروج واستندت في الدعوى القانونية على الدستور. سمع السيد اندرو كوامو حاكم ولاية نيويورك وخاف الحاكم من ” الجرجرة” في المحاكم وربما الهزيمة القانونية ” رغم أن الحاكم أساسا رجل قانون” وسحب الأمر السياسي وسمح للكل بالاحتفال في الهواء الطلق. ربما لا يتفق الكثيرون مع ما ذهبت إليه هذه الفتاة. وذلك من الخوف أن يؤدي هذا القرار إلى المزيد من الوفيات التي وصلت إلى نح  25000 في ولاية نيويورك ونحو 100000 في أمريكا. ولكن ما أعجبني وأعجب الكثيرين غيري هو شجاعة الفتاة وإصرارها على التمسك برأيها بل وأخذ هذا “التمسك” للقضاء بل والانتصار لهذا الرأي وإجبار الحاكم على التنازل. وكأني أتذكر قول سيدنا عمر ابن الخطاب عندما قال قولته الشهيرة ”أخطأ عمر واصابت امرأة”. عندما وقفت ضدها السياسة وجندت لها “الشرطة” لم تخاف من الاثنين. بل ولجأت للسلطات القانونية “الأعلى” وأخضعت كل من السياسة والشرطة لحكم القانون. الملاحظة ” المهمة” أن القانون لم يصدر قرار لصالحها بعد. ولكن عندما رأي الحاكم أن القانون يقوده إلى “جرجرة” هو في غنى عنها اضطر لسحب القرار السياسي علي الفور. لم تمر الحادثة مرور الكرام علي الصحافة تصدرت صورة الفتاة الصحف اليومية يوم امس. موقف الفتاة كان دعوة للفخر والنصر من ”المستضعفين” في زمن الخوف والحزن والهزيمة وضياع الثقة في النظام السياسي والاقتصادي الذي انهار وتصدع في شهرين ليس من قبل جيش عرمرم ولكن من فيروس لا يرى حتى بالعين المجردة. لا يفوت عليكم عظمة الخالق. هنا لا أدعو القارئ إلى النظر بعين فاحصة إلى مكونات دولة يسود فيها حكم القانون. هذا جدل نظري نتركه لعلماء السياسة والقانون. ولكن أدعو القارئ الكريم إلى دقة الفصل بين السلطات الثلاث ” رغم أن ترمب عبث بها مؤخرا” وهي الأولى التنفيذية “حاكم الولاية”، الثانية القانونية ”القضاء -المحاكم” الثالثة التشريعية ”البرلمان- التشريعات الخاصة” استندت الفتاة على فقرة دستورية لرفع دعوتها. والاهم منها هو لا يحدث هذا إلا في وجود نظام مدني ديمقراطي متطور يطور نفسه كل يوم بما يسمى chech and balance ” افحص واوزن. نظام راسخ ومتمكن ومتغلغل في مختلف أجهزة الدولة.
أعود إلى ما بدأت به وهو تزامن العيد مع اليوم التذكاري memorial day.وكيف قاد ماوقامت به هذه الفتاة إلى بعض ”البراح” في فرحة المسلمين بالعيد” رغم غياب الصلاة وهي ركن أصيل من هذه الفرحة” في الخروج والاحتفال بالعيد في الهواء الطلق وخاصة الأطفال في الاستمتاع باللهو والجري في الفضاءات الواسعة. ومن ناحية أخرى خروج المارد الأمريكي من “القمقم”. ولكن ما هي الرسالة التي اود أن اوجهها إلى الشعب من هذا ”الرغي” . الرسالة اننا كشعب يجب أن نتعلم أن من هذه البنت ”الفالحة” أن خيار الديمقراطية وليست ”العلمانية” والتضحية من أجل بناء الدولة المدنية ومؤسساتها خيار لا رجعة فيه. وعندما أتحدث عن هذه المؤسسات اعني مؤسسات سياسية ”أحزاب مؤسسية قائمة علي اسس ديمقراطية متينة وليست طائفية هشة يتحكم فيها ” الإمام”. والقانونية “قضاء نزيه مستقل منفصل عن الدوائر السياسية” تشريعية “برلمان منتخب يسن القوانين التي تحمي وتضمن حقوق الشعوب”.هذا هو الخيار الذي نريد أن نراه ولكنه يحتاج إلى تضحيات جسام. وعمل بطولي ديمومي من قبل كل فرد من أفراد شعبنا العظيم. حتى لا تكرر تجربة حكم البشير وصحبه تلك التجربة المريرة والمظلمة في تاريخ الشعب السوداني التي انتهت بفصل الجنوب ولكنها لم تقف عليه. هذا الشعب العظيم الذي خرج من الدمازين وعطبرة ونيالا والفاشر في يوم الثالث عشر من العام الماضي وأسقط البشير وصحبه ورماهم في البحر ونادى بملء فيه سلام حرية عدالة. وضحى في سبيل هذه الأهداف بشباب في ريعان الصبا وهبوا حياتهم رخيصة من أجل يعيش غيرهم في فضاء الحرية وسماء الديمقراطية هو السبيل الأوحد لبناء الإمم وتحرير الشعوب. وحتي ولو نادي قوم تبع مثل ” الإمام” بالعودة إلى عهود التيه والظلام والبكاء علي اطلال الدين والقيم وشجب العلمانية واليسارية التي تحالف يوما معها من أجل السلطة وتنصل منه بل تصدى لها.
يحاربها من أجل دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر اليه. ونؤكد للإمام لابد من صنعاء وإن طال السفر اما دموع التماسيح التي سكبتها والتي تريد بها إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء تحت غطاء الدين ”ديننا ليس للبيع” فهي مهما أهرقت فلن تخدع هذا الشعب الأبي الذي قام بثلاث ثورات عظيمة أذهلت العالم. وليعلم سيدي “الإمام” أن تلك الدموع التي لا لون لها ولا طعم ولا رائحة لن تزيد هذا الشعب إلا إصرارا على بناء الدولة المدنية التي لا ولن تكون أنت وأنصارك أحد عرابيها أو بُناتها فقد تجاوزك التاريخ وضحكت عليك الأمم وصرخوا في وجهك صغر وكبار الأنصار في الفاشر ونيالا . سيدي الإمام اجمع أوراقك البالية وجبتك العتيقة وارحل .فقد تجاوزك التاريخ وعفا عليك الدهر بعد أكل منك وشرب.
عفواً سيدي الإمام فقد فاتك القطار

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!