الاستقطاب السياسي وفرض الخيارات

7

زين العابدين صالح عبد الرحمن
كان الاعتقاد أن العقود الثلاثة لحكم الإنقاذ الشمولي، والتي مارست فيها أنواع شتى لانتهاكات الحقوق، وسيطر فيها حزب بمفرده على مقاليد السلطة والثروة يتصرف فيها كيف ما يشاء دون محاسبة ورقابة، سوف تكون تجربة مفيدة للقوى السياسية، وخاصة قبيلتي المثقفين والمفكرين، أن يقدموا البديل المفيد، وأن يرموا بخلافاتهم السياسية مؤقتا وراء ظهرهم، ويفكروا جميعا بجدية لنجاح الفترة الانتقالية التي تهدف لوضع البنات الأساسية لتشيد النظام ديمقراطي الراسخ، الذي يجد الاحترام من قبل الجميع، وكان عليهم العمل سويا من أجل إنتاج الثقافة البديلة للثقافة الشمولية التي خلفها نظام الإنقاذ. لكن للأسف أن هؤلاء كانوا جزءا من حالة الاستقطاب السياسي والانحياز السياسي، الأمر الذي أدي لحالة التوتر التي تسود الساحة السياسية، غابت الحكمة وظهرت العصبية الحزبية بكل سوءاتها وتفرض ذاتها على الساحة السياسية.
في هذا المقال؛ سوف أتناول قضيتين مهمتين تفرضا شروطيهما على الساحة السياسية، الأولى الاستقطاب السياسي من خلال المبادرات السياسية، والثاني الاستقطاب السياسي وسط الكتاب والمثقفين وحتى وسائل الإعلام. هذا الاستقطاب الذي يأخذ منحنيات مختلفة سوف يضر بالفترة الانتقالية، وأيضا سوف يشكل تحديات لعملية التحول الديمقراطي.
عندما قدم الصادق المهدي مبادرته لقوى الحرية والتغيير ” غض النظر إذا كانت المبادرة جيدة أو مضرة للعمل السياسي التحالفي” كان المتوقع؛ أن تعقد قوى الحرية والتغيير اجتماعا، وتخضع مبادرة المهدي للنقاش، وترد عليه كتابة، لكنها لم تفعل…! لماذا؟ لأن كل قوى الحرية والتغيير تعلم أن هناك خلافات عميقة داخل التحالف، وأي نقاش سوف يصعد من عملية الاستقطاب الحاد، سوف يؤدي إلى إنهيار التحالف. لذلك فضلت قحت أن تلتقي بعض القيادات بالمهدي، وتحاوره، وتجعله يسحب التهديد بالتجميد، ويدخل في حوار داخل أروقة تحالف قحت بهدف الإصلاح. ولم يرفض المهدي ذلك مادام هناك اعترف من قبل الجميع بأن المبادرة تحمل قضايا متفق عليها من حيث المبدأ.
مبادرة المهدي تتضمن ثلاث نقاط أساسية، يعتقد المهدي الاتفاق عليها سوف يؤدي إلى نجاح الفترة الانتقالية والتوافق الوطني المطلوب للاتفاق على أهم الخطوط العريضة للدستور القادم، والاستقرار السياسي الذي يعتبر الركيزة الأساسية للتنمية وجذب أموال الاستثمار. الأولي العقد الاجتماعي، ويعتقد المهدي أن كل التحالفات القائمة سياسية وغيرها تعاني من ضعف بأئن، ومحاولات للسيطرة عليها من قبل عمل استقطابي ظاهر للعيان، وحل ذلك؛ يتمثل في توسيع الحاضنة السياسية للفترة الانتقالية، لضم كل الذين شاركوا في الثورة ولم يشاركوا في النظام، والذين شاركوا في السلطة يتم أنضمامهم بعد تقديم اعتذار للشعب وإجراء مراجعة فكرية تجعلهم يقبلون بالديمقراطية التعددية، يعتقد المهدي أن توسيع الحاضنة الاجتماعية تمثل قاعدة اجتماعية عريضة، تشكل سندا قويا للديمقراطية. الثاني أن التوافق سوف يساعد على إتمام عملية السلام في البلاد ومنع العنف، الأمر الذي يساعد سلطة الفترة الانتقالية في انجاز مهامها، ويساعد على إكمال هياكل الفترة الانتقالية لكي تؤدي مهامها بالصورة الفاعلة، ويشارك فيها طيف واسع من القوى السياسية على مختلف تياراتهم الفكرية. الثالثة أن وحدة القوى السياسية سوف تمنع التدخلات الخارجية في الساحة السياسية، وفي نفس الوقت تساعد على جذب أموال الاستثمار وتقديم المساعدات من قبل المنظمات والدول، وأن مؤسسات الفتر الانتقالية سوف تعمل بتناغم كامل.
قدم المهدي مبادرته لكل القوى السياسية داخل قوى الحرية والتغيير وخارج دائرة قوى الحرية والتغيير، وأيضا التقي فيها مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وقد وافقت القوى السياسية خارج قوى الحرية والتغيير على الخطوة، وأيضا أبدى كل من رئيس مجلس السيادة والوزراء ارتياحهم لها، وبقيت أن تبدي قوى الحرية والتغيير رؤيتها في المبادرة. ولكن الخلاف داخل قحت هو الذي يقف حائلا على اتفاق على رؤية واحدة للرد على المبادرة. كان المتوقع أيضا أن يقرأ أهل الفكر والمثقفين المبادرة وتقديم رؤاهم فيها، لكن الذي حدث أن القوم تركوا المبادرة وتناولوا شخصية المهدي بالنقد، وهذه إشكالية مثقفي الأيديولوجية الذين يفتقدون للثقافة الديمقراطية، وهذه تذكرني بمقولة كان يقولها التجاني الطيب عليه الرحمة الذي كان قياديا في الحزب الشيوعي “أهدم عبد الخالق محجوب تهدم الحزب الشيوعي” والأن أهدم الصادق المهدي وأخرس صوته سوف يعبد طريق السلطة كاملا للإخوة الرفاق. لكن عندما تحاول قوى سياسية أن تمكن عضويتها في الخدمة المدنية أو تسيس العمل النقابي “هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا” فالسكوت أما أن يكون خوفا أو قبولا على الممارسة. ليس كل ما يقدمه الصادق المهدي يمكن أن يكون صالحا لعملية التحول الديمقراطي لكن يجب أن نتعامل معه بوعي، وفق ما يفرضه الإجراء الديمقراطي، وأن لا نترك المبادرة وما تحتويه، ونقبض على خناق المهدي، ولكي نوسع من دائرة الاستقطاب المضاد، ومن أهم فضائل الحرية واتساع مواعين الديمقراطية، إنها تكشف الثقافات المضادة لها التي يختذنها البعض بسبب مرجعيات مخالفة لها.
في الجانب الأخر؛ يتحرك الحزب الشيوعي بكوادره الأكاديمية، وخاصة في جامعة الخرطوم، بأن تتبنى الجامعة مؤتمرا سياسيا الهدف منه، أن تقدم مبادرة سياسية، تهدف منها أيضا عملا استقطابيا، يهدف إلى أن تؤجل عملية توسيع قاعدة المشاركة للقوى خارج دائرة قوى الحرية والتغيير لما بعد الفترة الانتقالية، وهؤلاء التقوا بقيادات إسلامية، وكنت من قبل أطلقت عليها لقاءات الغرف المغلقة، ومبادرة الأكاديميين تؤكد على الإسراع بعملية اكتمال هياكل السلطة لأنها سوف تساعد على رقابة الحكومة. وهذا الذي جعل الحزب الشيوعي يسعى لكي يسيطر على “تجمع المهنيين” بانتخابات شكك فيها العديد حتى من قبل حلفاء الشيوعيين. بهدف أن يلعب التجمع دورا في مناورات الحزب السياسية. وفي ذلك قال حزب البعث في بيان له ” أن ما جرى في تجمع المهنيين خطوة للوراء لا تخدم المرحلة ومهامها، وتصرف التجمع عن مهمته في بناء أطر نقابية ومهنية معبرة عن إرادة قواعدهاو بتمثيل نقابي ديمقراطي بعيدا عن التجيير السياسي والصراع الأيديولوجي” رغم أن ” تجمع المهنيين” التفت حوله الجماهير لأنه كان يعبر عن كل ألوان الطيف السياسي. لكن الزملاء كانت لهم رؤية أخرى كيف يسيطرون على هذا التحالف وتوظيفه لأجندتهم، والغريب ظهر ذلك بسرعة عندما صرحت السكرتارية الجديدة للتجمع ” تأييدهم لفصل الدين عن الدولة” وهي قضية مختلف عليها ومن صميم المؤتمر الدستوري لكي تتوافق عليها كل القوى السياسية. هذا الذي جعل الأصم يكتب تغريدته التي قال فيها “طبيعة التجمع التحالفية وتنوع عضويته من المشارب والجهات المختلفة تحول بينه وبين قدرته على اتخاذ أي موقف إيديولوجي، فهو تحالف بني ميثاقه على القضايا النقابية في المقام الأول” وأضاف الأصم قائلا “هذا التأييد لا يعبر عن تجمع المهنيين كتحالف، كما إنه يعارض المتفق عليه داخل مواثيق ولوائح التجمع ، ومن غير المعقول أن يقفز التجمع على أولوياته المتمثلة في بناء النقابات والمساهمة في تنظيم وتقوية المجتمع المدني ، وأن خطوة تأييد “فصل الدين عن الدولة “المتخذة بهذا الشكل من السطحية يحولها لحرب شعارات وتحشيد واصطفاف مضاد، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى الوحدة والاتفاق.” لكن الغريب في الأمر سكتت نخبة الثقافة الماركسية عن نقد هذه الممارسة، والتي تعلو من شأن الاستقطاب، وتؤثر سلبا على العمل التحالفي، وكان المتوقع أن يتفق الجميع على ابتعاد العمل النقابي عن الممارسة السياسية في النظام الديمقراطي، حتى تصبح النقابات قاعدة عريضة لكل ألوان الطيف السياسي، وتخدم عضويتها بالبحث عن فرص التدريب لها، ورفع كفاءتها، وخلق بيئة صالحة للعمل، وانتزاع حقوقها من المخدم إذا كانت الدولة أو غيرها، كيف نستطيع أن نخرج الزملاء والنخب التابعة لهم من دائرة المصالح الحزبية الضيقة إلى دائرة الوطن.
عندما الثورة تعبيرا عن قطاع واسع من الشعب لذلك كان لها شعاران، الأول “سلمية سلمية” الذي جذب قطاع واسع من الجماهير ووجد أحتراما كبيرا في العالم، الأمر الذي شكل ضغطا قويا على النظام وانتصر الشعار وسقط النظام الشمولي. الثاني “حرية سلام وعدالة” وأيضا شعارا متفق عليه التفت حوله الجماهير وهو الذي يرسم ملامح الدولة التي يرغب فيها الجميع وتؤدي إلى السلام والاستقرار الاجتماعي، وتجسد ذلك واقعيا في ساحة الاعتصام التي أبرزت قيما فاضلة للمجتمع، بل ساعدت الشباب على تفجير طاقاتهم الإبداعية في الموسيقي والشعر والخطابة والدراما وفن التشكيل بكل أنواعه، كان واقعا يجسد الشعار تجسيدا حيا بعيدا عن الحزبية والعنصرية والمناطقية. أما بقية الشعارات الأخرى جميعها شعارات ناتجة من قوى سياسية، كل يحاول أن يحمل الجماهير حمولاتهم الحزبية. لذلك تجد بعض القوى، عندما تصدر بيانات تقول هذا ما يريده الشارع. كلا ليس ما يريده الشارع بل ما تريده القوى السياسية ” الحزبية” وكل ذلك لا يخدم عملية التحول الديمقراطي. نسأل الله حسن البصيرة لنا ولهم.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!