الاضطهاد الدّيني في السّودان والمفوضيّة المُستقلّة للحُريات الدّينية

2

أحمد يعقوب

لم يكن الدّين في تاريخ المُجتمعات الإنسانية منذ فجر التّاريخ مشكلة في حد ذاته، بل كان حلاً للكثير من مشاكل الإنسانية في التاريخ، بما يقدمه من إجابات حاسمه وقاطعة لمسألة المبدأ والمعاد وبما يشكله من أرضية للمبادئ الأخلاقية.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تظهر قناعة ما داخل مجموعة من المُتدينين بدينٍ محدد أو طائفة محددة، بأن ما يعتقدون فيه يمثل الدّين الصحيح، وبالتّالي يمثل الله، وما يعتقد فيه الآخرون يمثل ضلالاً. ومن الجلي أن تطبيق مثل هذه القناعات على الدّولة لا تكون نتيجته إلا القهر والاضطهاد الديني للذين لا يتفقون معها أو يعتنقون أدياناً غير ما ارتضته الدولة. ويشهد على ذلك مايعانيه المسيحيون السّودانيون وأولئك الذين يعتنقون الدّيانات الإفريقية.

إن ميل المجتمعات أو المجموعات داخل المجتمع إلى عزل أو كبت الثقافات الفرعية المختلفة هو موضوع متكرر في تاريخ البشرية. علاوة على ذلك، لأن دين الفرد يحدد في كثير من الأحيان أخلاقه، نظرته للعالم، صورته الذاتية، مواقفه تجاه الآخرين، والهوية الشخصية العامة، ويمكن للاختلافات الدينية أن تكون عوامل ثقافية وشخصية واجتماعية هامة.

قد يتم إثارة الاضطهاد الديني بسبب التعصب الديني (أي تشويه أعضاء مجموعة دينية مهيمنة للأديان الأخرى) أو أن يتم من قبل الدولة وهو ماحدث ويحدث في البلاد طوال تاريخها الحديث عندما تنظر إلى جماعة دينية معينة كتهديد لمصالحها أو أمنها. على المستوى الاجتماعي، فإن نزع انسانية جماعة دينية معينة سرعان ما يتحول إلى عنف أو أي شكل آخر من أشكال الاضطهاد. في الواقع، أدى الاضطهاد الديني في العديد من البلدان إلى الكثير من العنف حتى أعتبر مشكلة حقوق انسان (راجع موقع المعرفة).

عانى السودانيون؛ الذين يعتنقون الديانات الإفريقية والديانة المسيحية؛ من الاضطهاد الديني والعنصرية الدينية، حدث ذلك في ظل التعقيدات بسبب التقسيم الخطي للسودانيين إلى (أفارقة / وعرب) ومن ثم انحياز الحكومات المتعاقبة علي الحكم في السودان بعد خروج المستعمر إلى العروبة لذلك فشلت كل المحاولات في إيجاد هوية مشتركة تجمع القوميات السودانية المختلفة عرقيا وثقافيا وأثنيا ودينياً. معاناة هؤلاء لم تقتصر على التهميش المركب سواء كان في الوظائف العليا بالدولة أو بسبب إنتمائهم لعرقيات حاربتها الدولة بل تعدى الأمر إلى سياسة الاعتقالات والتشريد ومصادرة دور العبادة خاصة مع المسيحيين ومنع كل الأنشطة التي تُقام في سياق الديانة المسيحية من أعياد وجمعيات الكتاب المقدّس واحتفالات … الخ .

مُورس التّمييز والاضطهاد على المواطنين السودانيين على أسس الدين والعرق، وبالتالي كان خطاب “الدغمسة” الشهير بالقضارف اللبنة الأخيرة فيماعرف بالمشروع الحضاري الذي انهار تحت وطأة ثورة ديسمبر المجيدة. مشروع التّهميش الذي لحق بالكيانات الغير معتنقة للإسلام كان شاملاً كل النواحي ( اقتصادية وثقافية واجتماعية..الخ).

في الجولة التّفاوضية الأخيرة؛ نُوقش ملف الاضطهاد الدّيني والحُريات الدّينية وممارستها – حدث ذلك لأن المنطقتين تعرضتا عبر الحروب الطويلة إلى عملية ” تنزيح ثقافي ” كبير وكانت الحرب التي تم خوضها في السّنوات الأولى بالذات حرباً دينية وفق مفهوم ( الجهاد) فقد هُدمت الكنائس في جبال النوبة وجزء من النيل الأزرق؛ وتعرّض سُّكان هذه المناطق إلى موجات من الأسلمة والتّعريب قامت بها الحكومة بمعاونة المنظّمات الإسلامية وهو ماحدث لجنوب السودان المستقل الان.
ولم يقع الاضطهاد الديني على مسيحيي المنطقتين فقط بل على كل المواطنين السّودانيين مثل النوبيين والأقباط الذين نالهم هذا الاضطهاد مما اضطرهم الى الانعزال في ( غيتوهات).

أفضت الجولة بالاتفاق بين حكومة السودان الانتقالية والحركة الشّعبية لتحرير السودان- شمال على إنشاء “مفوضية مُستقلة للحريّات الدّينية” وذلك بسبب الانتهاكات المُستمرة التي وقعت ضد المسيحين السّودانيين وأصحاب الدّيانات الإفريقية؛ حيث تتاح لهذه المفوضية مراقبة ومتابعة الحريات الدينية ورصد كل مايقع وبالتالي الاحتكام الى المواطنة كأساس؛ للحقوق والواجبات ولا يخفى على أولئك المعنيين بتاريخ مسار التقدم الإنساني، والذي هو في جوهره مسار تحرري، أن الحريات الدينية التي تبدأ من تحرير الضمير، لتصل إلى تحرير التعبير، مرورا بتحرير التفكير؛ هي جَذرْ الحُريات الإنسانية كافة، وأنه لا حرية؛ من أي نوع، يمكن لها أن تسبق هذه الحريات الدينية التي تفتح نوافذ الضمير على آفاق التسامح مع المختلف، حتى في أشد مكونات الضمير خصوصية وحرجا. ما يعني أن إقرارها وتأكيدها كحريات مقدسة؛ في المستوى الثقافي؛ كما في المستوى القانوني، الذي من شأنه أن يشرعن ثقافيا وقانونيا للتسامح مع صور الاختلاف/ المُغايَرة الأخرى .

ويرى أنطوني جيل في بحثه المُطوّل عن الحرية الدّينية وعلاقتها بالمسارات السّياسية، أن الأديان المُهيمنة تفضّل وجود مستويات أعلى من القانون الحكومي المقيد للحريات الدينية، بينما تميل الأقليات إلى تفضيل وجود قوانين تمنح حرية أكبر للممارسات الدينية؛ لأنها هي المستفيد الأول من هذه الحرية .

قد يقول قائل ان إنشاء ” مفوضية مستقلة للحريات الدينية ” يُفهم منه على أنه تمييز لمعتنقي الدّيانات الإفريقية والمسيحية ولايعالج المشكلة من جذورها طالما لم / لن تُضمّن الدّولة في دستورها المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، إذ الدولة وحدها من يحتكر السلطة والعنف وبالتالي شرعنة كل ما يتماشى والسلطة؛ واذا ظل النص الاساسي الذي يقول “بإسلامية الدولة” قائماً وبالتالي بدل أن تكون مفوضية الحريات الدّينية مفتاحاً لحل الأزمة ستُساهم في اتّساع الهوة والفجوة بين المجتمعات السودانية المتعددة عرقيا وثقافياً ، الأمر الذي يُعقّد المسألة أكثر مما يفتح فرص لحلها.

هذه المخاوف صحيحية نوعاً ما وتنتهي بأن تعامل الدولة كل الأديان والأعراق والثّقافات على قدم المساواة وفق التساوي في المواطنة. مفهوم المواطنة وجعله القاعدة الرئيسية للحقوق والواجبات في مجتمع كالسودان؛ لا يقل أهمية عن موضوعات عدة مثل الحرية، والمساواة، والديمقراطية، والحريات الفردية، والعدالة، بل يشكل مفهوم المواطنة قاعدة إنطلاق حقيقية لفهم وممارسة تلك الموضوعات خاصة في مجتمعات تحتضن ثقافات وأديان ومحددات إثنية متعددة وذاكرة تاريخية ومنظومات قيم وعادات ومسالك متنوعة.

وبعد قيام الدولة الحديثة تنامي التناظر بين علماء الإجتماع والسياسة حول إمكانية تحقيق المواطنة الكاملة في مجتمعات متعددة ناظرين إلى سياقات تاريخية محددة كان فيها المسعى الحثيث من قبل الدولة الحديثة هو خلق التيار العام main stream حتي تتمكن من تقليص الفواصل والاختلافات بين مجتمعات متعددة يراد إيصالها إلى درجة من الوحدة الداخلية والانسجام تعزيزاً لقواعد الاستقرار السياسي. فكان التحدي هو كيفية خلق هوية عليا تمثل التعدد أو تلغيه.

هذا المدخل ربما يساعدنا في الدخول إلى تحقيق وإنجازموضوع المواطنة في مجتمع تعددي كالسودان. لأن كل المحاولات التي قامت بها الدولة السودانية من أجل خلق (الهوية العليا) مقابل هويات فرعية باءت بالفشل والسبب هو فرض الهوية (العربية الإسلامية) علي الدولة مما قاد الآخرين؛ الذين لم تمثلهم تلك الهوية، إلى مقاومتها لعدم قدرتها على التّعويض عن مكتسبات الهويات الفرعية، مما قاد المركزية الإسلاموعربية في السودان إلى استخدام عدد من الأساليب لتعزيز مبدأ المواطنة وفقاً للهوية (العربية الإسلامية).

وأخيراً فإننا يجب أن لانُقلل من التّغييرات التي أحدثتها ثورة ديسمبر المجيدة وذلك ليس لأنها هزمت نظاماً دينياً وشمولياً فقط؛ بل لأنّ الثورة هذه؛ مفتاح لحل التّعقيدات التي أوصلتنا اليها النّخب التي حكمت الدولة، ومع أن الفرصة مواتية الآن لبناء مشروع وطني ودستور دائم قائم على أساس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات فان إستكمال مهام الفترة الانتقالية وتطوير رؤية مشتركة بين كافة القوى السّياسية المسلّحة والمدنية للخروج بالبلاد إلى بر آمن وتجنيب الدولة الانزلاق نحو هاوية الانهيار يجب ان يبدأ؛ بتحقيق السّلام وإنهاء الحروب كلياً في البلاد.

إننا ندعو لقيام دولة مؤسسات وفق ديمقراطية تعددية تستند أساساً على واقع التّعدد الثقافي وتنوعه وهي احدى أسس مشروع السّودان الجديد، على أن يبدأ هذا المشروع بالخطوات التنفيذية لإيقاف سياسة الأحادية الثقافية التي تمارسها مؤسسة الدولة في السودان منذ الإستقلال مرورا بجميع الأنظمة والحكومات. إن هذا التيار الأيديولوجي يستند في تأسيساته على أن مؤسسة الدولة مسئولة عن تحريك ماكينة القهر والاضطهاد الثقافي والدّيني جرّاء عدم إعترافها بمسؤولياتها تجاه الثّقافات والأديان غير العربية في السودان. إن هذا الأمر يقتضي مراجعة التعليم لغة ومضمونا، كذلك النشاط الثقافي والفكري، فضلا عن الإعلام، وما يتبع كل ذلك من سياسات إقتصادية وقومية وثورة ديسمبر المجيدة هي الآلية لتحقيق ذلك.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!