التجمع الاتحادي.. حادث اختطاف معلن

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أحجار على رقعة الشطرنج
(حكايات) تقتحم متاهة الاتحاديين _ الحلقة الثالثة
محمد المبروك*
“انفراد مجموعة محدودة داخل التجمع الاتحادي بالقرار، دفع المجموعات الأخرى للابتعاد مما أدى إلى تَقَزُم التجمع وأصبح طارداً لمعظم الكوادر الاتحادية وكانت النتائج العاجلة، بالضرورة، ضعف وارتباك موقف الاتحاديين داخل تحالف الحرية والتغيير وغياب شبه تام عن مجريات تشكيل المرحلة الانتقالية.”

بلغني أيها القارئ السعيد، أنّ التجمع الاتحادي الذي خاض به الأشقاء غمار الثورة وهِنَ وضعفَ أثره في مرحلة ما بعد 11 أبريل، وهذا زعمُ أشار إليه عدد من كتاب الرأي صراحة أو ضمناً. أضاع التجمع فرصة تاريخية لعودة قوية لحزب الحركة الوطنية الكبير الذي أنهكت مفاصله سنوات الإنقاذ الطويلة. كانت تلك سانحة لا تُعَوَض أضاعها الاتحاديون بسهولة. لقد أبرزت الثورة قيادات اتحادية مشهود لها بالوطنية وسطع نجمهم وسط الجماهير. كان يمكن لهؤلاء القادة حل معضلة “القيادة داخل الحزب الاتحادي” وهذه أزمة تعتبر، بحسب عادل إبراهيم حمد، حجر أساس فيما يعانيه الحزب الاتحادي من انشقاقات وفشل، فمنذ رحيل الشريف حسين الهندي، مطلع الثمانينيات، عانى الحزب من غياب القادة الكبار الذين تُجمع عليهم جماهير الاتحاديين. كان يمكن لنجوم الاتحاديين الجدد أن يحلٌوا هذا المشكل التاريخي لو وضعوا أيديهم معا لاستعادة الحزب الغائب، ولكنهم لم يكونوا -أو لم يكن بعضهم- واعياً بدوره المنتَظر منه أصلاً دعَك من أنْ يصبح جزءاً من الحل. تصور لو اجتمع محمد عصمت، محمد ناجي الأصم، بابكر فيصل، محمد الفكي سليمان مثلاً واستمروا في الإطار التنظيمي الواحد وتقبلوا بعضهم لقيادة التجمع الاتحادي، مؤكد سيكون لديهم فرصة نجاح كبيرة وقبول واسع من جماهير الثورة باعتبارهم ثواراً أصيلين ساهموا في إنجاز التغيير.
على العكس من ذلك، أثبت الأربعة وبقية الكوادر التي تحيط بهم، أن التعويل عليهم محض خيال متفائل. فما إن لاحت ثمار الثورة ووزاراتها ومناصبها حتى أوعز لهم شيطان الـ(Cheating)، وهو شيطان شقيق ورفيع، أوعز لجزء منهم بعزل وإقصاء الجزء الآخر للانفراد بالقرار وللانفراد بتعيينات الفترة الانتقالية. سالَ اللعاب فضاعت الفرصة التاريخية سدى، وعادت قوافل الاتحاديين المشتتة للسير قدماً في زقاق التاريخ بلا ضوء في نهاية النفق.

انفجر النزاع بين طرفي التجمع الاتحادي، التجمع الذي يقود مكتبه التنفيذي بابكر فيصل، والتجمع الآخر الذي يتشكل من الأحزاب-التي تقول- أنها هي المؤسسة للتجمع الاتحادي، في يوم 7 أغسطس 2019 م وهو اليوم الذي عقد فيه بابكر فيصل مؤتمرا صحفياً في مقر التجمع الاتحادي بالخرطوم-2 وأعلن فيه من طرف واحد فك الارتباط ببقية مكونات التجمع الأخرى متمسكاً براية التجمع الاتحادي.

دعنا نتبع فضولنا لنحاول معرفة ماذا كان يجري خلف كواليس الاتحاديين قبل هذا اليوم. لقد كان معروفاً أن هناك تصدع داخل التجمع الاتحادي بسبب إنفراد مجموعة محدودة بالقرار وبالتمثيل داخل قوى الحرية والتغيير باسم التجمع. كان هناك عدد من المبادرات يقودها اتحاديون لرأب الصدع داخل التجمع ومن ضمنها مبادرة أطلق عليها مبادرة “الورقة البيضاء” وسٌميت بذلك لأن احد قادة التيارات، ولعله محمد عصمت، وقع على ورقة بيضاء وسلمها للوسطاء كناية عن رغبته للوصول لحل للنزاع بلا أي قيدٍ أو شرط. تواصل القائمين على مبادرة الورقة البيضاء مع كل الأطراف لإقناعها بالعودة للعمل سويا داخل التجمع الاتحادي بعد فترة من الانقطاع. انطلقت اجتماعات رأب الصدع لعدة أسابيع كان تصدر خلالها طمأنة للوسط الاتحادي بقرب انفراج الأزمة داخل التجمع بالوصول لاتفاق بين كل أطراف التجمع. ثم تسرب أنّ هناك اجتماعاً حاسماً سيعقد في منزل القيادي الاتحادي محمد محجوب يوم 5 أغسطس 2019م بحي الشجرة بالخرطوم، وسيحضر الاجتماع كل رؤساء وممثلي الأحزاب المكونة للتجمع الاتحادي. وسيتم تنوير الرأي العام الاتحادي بالاتفاق على مبادئ العمل المشترك داخل التجمع الاتحادي.
توجهت الأنظار لذلك الاجتماع الحاسم ولكنه لم يعقد أبداً. قبل انعقاده بيوم تقدم كل من أيمن خالد وآخرين (ممثلي المجموعة المنفردة بقرارات التجمع) بطلب لسكرتارية مبادرة “الورقة البيضاء” لتأجيل الاجتماع بمبرر أنّ مجموعتهم تحتاج لمزيد من التشاور، حمل الدكتور محمد محجوب الطلب ألشفاهي وأبلغ به قادة الأحزاب الأخرى وتم تأجيل الاجتماع المرتقب.

بعد يومين من تأجيل اجتماع الاتفاق النهائي، أي يوم 7 أغسطس 2019م، تفاجأ الوسط الاتحادي بمؤتمر صحفي تحدث فيه بابكر فيصل وأيمن خالد وأعلنا فيه تجمعاً اتحادياً جديداً يتشكل من تيارين هما تيار العهد الثاني الذي يقوده عملياً محمد الفكي سليمان وتيار الحركة الحركة الاتحادية بقيادة قريب الله محمد الحسن، وتم رسميا عزل بقية الأحزاب الاتحادية الثلاثة التي كانت تنتظر انعقاد الاجتماع المؤجّل.

وبعد..
هل كان انشقاق التجمع الاتحادي هو السبب الوحيد لضعف الموقف الاتحادي العام داخل الحرية والتغيير؟ لا، إذ كان ممكناً معالجة أمر الانشقاق بمعالجة التداعيات(Damage control) وبالتعامل مع الانشقاق كوضع طبيعي، أن تعمل التيارات الاتحادية معا داخل الحرية والتغيير وقد أصبحت أربعة تيارات بعد أن كانت مكون واحد هو التجمع الاتحادي، مثلما توجد أربعة أحزاب بعث اشتراكي، مثلاً، داخل تحالف قوى الحرية والتغيير. حدث العكس تماماً، أطلق التجمع الجديد حملة عداء شرسة ضد الاتحاديين الآخرين داخل الحرية والتغيير أضعفت موقفهم وأضعفت موقف التجمع الجديد نفسه فيما بعد إذ انفردت به قوى سياسية أخرى وتلاعبت به حتى أضطر لإشراك الرأي العام في مظلمته ببيانه الأخير الذي ذكر أنّ (هناك جهات) تتآمر ضده وضد أهداف الثورة من إطراف في الحرية والتغيير. شرب التجمع من ذات كأس الــ(Cheating ).. كأس الخداع الذي سقى به الاتحاديين الآخرين يوم 7 أغسطس الماضي.

نقف هنا لنواصل في الحلقات القادمة

*mabrouk@hikayat.net

التعليقات مغلقة.