الجيش الذي يجمع بين أختين من يخبره بمهامه ؟!

5
د. حامد برقو عبدالرحمن

(١)

أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العميد عامر محمد الحسن استشهاد النقيب كرم الدين قائد القوة العسكرية السودانية وعدد من جنوده إثر الهجوم من قبل مليشيات إثيوبية مدعومة من الجيش الإثيوبي على نقاط جيشنا في قريتي الفرسان و بركة نوريت.

أسأل الله أن يتقبل الشهداء ويلهم أهليهم و السودانيين كافة الصبر الجميل .

(٢)

بحسب الموسوعات العلمية المتعارف عليها فإن الجيش هو القوات المسلحة لدولة ما. مهمته الأولى هي حماية الدولة من أي اعتداء خارجي ثم معاونة أجهزة الأمن المدنية لبسط الأمن الداخلي في حال اقتضى الأمر وأخيرا المشاركة في درء  الكوارث.

تلك هي المهام الدستورية للجيش و التي يعرفها العالم من حولنا.

يتطلب في تكوين جيش ما توفر عاملي الكفاءة و التوزيع الجغرافي حتى يكون جيشاّ مهنياً و قومياً. أي أنه ليس من الإنصاف أن يكون ضابط الجيش من مناطق معينة بينما الجنود من مناطق أخرى مهملة بغرض تكريس السيطرة بأنواعها المختلفة.

(٣)

في الحالة السودانية التي أقل ما يمكن وصفها بأنها مرضية وكارثية لم يخرج الجيش السوداني من حياة السياسية منذ ارتكابه اول خطيئة بالحنث بالقسم و تنفيذه أول انقلاب عسكري في ١٩٥٨.

منذ ذلك التاريخ ظل  الجيش حاضراً في الحياة السياسية السودانية بإنقلاب الضابط جعفر من نميري و الضابط عمر حسن البشير ، مع عدد من محاولات انقلابات فاشلة من قبل عسكر آخرين.

(٤)

معاناة الدولة السودانية لا تكمن في انقلابات العسكر وحدها فحسب؛ بل في استغلال لأكثر من ستين بالمائة من ميزانية الدولة أو ناتجها القومي للجيش.

لذا أغفلت مشروعات البنية التحتية والمشروعات الخدمية مثل التعليم و الصحة و غيرهما الأمر الذي أدى إلى فقدان العملة الوطنية لقيمتها من حال كان فيه  الجنيه السوداني يعادل ثلاث دولار إلى أن يعادل الدولار الواحد أكثر من مائة و أربعين مليونا من الجنيهات بسبب تغول العسكر في الحياة السياسية.

(٥)

مبعث الألم لا يتوقف على استحواذ الجزء الأكبر من ميزانية الدولة إنما في استخدام تلك الميزانية.

منذ استقلال السودان تم شراء و تصنيع ملايين الأطنان من قطع الأسلحة و الذخائر .

إذن أين ذهبت تلك الكميات المهولة وخاصة أننا لم ندخل في أي حرب إقليمية لحماية حدودنا أو حرب دولية لضمان مصالحنا العليا؟

(٦)

الإجابة ببساطة استخدمت كل تلك الأسلحة وبأنواعها المختلفة في حروب أهلية داخلية – أي في الحروب البينية بين الجيش السوداني و أنظمته الديكتاتورية العسكرية من جهة و المواطنين السودانيين العزل من جهة أخرى.

بدقة أكثر؛  استخدمت لتقطيع أوصال الأطفال و النساء و الشيوخ العجزة السودانيين.

(من منكم لا يتذكر صور ارجل وأيدي وأحشاء الأطفال في كهوف جبال النوبة في نهايات عام ٢٠١٢ عندما كان الطيران الحربي للرئيس المعزول عمر البشير يلاحق الاطفال حتى في الكهوف لقتلهم و تقطيعهم .

ذلك كان مبعث الألم و الحزن معاً).

(٧)

في تصوري فإن أولى أوليات مهام الحكومة المنتخبة والتي تلى الحكومة الانتقالية الحالية هو أصلاح المؤسسة العسكرية وخاصة القوات المسلحة.

على الجيش ترك السياسة والرجوع إلى مهامه الدستورية في حماية البلاد.

مهمة الجيش هي حماية البلاد و مصالحها العليا.

على ضباط الجيش السوداني الخروج من غرف الوظائف المدنية المكيفة إلى الثغور لحماية البلاد.

(٨)

لو التزم قائد الجيش في ولاية القضارف بمهمته العسكرية وترك منصب الوالي و الذي يشغله الان للمدنيين السياسيين لما فكرت المليشيات الإثيوبية في الاعتداء على تراب بلادنا في الشرق ولو أنها مدعومة من قبل اقوى جيوش العالم.

يتعين على من لا يستطيع مغادرة غرف الحكم المكيفة ترك الجيش والالتحاق بالحياة المدنية.

(٩)

لا يجوز لضباط الجيش السوداني الانتساب للقوات المسلحة في الوقت الذي يتشبثون فيه بالوظائف المدنية بينما مساحات بحجم دول خليجية من تراب بلادنا تحت الاحتلال المصري و الإثيوبي.

(١٠)

بغرض تبادل الخبرات أدعو ضباط جيشنا مشاهدة بعضاً من حالات الاستدعاء التي تتم من قبل حكومات وبرلمانات  (مدنية) في دول العالم لضباط الجيش للإدلاء أو الإفادة حول أمر ما.

شاهدوا لتعلموا حجم الانضباط والاحترام الذين يبديهما هؤلاء الضباط المهنيين تجاه السلطة المدنية المنتخبة من قبل الشعب.

عند أولئك الضباط؛ العسكرية ليست بزة جميلة وأحذية لامعة وإظهار القوة على المدنيين العزل.

كلا !!

(١١)

لبناء الدولة يتطلب من الجميع الالتزام بمهامه الدستورية.

ومن الضرورة بمكان سن القوانين التي تحرم على العسكريين الالتحاق بالحياة السياسية قبل مرور على الأقل خمس سنوات على تركهم الخدمة العسكرية.

الحال أشبه بمن يجمع بين أختين، لذا يتوجب على العسكر طلاق إحداهما.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!