“الحرية والتغير”..إلى أين؟!

2

إضاءة الثلاثاء 24 مارس
* لابد إنكم جميعاً، قرائي الكرام، قد تابعتم الأنباء و البيانات والتصريحات المتزاحمة في سماء الأسافير و الصحف الورقية، الصادرة عن كثير من القوى و الشخصيات القيادية المنضوية تحت تحالف (قوى الحرية والتغيير).. أكبر و أوسع تحالف في تاريخ السودان المستقل و الحديث.. ومن أسف فإنها في معظمها بيانات و تصريحات، تهدم ولا تبني، تضعف ولا تعزز بنية ذلك التحالف الذي انعقدت عليه آمال الشعب، بعد أن صنف نفسه و ارتضاه الناس”حاضنة سياسية” للسلطة الانتقالية،سلطة الثورة.
* في الأصل، تأسس تحالف الحرية والتغيير على عجل، للحاق بزخم الثورة السلمية المشتعلة في أطراف البلاد وقلبها، وجاء بمبادرة من تجمع المهنيين الذي التقطت قيادته القفاز، وارتفعت بشعارات الحراك العفوي الشعبي والنقابي من مستوى المطالب الاقتصادية والمعيشية، إلى المواجهة السياسية الشاملة المطالبة بتغيير النظام قولاً واحداً.. ليتجاوز الحراك أهدافه المطلبية، التي كان باعثها المباشر الأزمة المركبة التي عاشها نظام الانقاذ في أواخر أيامه، الأزمة الشاملة و القابضة التي طالت جميع مناحي الحياة، من الوقود إلى الخبز إلى المواصلات العامة إلى النقود، وأفرزت حالة انسداد كامل و عجزاً واضحاً اعترف به قادة النظام أنفسهم.
* تجمع المهنيين وقوى المجتمع المدني وبعض القوى السياسية التي تصدرت المشهد والحراك عمدت إلى اصدار “إعلان الحرية والتغيير” كبرنامج عمل عاجل ودعت كل القوى السياسية والاجتماعية الراغبة في التغيير للتوقيع عليه والتحرك بموجبه في مواجهة النظام المترنح، “كبرنامج حد أدنى” يوحد الشعب في ثورة سلمية تطيح بحكم الاستبداد والفساد.. و كان للتحالف الوليد ما أراد، بعد أن انحاز جزء قيادي من القوات المسلحة والدعم السريع للارادة الشعبية، ورفض تنفيذ أوامر البشير بضرب الشعب وفض اعتصام القيادة العامة والاعتصامات والتظاهرات التي عمت مدن السودان المنتفضة.
* الآن وبعد مرور شهور معدودة على تشكيل الحكومة الانتقالية، بمكونيها المدني والعسكرى كنتيجة “واقعية” لشراكة فرضتها تطورات المشهد و المفاوضات المشهودة إقليمياً و دولياً ، جراء انحياز اللجنة الأمنية العليا للحراك الثوري- كما أسلفنا- يجد المراقب أن تحالف التغيير قد بدأت تتراخى عراه، و ما هذه التراشقات الاعلامية بين قواه و مكوناته السياسية والمدنية، و محاولة كل طرف إلقاء لائمة البطء والتعثر في الاستجابة لمطلوبات الحياة اليومية للشعب على الطرف الآخر إلا دليلٌ على ذلك. ، فأخذت تنشأ تكتلات سياسية، يميناً ويساراً و وسطاً، وذلك بالعودة الي المكونات القديمة التي كانت قائمة قبل نشوء “الحرية والتغيير”.. كنداء السودان و الجبهة الثورية والإجماع الوطني وغيرها من الأشكال الموروثة منذ فترة المعارضة للنظام المخلوع.. وهي عودة تنم عن تمترسات و مخاوف، لم يستطع بيت الحرية والتغيير من تجاوزها أو استيعابها، برغم وضوح مضامين “الإعلان” و برنامجه السياسي والاقتصادي.
* فاليمين بأحزابه التقليدية يتمترس في ذات المناهج والأفكار القديمة التي اعتادها و يخشى أية تحولات جذرية في بنية الدولة السودانية القديمة قد تفقده إرثه العتيد وشعبيته، التي بدأت تتآكل بالفعل مع تزايد الوعي وتطلع الأجيال الجديدة لوطن أكثر حداثة ورحابة وجدوى.. أما قوي اليسار التى تمتلك رؤى أكثر تقدماً وانفتاحاً على عالم يتغير باضطراد، فهي الأخرى تفتقر إلى التنظيم الفعال المنخرط عضوياً في أوساط الجماهير، واقتصرت نشاط عضويتها وتنظيماتها على نخب صفوية محدودة الفاعلية، لا تستطيع أن تحدث فرقاً بائناً في أي حراك واسع على مستوى الشارع أو حول صناديق الاقتراع، وتلك علة قديمة ظلت قوى اليمين و لا زالت تعايرها بها لدى كل مواجهة، دون أنت تلتفت هي أيضاً إلى حالها و “عوجة رقبتا”
* هذا الواقع السياسي المازوم لقوى الحرية والتغيير وتراخي عراها المرصود، هو ما أغرى الجماعة الاسلاموية الساقطة للتحرك أخيراً سواء بالمواكب، أو بالدعوة للتجمعات العسكرية، أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي، بعد أن فاقت من صدمتها الأولى، بينما كانت في ما مضى تقتصر على “تغريدات غندور” المداهنة لحمدوك
و حكومته الإنتقالية، فباتت اليوم تطالب علناً بإسقاط حكومة الثورة والعودة النظام المخلوع.
* فهل تصحو قوى الحرية والتغيير وتعيد النظر في ما آل إليه بيت تحالفها من ضعف وهوان على سدنة النظام القديم، و تدرك أنه لو وقعت الواقعة فلن يكون لأي منهم منجاة أو جبل يعصمه؟!!

التعليقات مغلقة.