https://www.dirtyhunter.tube

الحكم الاتحادي: الفرص الضائعة ..

14


(1)

أثناء مداولات مجلس الشعب الأول عام 1972، في حكومة “ثورة مايو” أثار عضو المجلس عن دائرة النهود غرب كرفان، السيد محمد أحمد جحا المشهور باسم “دقيس”، إنه من غير المعقول أن يتقدم مواطن في إحدى قرى النهود بطلب إلى الخرطوم ليحصل على تصديق لإقامة “طاحونة” لخدمة المنطقة، وإنه يقترح أن تنقل مثل هذه السلطات إلى الأقاليم، أجل هذا الموضوع لأنه لم يكن ضمن جدول الأعمال، وبعد جدل جلس العضو، ولكن الأمر طرق آذان جميع أعضاء المجلس من الأقاليم، وبالمثل آذان السلطات.

(2)
قامت الحركة الوطنية الحديثة على أكتاف مؤتمر الخريجين الذي اقتدى في “الاسم” وفي “الكفاح السلمي” بحزب المؤتمر في الهند. وقد كانت الهند وهي مستعمرة بريطانية تقع في دائرة رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث)، كما أنها وهي مستعمرة كانت تتبع النظام الفدرالي بين كل مكوناتها المتعددة في حكمها الداخلي، إذ توجد ولايات على رأسها مهراجا، أو نظام، أو حاكم، وهلم جرا في (فدريشن وداخل الكومنولث). غير أن رجالات مؤتمر الخريجين على مختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية أجمعوا على رفض (الفدريشن والكومنولث)، فالأول اعتبروه رديفاً للانفصال، وكان الهتاف (لا انفصال لوطن واحد)، رفضاً لفدرالية الدولة، وأتبعوه أيضا ب (لا فدرالية لوطن واحد)، تفسيراً للهتاف الأول.
أما الكومنولث، أي الانضمام لرابطة الشعوب البريطانية، فقد اعتبروا أنه استعمار جاء بالشباك، بعد أن خرج بالباب، وهي الرابطة التي كانت تجمع الدول التي كانت مستعمرات بريطانية للتعاون مع بعضها، ومع بريطانيا في مسائل التجارة الخارجية، والمدفوعات والبحث العلمي، والتعليم والصحة، وتبادل الخبرات والمنافع خاصة بعد المشاكل الاقتصادية التي صاحبت نهاية الحرب العالمية الثانية. وصعود الدولار كعملة عالمية صعبة.

(3)
أنشئت المجالس البلدية والريفية في السودان وشملت كل المديريات وغطت وزارة الحكومة المحلية، على وزارة الداخلية، التي كانت أحد أقسامها، وأصبح هناك تغيير في الاسم، وهو الحكم المحلي بصلاحيات واسعة، ولم يعد التصديق بقيام “طاحونة” في غرب السودان يصدر من الخرطوم.

(4)
وفي فبراير 1972 تم التوقيع على اتفاقية أديس أبابا بين حكومة الخرطوم وحركة أنيانيا في الجنوب وقامت بموجب الاتفاقية حكومة إقليمية داخل حكومة السودان، لها سلطات واسعة في كل أمورها الإقليمية ما عدا بعض السلطات ظلت مع حكومة المركز، وهي الجيش الواحد، الجنسية والجوازات، العملة، السياسة الخارجية، الطيران المدني، المواصلات السلكية واللاسلكية الاتفاقيات الدولية والقروض، الجمارك، الضرائب على الشركات.
وشملت سلطات الحكومة الإقليمية تجارة الحدود مع الدول المجاورة، غير أن أهم ما نصت عليه الاتفاقية هو قيام حكومة الإقليم الجنوبي وعلى رأسها حاكم جنوبي يحمل لقب رئيس. ولها برلمان يتولى التشريع والرقابة، ويوافق على الموازنة السنوية، وعلى خطة وميزانية التنمية.
ورئيس للبرلمان ونوابه، ولجان لمختلف المهام: المالية، التشريع، الأمن، إلخ، وللإقليم وزراء كما للحكومة في الخرطوم، وكل هذا نظام فدرالي كامل لم تملك الخرطوم الشجاعة لتطلق عليه “الحكومة الفدرالية” لجنوب السودان، كما لم يطالب ساسة جنوب السودان بذلك، ربما لعلمهم أن الكلمة غير مقبولة، قولاً رغم أنها مطبقة فعلاً.

(5)
بعد التجربة الناجحة للحكم الإقليمي في الجنوب قرر الرئيس نميري أن ينقل الحكم المحلي إلى رحاب الحكم الإقليمي، وعهد إلى رئيس الحكومة في الجنوب، السياسي ورجل القانون، أبيل ألير أن يقدم له مقترحا للحكم الإقليمي في المديريات الشمالية، (الخرطوم، الشمالية، كردفان، دارفور، كسلا، النيل الأزرق التي تغير اسمها إلى الإقليم الأوسط، بعد أن أصبحت المديريات ما عدا الخرطوم، تحمل لقب إقليم، وكانت تشمل الجزيرة، النيل الأبيض، والنيل الأزرق، وكانت أكبر الأقاليم من حيث السكان.

(6)
قام السيد أبيل ألير بتقديم نفس تركيبة الحكم الإقليمي للجنوب لكل مديرية، أو إقليم، فصار هناك مجلس تشريعي، له رئيس ونائبان، وخمس لجان لكل منها رئيس ونائبان، وخمس وزارات لكل منها وزير، مدير مكتب، وسكرتير، وسيارتان. واحدة لزوم المأموريات أو الخدمة. وهو ما لم يكن وقتها لدي الوزير المركزي.. وقد تفضل سيادته وطلب مني إبداء الرأي، وقد اعترضت على هيكل المجلس النيابي، وعدد الوزراء كما اعترضت على المخصصات، إذ كان حاكم الإقليم أعلى درجة من الوزير، وهذا مقبول، غير أن مخصصات رئيس ونواب المجلس التشريعي ورؤساء اللجان في درجات وزير مركزي، وزير دولة، ونائب وزير، ثم الأعضاء بما يعادل وكيل وزارة، كانت حجة السيد أبيل ألير أنه ما كان ليوصي بهيكل إقليمي للولاية أقل من هيكل إقليم الجنوب، حتى لا يقال كذا وكذا، وقد قبل الرئيس المقترح دون أن يناقشنا فيه ويتعرف على أراء الوزراء إذ كان يريد دائماً وفي شكل أقرب إلى التحذير من أن الحكم الإقليمي شان رئاسي يتبع رئيس الجمهورية ولا يسمح للوزراء بالتدخل فيه.

(7)
غير أن هناك ثغرة جعلت وزير المالية يقول رأيه دون أن يكون قد تدخل في شان رئاسي، ذلك انه عند انتقال ديوان شؤون الخدمة إلى وزارة الخدمة والإصلاح الإداري وعندما لم تفلح الحجج التي أبديناها في كامل خروج الديوان من المالية، أوضحنا لوزير الخدمة وللرئيس أنه ضمانا لقومية الخدمة في البلاد، لا بد أن يوافق رئيس الجمهورية بناءً على توصية وزير المالية على تعيين أو ترقية أي شخص إلى وظائف المجموعات: الخامسة، الثالثة، الأولى، وجاءت الفرصة عندما تقدم حاكم الاقليم الأوسط بترقية مدير مكتب الحاكم إلى الدرجة الثالثة، فكيف وصل مدير المكتب إلى الدرجة الخامسة ثم يراد له أن يكون في الدرجة الثالثة.
ثم بدأنا نعدد تكلفة الحكم الإقليمي والتي قامت بقرار جمهوري. وأوضحنا رأي المالية للسيد أبيل ألير وأنه إذا كان لنا أن نبدي الرأي فإن الإقليم يمكن أن يدار بطريقة أفضل وتكلفة أقل على الاستخدام ووفر للتنمية بالحاكم ومعه وزير واحد ينيب عنه وتدار الوزارات بموظفي خدمة مدنية بدرجة نائب وكيل ومجلس تشريعي له رئيس ونائب ولجان تدفع لهم جميعاً مكافآت حضور، وبدل سفرية، لمن ليست لديهم وسائل نقل إلى عاصمة الإقليم، كما كان الامر قبل قيام الحكم الإقليمي.
ولأول مرة قبل الرئيس نميري أن يقول بعض الوزراء أراءهم وقرر بالفعل أن هذا هو الرأي الأفضل وأنه سوف يصدر القرار في الوقت المناسب.
وكانت ستكون كالآتي:
الخرطوم: معتمد بدرجة حاكم، 4 وزراء أحدهم نائبة، مجلس تشريعي بمكافآت حضور.
الإقليم الأوسط: حاكم، 5 وزراء أحدهم نائبه، مجلس تشريعي بمكافآت حضور وبدل ترحيل.
الأقاليم الأخرى: حاكم، 4 وزراء أحدهم نائبه، مجلس تشريعي بمكافآت حضور، وبدل ترحيل.

(8)
كرجل عسكري، كرر الرئيس نميري ما قاله لي في مناسبة سابقة ليس هذا مجالها، إنهالا يدخل معركة يحددها زمانا ومكانا شخص غيره، وإنه سوف لا يصدر قراره بالصدفة الحميدة التي جاء بها طلب ترقية مدير مكتب حاكم الإقليم الأوسط، بل سيطرح الموضوع بأكمله على مؤتمر العيد العاشر للحكم المحلي في أكتوبر 1985. وبعد التداول وإقناع المؤتمرين سيصدر القرار.

(9)
قامت الانتفاضة في أبريل 1985، قبل ستة أشهر من تاريخ القرار، وضاعت الفرصة، أقول ضاعت لأنه رغم انتقادات المعارضة للحكم الإقليمي، ووصفه بكل ما هو مشين لم تكن لديها رؤية لهيكل الحكم الإقليمي، الفدرالي حقيقة، وعندما وصلت الحكم وركبت على السرج والحصان لم تتقدم بأي تعديل أو تبديل لما كان موجوداً إلا في زيادة عدد الأقاليم، وزيادة المخصصات، والوظائف وإطلاق يد الحاكم او الوالي، في المال والإنسان، في فدرالية مشوهة، ومع ذلك وسيراً على درب النهج القديم لا تسمى فدرالية مع ان (اتحاد الدول الفدرالية) قد سجل السودان “دولة فدرالية”، دون ان تعلن ذلك، ورغم أن بعض الساسة ينتقدون بعض قيادات حركات الاحتجاج السياسي المسلحة بأنها تريد تمزيق السودان وتكوين دويلات فدرالية يجلسون في ظل الفيل لا يعرفون. عجب
في الحكم الإقليمي في عهد للرئيس نميري كانت الشرطة إقليمية حتى رتبة معينة يوصي بها مدير عام الشرطة، ويوافق عليها رئيس الجمهورية، وتكون كل الشرطة بعد تلك الرتبة في كشف قومي موحد من حيث الترقيات والتنقلات بين الأقاليم.
أما الخدمة المدنية فهي أيضاً إقليمية حتى المجموعات، أما المجموعات من الخامسة فما بعدها فهي قومية، تخضع لضوابط ديوان شؤون الخدمة من حيث الترقيات والتنقلات إذا لزم الأمر.
ملحوظة:
اعتذر للقارئ الكريم عن السرد التاريخي كمقدمة لكل موضوع حتى يعرف كيف نشأ، ولماذا، خاصة وأن قراراتنا وقوانينا بدأت تخلو مما يُعرف ب”المذكرة التفسيرية

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!