*الخلط بين إستقلال القضاء وتوقير الشخصية الإجتماعية للقاضى*

2

بقلم: كمال الجزولى المحامى

وددتُّ لو أن مولانا نعمات عبد الله، رئيسة القضاء الموقَّرة، لم تقطع على قلمي طريق الكتابة عنها، بمناسبة الثَّامن من مارس، يوم المرأة العالمي، احتفاءً بكونها أوَّل قاضية امرأة تتبوَّأ هذا المنصب خلال أكثر من مائة عام هي تاريخ السُّلطة القضائيَّة في السُّودان. ولكن السَّيِّدة نعمات، للأسف، جعلت من ذلك الاحتفاء أمراً غير ممكن، بموقفها المتعجِّل من حادثة الفاو، بولاية القضارف، حيث «قيل» إن ضابطين بالقوَّات المسلحة اعتديا على قاضٍ داخل محطة وقود في المدينة، فما كان منها إلا أن أمسكت بالواقعة، فوراً، من «زمارة» رقبتها، مصدِّقة رواية منسوبها من طرف واحد، ومعلنة إضراباً عاماً لجميع القضاة، باعتبار أن «الاعتداء» قد «ثبت»، وأنه يمثل «انتهاكاً صارخاً»، و«تعدِّياً سافراً» على «المبادئ الدُّستوريَّة والقانونيَّة وهيبة القضاء»، بعكس اتِّفاق جميع الدَّساتير، والقوانين، والأعراف الدَّوليَّة، على «وجوب احترام القضاء المستقل من كلِّ مؤسَّسات الدَّولة وأجهزتها المدنيَّة والعسكريَّة». فلو أن هذه العبارات الفخيمة، والتي نؤمِّن عليها، ونتَّفق معها، من كلِّ بُد، قد وردت ضمن حكم قضائيٍّ نهائيٍّ أصدرته دائرة بالمحكمة العليا، ضمن «طلب فحص»، في خاتمة «إجراءات قانونيَّة جنائيَّة» هادئة، بلا تشنُّج، ابتداءً من تدوين البلاغ، وفتح الدَّعوى، والتَّحري فيها، ونظرها أمام محكمة مختصة، ثمَّ إخضاعها لكلِّ مراحل الاستئناف والطَّعن، لوجب علينا، من كلِّ بُدٍّ، إحناء هاماتنا إجلالاً، وتقديراً، واحتراماً، وانصياعاً لكلمة القضاء الفصل، وحكمه العادل، بصرف النَّظر عن الطرف الذي صدر لصالحه، أو ضده. أمَّا وقد وردت العبارات بهذه الصُّورة الجُّزافيَّة المتعجِّلة، والتي تنمُّ عن حميَّة الخصومة، بأكثر من برود الحياد، فهي إنَّما تستوجب النَّقد الصَّادق الأمين، دون ملق أو نفاق.
لقد خلطت السَّيِّدة نعمات بين استقلال القضاء، وبين توقير الشَّخصيَّة الاجتماعيَّة للقاضي، وساوت بين الاعتداء الذي يقع على قاضٍ أثناء تأدية عمله، وبين الاعتداء عليه ربَّما أثناء مشاجرة في طلمبة بنزين! واستعاضت عن قاعدة «سيادة حكم القانون»، بقاعدة «المحاباة المهنيَّة» للبعض على حساب الآخرين! كما استعاضت عن إجراءات «التَّحري» التي تباشرها «النِّيابة المستقلَّة»، بتقرير بعض «منسوبي مكتبها» الذين بعثت بهم إلى الفاو لـ «الوقوف» على ما حدث! ثمَّ استعاضت عن الإجراءات القانونيَّة لـ «المحاكمة»، في جميع مراحلها، بإجراءات أقرب إلى المحكمة المعيبة التي يُصطلح عليها بـ «محكمة الكنغرو ـ Kangaroo Court»، كناية عن تلك التي تتجاهل الالتزامات القانونيَّة والأخلاقيَّة، عمداً، بينما تخفي الحكم، مسبقاً، في «جيبها»، مثلما يضع الكنغرو مولوده في الجُّراب الملتصق ببطنه! وقد فعلت رئيسة القضاء ذلك بإلزام جميع القضاة بالدُّخول في «إضراب» عن العمل ابتداءً من 25 مارس الجَّاري، استناداً إلى واقعة لم تستوف شروط التَّحري حولها، علماً بأن القضاء، بعد أن يوعز لعامَّة النَّاس بأنه لا قدرة له، بغير «الإضراب»، على استرداد حق يرى أنه سُلِبَ منه، فإنه لن يعود لديه، بالتَّالي، ما يقنعهم بقدرته على أن يستردَّ لهُم هُم أيَّ حقوق قد تكون سُلبت منهم!
ما جرى قد جرى، وانتهى الأمر، ولأنه يتَّصل بعلاقة الثِّقة شديدة الحساسيَّة بين القضاء والجُّمهور، فما من سبيل لإصلاحه بغير جراحة غاية في القسوة، عنوانها، للأسف الشَّديد، «استقالة السَّيدة نعمات»!

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!