الدكتور منصور خالد النجم الذي أفل

14

محمد الربيع
ما كنتُ أحسب قبل نعشك أن أرى رضوى على أيدي الرجال يسيرُ
ما كنتُ أعرف قبل دفنك في الثرى أن الكواكب في التراب تغورُ
يمشون خلفه ولكل باكٍ حوله. صعقات موسى حين دُك الطورُ
و الشمسُ في كبدِ السماء مريضةْ و الأرض واجفةْ تكادُ تمورُ
المتنبيء

✍️ بالأمس غيّب الموت مفكراً هو الأبرز بين رجال الفكر و السياسة والتاريخ والأدب في تاريخ السودان منذ الاستقلال !! الدكتور منصور خالد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس كان أديباً بين الساسة وسياسياً بين الأدباء ومؤرخاً بين الكتاب و عالماً موسوعياً بين المثقفين موهوباً متعدد المعارف واسع الإطلاع، نحت لنفسه طريقاً غير مطروقٍ وابتدع أسلوباً في الكتابة لم يأتِ به الأوائل و لم يستطعه معاصروه !! برع في نقش التعبيرات وتوليد الكلمات فخرجت الجمل سهلاً ممتنعاً من قلمه المدرار بذَّ في ميدانه كل الذين كتبوا بلغة الضاد !!

✍️لقد ظهرت نبوغ مفكرنا الكبير الذي ولد بمدينة الهجرة في أم درمان عام 1931، منذ بواكير شبابه وبدأ الكتابة في عمرٍ باكر حيث كانت له صحيفة حائطية (المقص) يحررها بمفرده في جامعة الخرطوم ولهذا فلا غرو فقد تجاذبته التيارات السياسية يميناً و يساراً لكنهم لم يظفروا بتوقيعه وعندما يُسال: أيسارياً أنت أم يمينياً ؟ كان يقول : أنا فوقهما ! نعم ! فما كان لعبقريٍّ مثله أعطاء الله بسطة في العقل و الحكمة و نفاذ البصيرة إلا أن يكون (سيّد نفسه) متبوعاً و ليس تابعاً و أستاذاً ليس تلميذاًو لن يسلم قياده (لشيخٍ أو سيّدٍ أو مولانا).. فعاش بين التيارات كالشمس بين النجوم، يرمقونه بعين “الغيرة” والإعجاب !!

☀️إن طالب الحقوق النجيب المميز والذي كان الأول بين أقرانه وتخرج بأفضل تحصيل أكاديمي في تاريخ كلية القانون بجامعة الخرطوم و الذي ألف فيما بعد سفره القيّم (النخبة السودانية و أزمان الفشل) لا يمكنه أن يكون تابعاً لأيٍّ من هـؤلاء الفاشلين أو يجعل هذا العقل الوثّاب تحت تصرفهم فشق طريقه على أرض بكر وذاك هو مسلك الأساطير في التاريخ الإنساني
التاركين من الأشياء أهونها.. والراكبين من الأشياء ما صعُبا
عندما تقرأ للدكتور منصور خالد لا تنفك تظل مشدوهاً بين سطوره فتسبح معه في بحور الدين ثم يعلو بك في سماوات الأدب قبل أن يقودك إلى مجاهيل التاريخ ويعرج معك في سهول الجغرافيا إلى أن يقتحم معك عوالم الفلسفة ومتاهاتها الغامضة وبين كل هذه العوالم عبارات منحوتة ومصطلحات مولدة ومتمازجة بين الحداثة والتقليد فهو في الحقيقة يرسم بالكلمات ويعزف الجمل و العبارات محلقاً بك في سياحة فكرية بأجنحة لا تمل الطيران وأنت تسأل نفسك متعجباً متى وجد الوقت و القوة لكل هذا !!

✍️ المفكر التقدمي دكتور منصور خالد كان له من اسمه أكبر نصيب !! لذلك لم يقتنع إلا بالصدارة في كل الدروب ! يحدد هدفه بين النجوم ثم يسعي إليه غير هيّاب و لا متردد.. سياسياً ودبلوماسياً كان وزيراً ووزيراً للخارجية ! وأكاديمياً ومفكراً كان أستاذاً للقانون الدولي بجامعة كلورادو الأمريكية وكبير الباحثين بمركز ودرو ويلسون بواشنطن ! و أممياً كان أول أفريقي يعمل مسؤولاً في الإدارة القانونية في الأمم المتحدة في نيويورك و الجزائر ثم اليونيسكو في مدينة النور باريس.. فضلاً عن أنه يعتبر رائداً فريداً في التأريخ السياسي خاصة السوداني وهو أهم مرجع ! لذلك و عندما كان وزيراً للشباب والرياضة عام 1970 ححقنا بطولة الأمم الأفريقية الوحيدة في تاريخ منتخبنا الحافل بالخيبات !! ألم أقل لك أنه ( منصوراً ) ؟!! و لا يقبل إلا بالنجوم ؟ حتى عندما التحق بالحركة الشعبية كان أول سياسي من صفوة الشمال تقلد وزارة الخارجية قبل أن ينحاز بكل شجاعة إلى قضية الأخوة الجنوبيين و تيار الآفريكانيزم ولم يكن كغيرة من المتنكرين في أسمال العروبة الأخرق ! لله درك أيها المنصور الخالد !!
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموتِ في أمرٍ عظيم

✍️لقد كان الدكتور منصور خالد نسيجا وحده لا يشبه إلا نفسه ! فقد عاش قُبيل الفقد مفقود المثال وبرحيله رحل أجيال واختفى عصرْ وتاريخْ يمشي على ساقين و ترك خلفه ستة عشر كتاباً و مئات المقالات يؤرخ لتاريخ السياسة في هذا البلد الجريح ويكشف بمرارة غباء ثلة من الفاشلين تعاوروا علي حكم البلد لمدة أربعة و ستين عاماً لكنهم كانوا أقذاماً ولم يحسنوا إدارة التنوع و (أدمنوا الفشل) و قادوا البلد في ( نفقٍ مظلم) حتى انتهى بنا الحال إلى التمزق و(قصة بلدين) !!
ألا رحم الله الدكتور منصور و أنزله منازل الصديقين.

الجمعة 24/04/2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!