الدكتور منصور خالد.. رحيل الجسد

3


هناك أناس يرحلون بأجسادهم و لكن يتركون خلفهم شعاع من نور يضيء كل عتمة الدكتور منصور واحد من هؤلاء. ترك أرث يضئ عتمة كل العقول المغلقة. في عام ١٩٧٩م تخرجت من جامعة بغداد و بعد حضوري للسودان و في أحد ايام نوفمبر ذهبت لكشك الجرائد وجدت كتاب حوار مع الصفوة للدكتور منصور خالد و هو عبارة عن مقالات كتبت في فترات مختلفة و أيضا شتريت معه مجلة الثقافة السودانية التي نشر فيها بشرى الفاضل قصته ” حكاية البنت التي طارت عصافيرها” و قرأت كتاب منصور و رجعت لكي اشتري أي كتاب له لم اجد في الكشك. عندما تم تعيني في وزارة الإعلام و نقلت للآذاعة أيضا لم أقابل دكتور منصور رغم أنه كان وزيرا للتربية. و بعد الانتفاضة قال إلي الأخ عباس الطيب الذي كان يشغل وظيفة نائيس رئيس مكتبة الآذاعة أن منصور خالد كل يوم يأتي و ياخذ شرائط مسجل عليها مداخلات البرلمان منذ الاستقلال و يجلس في مبني الإنتاج السينمائي في حوش الإذاعة. و تجاسرت و ذهبت إليه وسلمت عليه وقلت له أنني فعلا معجب بكتابك حوار مع الصفوة. لم أخذ من وقته الكثير و لم أراه لأنه ذهب للحركة الشعبية. قابلته منصور في مكتب الحركة الشعبية ذهبت لكي يتحدث ياسر عرمان في الندوة و قلت له نريد أيضا دكتور منصور يتحدث و بالفعل أحضر ياسر عرمان دكتور منصور . لكن المفاجأة بعد شهر من الندوة اتصل بي مكتب الحركة و قالوا أن دكتور منصور سوف يحاضر في المنتدي يوم الجمعة و أعلنا عن الندوة و كان الخضور كبيرا حتى الشقة لم تقبل كل الحضور و أعلن الدكتور منصور في تلك الندوة أن الحركة أسست لواء السودان كجسم منفصل لكنه تابع لقيادة الحركة و كان أول أعلان عن اللواء. و في ذات يوم بالظهر اتصل بي محمد الحسن عبد يسن في المركز و قال انت بتخلص متين قلت الخامسة مساء قال لا تعال نتغدى عندي في البيت بعدين سوف نمشي مشوار. وما كنت بسأل يسين عن المشوار لكن كنت أعلم شيئا مهما جدا و يريدني شاهد للتاريخ و ذهبنا لشقة ليست بعيد عن مكتب يسين قي مصر الجديدة لكن البناية ذاتها كانت تؤكد الذين يسكنون فيها من خاصة القوم. و كان اللقاء مع الدكتور منصور خالد في شقة فخمة جدا في الصالون هناك مساحة لتربيزة مكتب فخمة كان يجلس عليها منصور و بعد دخولنا جلسنا الثلاثة في الصالون. تطرق الموضوع لقضايا شتى عن الحرب في السودان و المعارضة و احتكاكات القوى السياسية و أيضا للحوار مع النظام و كان احمد عبد الرحمن الآسلامي المعروف حضر للقاهرة و قابل يسين و طبعا جاء لكي ينقل مبادرة. و خرجنا من منصور حوال العاشرة مساء اربعة ساعات من الحوار و قابلته كثيرا في زياراته للقاهرة و دائما ندعوه لندوة و كان لا يرفض لنا طلبا. و في أحدي أيام الربيع في القاهرة و لكن الليل ما يزال باردا كنت اتحدث في الصباح مع الشريف زين العابدين الهندي و في ختام الحديث طلب مني أن أقابله في الرابعة بعد الظهر في شقة احمد بلال في شارع النحاس في مدينة نصر و ذهبت هناك و وجدته احمد بلال طبعا و صديق الهندي و محمد خير حسن و حسن دندش. و بعد دخولي جاء الغداء و في السابعة مساء طرق الباب دخل أولا ابراهيم عبيد المخرج التلفزيوني الذي كان يعمل في دبي و معه الدكتور منصور خالد. هذه الجلسة سمعت فيها محاضرة عن الثقافة و الإعلام و دوره في التوعية الشعبية و بعد ساعة تركت هؤلاء و خرجت.و عندما حاول احد القيادات السياسية أن يمنع المنتدى و طلب ترحيلي من مصر كان منصور و عمر نور الدائم و مبارك المهدي و محمد الحسن عبدالله يسن مدافعين عن المنتدى و جاء سيد احمد الحسين عاضد موقفهم. و تحول المنتدى لمركز ثقافي .كان منصور أمة مثقفة لوحده كان رجل عندما يتحدث يصمت الجميع لديه قدرة فائقة في الأقناع و طرح الأسئلة يختار كلماته بعناية فائقة جدا رحم الله منصور خالد بقدر ما اعطى لهذه الأمة من جهده الفكري الذي سيظل باقيا. لكن لأول مرة اعرف أن الأصدقاء حسين الصاوي و المحبوب عبد السلام و ياسر عرمان تربطهم قرابة بالدكتور منصور. عليه الرحمة و المغفرة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!