الدكتور يعقوب محمد فقير (6 يناير 2021) “أرمي الدمعة فوق الدمتين يا عين *** بعد الليلة حابساها الدموع لمين”

41

أحمد إبراهيم أبوشوك

تَطَيَّرْنَا بعام 2020م؛ لأننا فقدنا فيه العديد من الأقرباء الأعزاء والأصدقاء الأوفياء، بسبب جائحة كورونا وغيرها من الأسباب، واستبشرنا خيراً بعام 2021م، ولكن قبل أن نكفكف دموع الحزن القديم ها هو القدر يفاجئنا برحيل الدكتور يعقوب محمد فقير. وداعاً يا صديقي، ليس هُناك أشد قسوةً وألماً مثل رحيل الأعزاء من أمثالك. نعم أنّ الموت حقٌ على كُلِ إنسان، ولكنه يظل الأقسى والأصعب والأفجَع على النفسِ، ولذلك تدمع العين صامتة بحرقة، حاملةً معها مشاعر الأسى الدفين، ومعيدةً شريط الذكريات الذي ربطنا بك وبأسرتك الكريمة طيلة الخمسة عقود الماضية. ويبدأ هذا الشريط بنهاية عقد الستينيات من القرن العشرين عندما كنت، أخي يعقوب، أحد الطلبة النابهين بمدرسة قنتي الابتدائية بنين، وقد شهد بذلك أستاذك الجليل بشير عبد الله البشير، عندما وصفك بأنك الضلع الثالث لمثلث النبوغ، الذي كان يمثل صديقك صالح عثمان صالح وأحمد عبد الله محمد عبد الله ضلعيه الآخرين، ولذلك كلَّفتك إدارة المدرسة آنذاك بالإشراف على كشف حضور طلبة الصف الثاني ابتدائي، وأذكر من زملائي في ذلك الصف وذلك الزمن الجميل المرحوم ياسر حسين البشير، والمرحوم محمد عثمان النوري، والمرحوم الفاتح حسن البشير، وبقية الأحياء منهم، مدّ الله في أيامهم ومتعهم بالصحة والعافية. والتقيتُ بك مرة أخرى في مدينة كورتي، ووقتها كنت مع ثلة من أبناء قنتي النجباء في السنة الثالثة بمدرسة كورتي الثانوية، وأذكر منهم: صالح عثمان صالح، وفريد محمد الحسن، وأحمد عبد الله، وأزهري علي يوسف، وبهاء الدين علي محمد صالح، وعبد الله محمد أحمد محمد خير (ود أمنه)، بينما كنا نحن بالصف الثاني بمدرسة كورتي المتوسطة. وإلى جانب ذلك لقاءاتنا المتكررة في مناسبات أهلنا الطيبين بقنتي، أفراحاً أو أتراحاً، ولا أنسى كذلك لقاءات سوق الأحد حيث كنت من ضمن البائعة غير الرسميين في فرندة السوق الرئيسة. وفوق هذا وذاك لقائي بك بمنزل المرحوم علي محمد صالح بالثورة الحارة التاسعة عام 1982م، ووقتها كنت طالباً بالسنة الرابعة بكلية الطب جامعة الخرطوم، فاقترحت عليَّ زيارة جامعة الخرطوم، وكانت تلك المرة الأولى التي أزور فيها الجامعة، وأعجبتُ بمبانيها (مباني كلية غردون التذكارية)، وأنشطتها الطلابية في قهوة النشاط، ونوعية المأكولات والمشروبات التي كانت تُقدم في صالات الطعام، فشعرتُ بأن الفرق بينها ومدرسة كورتي الثانوية فرق شاسع. وبعد ذلك تواصلت اللقاءات عندما تمَّ قبولي بكلية الآداب جامعة الخرطوم في العام 1982/1983م. وتوثقت هذه الصلة عن طريق العمل سوياً في رابطة أبناء الدبة بجامعة الخرطوم، ولا أنسى سجالاتك مع المهندس الفاتح حاج بلول والدكتورة مواهب الأمين النوري، ولا رحلاتنا المكوكية إلى المنطقة الصناعية بالخرطوم، ومدينة الحصاحيصا، ومدينة ود مدني؛ لجلب الدعم المالي اللازم لأنشطة الرابطة. ولا أنسى أعجابك بكرم المرحوم محمد المدني المكي، وفِراسَة المرحوم يوسف حسن بابكر، وثقافة المرحوم إبراهيم محمد هاشم. ولا أنسى قيادتك للقافلة الصحية لتقديم العلاج لأهلنا الطيبين بمجلس ريفي الدبة في العام 1984/1985م.

هكذا كنت أخي يعقوب في كل أنشطة الرابطة تمثل بالنسبة لنا العقل المدبر، لما تمتلكه من فصاحة لسانٍ، وفِراسَة رأي، وقدرة على الحوار مع الآخر، ومعرفة بوجهاء المنطقة. لكل هذا وغيره، نفتقدك اليوم أخي العزيز يعقوب، ونردد قول صديقنا المشترك الشاعر الدكتور محمد بادي:
أرمي الدمعة فوق الدمعتين يا عين
بعد الليلة حابساها الدموع لمين
نزيف الدنيا من حد البلد غربي
ونزيف الدنيا لاحد البلد شرقي
وجوم عمَّ الليالي العامرة
كل الدنيا خاتة الخمسة فوق الاتنين
رحيلك نجعة.. من دار الفرح والزين
رحيلك طعنة في لهاة الحبى دريفين..
رحيلك وجعة.. فوق درب العليك باكيين
حقاً إنَّ رحيلك كان رحيلاً مؤلماً وفاجعاً؛ لأنك كنت جزءاً من جرس الأرض التي عشت بين ظهرانيها، لا تترفع على الآخرين بكسبك المعرفي، ولا تفوقك الأكاديمي، ولا بهرج المهنة التي أحترفتها، بل كنت معدناً نفيساً لا تغير الأيام صفات تواضعك الجم التي كنت تمارسها سليقةً ومن غير تكلفٍ. إلى جانب ذلك أخي يعقوب كنت مؤمناً بالقضاء والقدر خيره وشره، وأذكر عندما توالت مصائب الوفيات على أسرتكم الكريمة، فكتبت على صفحتك على الفيسبوك مقالاً عن أحد فيضانات النيل بقرية قنتي، بلغةٍ جزلةٍ ومعتقةٍ بمفردات أهلنا الترابلة، بتاريخ 12 أغسطس 2020. وبررت كتابة ذلك المقال بقولك الثاقب: “أهلي الأعزاء الأكارم، حاولت كتابة موضوع مختلفٍ تماماً ومغاير لأجواء الحزن والكآبة منذ وفاة أخي جعفر، وابني سموأل، مروراً بتغييب الموت لوالدتي الروضة، وأخوالي خضر وعبد المنعم، وابن عمي عيسى. أردت أن اشغل أذهانكم بشيء آخر، وأسحب عقولكم من براثن الإحباط، وأستثير قلوبكم لتنبض بنظام وانتظام، لا تتأثر بهرمونات الحزن، ولا يؤثر فيها هرمون الخوف والجزع، فتتسرع وتتوقف، لكم منى التحية والمحبة والسلام”. نعم أخي يعقوب، إنَّ الحياة لا تزال مستمرة بأفراحها وأحزانها، والشمس لا تزال تشرق وتغيب، ولكن الأقدار تفجعنا كل يوم بموت الأعزاء والأصدقاء من أمثالك. نسأل الله العلي القدير أن يجعلك من أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ، وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ. ويكرمها بجنة الفردوس الأعلى مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ويغرس البركة في ذريتك وعقبك، ويلزم أهلك وأصدقاءك وزملاءك الصبر الجميل والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات مغلقة.