الذكرى (39)للشهيد الشريف حسين الهندي ( 1924 – 1982م) 

13

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

بروفايل – أعدَّه للنشر : شريف محمد شريف

 

(1)

 

مدخل :

 

يا أيها المجبولُ من ورد النّهار

عرفت أنَ المجدّ للشُهداء والشُّعراء

واللغة الجديدة والمواقف والحضور

يا أيُّها السَّاعي بريح الرَّمل حين وقفت

تنفض عن كواهلك الصّدى المحروق

أين تركتنا وصعدت نحو الشّمس

تمتشقُ الجسارة والتوهُّج

في مدارات العصورْ…..؟

مصطفى سند

 

من ذا الذي كان يرقب هذه المعجزة  .. وهي تتفجر من ينابيع النبيين ؟

ومن ذا الذي يحيا بها الآن .. ويحمل أمانتها بين كتفيه ، ويمضي بها نحو الخلود ؟

ومن ذا الذي يرتاد الآن .. هذه المشارف السامقة .. ويخاطب الناس من خلف البرازخ صارخا في البرية كالعهد به حيا وممسكا بتلابيب المستحيل .. وهو يبتسم حتى الموت ؟

من ذا الذي يخوض الآن .. عتمات الظلام ، شاخصا إلى الشعلة التي لاتنطفئ .. ولاتموت ؛ حتى لو اختفى هذا الاديم البشري ؟

من ذا الذي كان جزءا من هذا الحب الإلهي .. الذي لايغيض ولاينضب ولا يجف ، لتذروه الرياح ويمضي إلى العدم ؟

من ذا الذي عاصر هذه السيرة ، وشق طريقه عبر هذه المسيرة ، وحمل أثقال العذاب على طريق الآلام  ؟

ها هي الأعوام تستدير كاستدارة الزمان ، ومازال النداء يتيما .. تتجاوب أصداؤه عبر الفجاج ، وماكان له أن يكون يتيما .. وما ينبغي له  !!.

كأنا بعينيك تغفو في محاجرها .. يقظى ؛ وترقب في إغماضها جمعنا ..

صحيح هوت السارية ، واضطرب الحزب والوطن ، والنوء يعصف بالرياح وبالرعود وبالمطر ، لتغادر الجرذان وحدها .. وذلك فضل من الله كبير ؛ فإن السفن ترتفع فوق الأمواج .. ولا زلنا نرى الشاطئ في عينيك قريبا .. اطمئن :

 

سوف تبقى دائما فينا وحادينا .. وتاجا قد صنعناه بايدينا

من الجرح الذي يمشي  .. على الجرح الذي فينا

وإن ضاقت بنا أرض .. فأنت الأرض تكفينا وتأوينا

 

(2)

 

المثل الأعلى :

 

القدوة التي جسدها الراحل الفذ الشريف حسين الهندي في العمل الوطني والحزبي هي التي يجب أن نبحث عنها جميعا  ؛ ويبحث عنها خصوصا أبناء القيادات والبيوتات ، فالرتب الحزبية لاتبلغ الا بتدرج وتدرب ، ولا تدرك الا بتجشم كلفة وتصعب !!.

القيادي حسب موقعه سواء أكان سياسيا أو تنفيذيا أو تشريعيا يجب أن يكون حقليا أكثر مما هو ديوانيا ، وأن يرى بين الناس أكثر من أن تحول بينه وبينهم مراسم السلطة ، وأن يتلقى ملاحظاتهم حول مايعانون ويأملون ، وأن يعمق بين المواطنين مفهوم أنه خادم لهم وليس سيدا عليهم .

حتى يحفز طاقة الشعب للإنطلاق بقوة هادئة الإتزان ، موزونة الأداء ، قيست بموازين العلم والتعلم في تبادلية الحوار الطويل المسترسل بين القائد وشعبه .

هذا المفهوم هو الذي جسده الشريف حسين الهندي ، وجعل منه باعثا للتنمية البشرية ومحققا للثورة الاجتماعية ببعدها الاقتصادي – والتي تمثلت في الإصلاح الزراعي ، وبند الضمان الاجتماعي (العطالة ) ، وكادر الموظفين والعمال يوم أن كان وزير للمالية والاقتصاد .

 

(3)

 

النشأة وفلسفة الاختيار :

 

نشأ الشريف حسين في (بيت دين) هوالثالث من حيث النفوذ ؛ ولكنه رغم ذلك لم يسلك الطريق السهل وينضم إلى حزب الاسرة (الحزب الوطني ) ويصبح رئيسا له !!

ولا هو إنضم إلى حزب الأمة رغم احتضان الامام عبدالرحمن المهدي له !!

ولكن إختار المسلك الوعر ، وذهب إلى حيث يمكن أن يرتقي السلم الحزبي المتدرج عبر العطاء والقدرة والكفاءة والموهبة !!

إختار الوطني الاتحادي ، ولم يبدأ من الصف الأول ؛ لم يقفز الهندي على أكتاف رجال الصف الأول : الأزهري (لابس بدلة الدمور ) ، يحيى الفضلي ، خضر حمد ، مبارك زروق ، محمد أحمد المرضي .. وغيرهم .

بل سار في درب التدرج ، حتى بلغ الموقع الحزبي الأعلى ، والمنصب الحكومي الرفيع – وقد توشحت الوزارة من كفايته بغرة سائلة على وجه الدهر ؛ وبه كذلك ازدانت المواقع الحزبية المختلفة ، وقاد سفينة الجبهة الوطنية .. وخط عبرها افانين النضال – فناً جديدا عامرا وغنيا ومتميزاً – من أروع ماخطته صنوف النضال وافانين التربية الوطنية .

 

(4)

 

برلماني ضليع :

 

خواطر نائب : .. وأدرت نظري في أرجاء القاعة أتفرس وجوه النواب ، وسقط نظري أول ما سقط على وجوه الوزراء ، كانت علامات الراحة وهدوء البال تميز وجوهم ؛ ولم استغرب فقد كانوا يعرفون الأسطورة كلها اذ اشتركوا في إنشائها سطرا بعد سطر ، وحاولت أن أجد نائبا آخر يقاسمني خالجي ، فساق الحظ عيني إلى السيد عبدالقادر ضوالبيت ، النائب المستقل على الأقل في نظري ، وتخيلته وهو يستمتع بنفحات الهواء المكيف الممزوجة بنكهة كلمات المحجوب الشعرية ، ثم تصورته وهو يسرح حتى يصل إلى كثبان “أم كدادة” ويستروح سمومها الذي يلفح الوجوه ، ويلسع الحلوق .

وكان المحجوب في ذلك الوقت يتكلم عن الماء والآبار ، وارتسمت على شفتي عبدالقادر عندئذ ابتسامة لم أستطع تفسيرها ، لعله تذكر الذين يجتمعون بالمئات من الصباح حتى المساء حول البئر فلا يجدون ملئ الدلو الواحد من الماء ، أم لعله تذكر الذين يحتارون في الماء الذين يغسلون به جنائزهم ويقدمونه لاطفالهم ونسائهم ، ترى هل سيحتفظون بالحياة حتى يدركهم ماء المحجوب فيغرقوا في آباره ، أم لعل ماء المحجوب هو السراب الذي قدمه لهم النائب الذي سبق عبدالقادر فحسبه الظمآن في “أم كدادة ماء ” .

وتركت صديقي عبدالقادر وأشباح الناخبين في أم كدادة تطرد نسمات الهواء المكيف من ذهنه ، وانصرفت عيناي إلى زميلي السيد خاطر مهدي ، وكان المحجوب في تلك الآونة يتكلم عن الأمن والاستقرار وعن العدل وعن مجهود حكومته لترد عن المواطنين عبث العابثين .

واستطعت في هذه المرة أن افسر الابتسامة التي رسمها خاطر على وجهه .. كانت مزيجا من الرثاء والاشفاق ، لقد عاد خاطر  لتوه من دائرته “بدار مساليت ” ورأى عبث العابثين بعينه المجردتين لا بنظارة المحجوب الملونة .. رأى البيوت وهي تحرق والأشجار وهي تقلع ، ورأى مواطنه وهو يربط ويضرب وينهب  .. كان خاطر واثقا من معلوماته ، فلم يؤثر عليه التخدير المنبعث من مكيف الهواء ، فتركته ، وتملكني السخط  ، وحاولت أن أجد شيئا أصب عليه جام سخطي ، فلم أجد غير مكيف الهواء ونسماته التي تحجب عن كثيرا من الرجال الواقع الذي يعيش فيه إخوانهم  .. كم تمنيت أن يكون معظمنا أقوى من مكيف الهواء ، وكم أتمنى أن يتعطل مكيف الهواء عندما يتكلم مبارك زروق حتى نحس بالجحيم الذي يعيش فيه الناخبون .

تلفت حولي أبحث عن مكبرات الصوت عندما نهض زعيم المعارضة ، ولم يطل بحثي عنها ، ما أغباني أن الحكومة التي لم يتحمل وزراؤها كلمات مبارك زروق لا يمكن أن تذيع حديثه الذي ترك خطباءها أشلاء مبعثرة ، ثم إن مبارك نفسه ليس في حاجة لمن يذيع خطابه ، ولم يكن الشعب محتاجا لاستماعه من مذياع الصامت الرسمي بلسان الحكومة .

فقد كان مبارك يترجم خلجات الملايين ويفصح عن أحاسيس الجميع ، ومضت الساعات كأنها دقائق ، وتوقف مكيف الهواء مشاركا لنا حدادنا على خطاب الدورة وحدادنا على قضية الكادحين ، واحترمت قضية الكادحين ، واحترمت مكيف الهواء للمرة الأولى ، وأيقنت أن كثيرا من الآلات الجامدة أشد تجاوبا وأكثر إحساسا من كثير من الناس .

لم يكن مبارك يرد على خطاب الدورة بقدر ماكان يخطط سياسة تمناها لبلاده وأرادها لمواطنيه …وتفرست في الوجوه التي تواجهني أراقب تأثير كلمات مبارك عليها ، واخطات عيناي الصفوف الأمامية تعمدا .. لم تكن أكثر الكلمات تأثيرا لتؤثر عليها .. كانت قد انتوت أمرا وابرمت خطة ، ولم تكن الآيات المبينات نفسها قادرة على أن تغير ما بأنفسهم ، واستقرت عيناي على زملائي من نواب الأحزاب الحاكمة في الصفوف الخلفية .. كانت انفاسهم مربوطة بصوت مبارك ،  تعلو عندما يعلو وتهبط عندما يهبط وتستقر عندما يستقر ، وشعرت كما لم أشعر  قبل ذلك بوحدة مشاعرنا جميعا ، وتخيلت قوة الرباط الذي يمكن أن ينتظم كل النفوس الصافية التي لا تحمل في نفوسها إلا الولاء للوطن وحده .

وأي قوة ضخمة ستطلق من عقالها لو كفر هؤلاء بأي ولاء آخر يتعارض مع ولائهم الكبير لوطنهم الكبير .. أي مصلحة شخصية يدافع عنها هؤلاء وهم ليسوا من أصحاب المصالح ولم يهبوا أنفسهم للدفاع عن مصالح الآخرين .. ماذا لو كرس كل منا رأيه ووهب صوته لمصلحة الناخبين وحدها .. اتفق مع من يتفق معها واختلف مع من يختلف معها .. ما أعظم المسئولية الملقاة على عواتقنا جميعا ، وما أقسى الامتحان الذي نتعرض له وما أشد حاجتنا للشجاعة .

واصطدمت خواطري بالواقع المرير ، وتبينت القوة الضخمة الرهيبة التي تحول دون ذالك كله .. لم تكن المسألة اقتناعا ، ولم تكن خطأ أو صوابا ، فالخطا واضح والصواب أوضح ، وليس بينهما أمور متشابهة .

وودعت أحلامي وأنهيت خواطري ، عندما انتهى مبارك ووقف محجوب .. لم يترك بلاغة إلا وتقمصها ، ولم يرحم كلمة واحدة في قاموس الفصاحة .. أشقى نفسه وأشقانا ، وأشقى نظارته التي كان يتلاعب بها .. البس الباطل ثوبا قشيبا من صنعه وحده ، وعمد إلى الحق فنضا عنه ثيابه الفضفاضة ، ومع ذلك لم يصل إلى قرار نفوسنا .. كانت هناك مؤاخذة واحدة على محجوب .. لم يكن الحق في جانبه .. ما اتعس المحامي البليغ إذ يدافع عن القضايا الخاسرة .. لم يكن مبارك أكثر اشراقا من محجوب بقدر ماكانت قضية مبارك أكثر وضوحا من قضية محجوب .. وتخيلتهم بلا محجوب  .. ما أشد حيرتهم عندئذ ، وما اشبههم بالمتهم الذي يقف وحيدا أعزل أمام المحكمة .

 

(5)

 

مواقف ومشاهد في العمل الحزبي :

 

إني أسير إلى العلا والفجر يكمن طي قلبي

وهتاف شعبي في دمي فوار صخاب بجنبي

أنا لن أخون قضيتي حتى أعانق فيها تربي

وطني وإني ثائر أنا أشرف الأحزاب حزبي

حزبي الذي قاد النضال وحرر السودان حزبي

 

بعد إعلان إنضمامه للحزب الوطني الاتحادي العتيد ، إنطلقت المسيرة يتقدمها الحسين والجموع من خلفه ، وكسب بذلك الحزب قائدا جسورا توفرت فيه منذ صباه الباكر عوامل العظمة ومقومات البطولة وأسباب المجد والنجاح ، فقد كان ذكيا ، شجاعا ، مقداما ، مصادما ، حكيما ، مشمرا لخوض أعتى المعارك ، صبورا في أحلك اللحظات وكان النصر دائما حليفه .. وقد جرت العادة أن الليالي السياسية هي ميدان كسب الجماهير لا سيما إبان فترة الإنتخابات .. وكان الشريف رجل المرحلة وخطيب المنابر ومحرك الجماهير .. ما أوكلت إليه مهمة في إقليم من الأقاليم إلا حققت نصرا مؤزرا  .

* يروي الأستاذ سيد هارون  .. أنَّ الشريف حسين حكى بنفسه يوما في لندن عام 1978م  بحضور كوكبة من أعضاء الحزب عندما سئل عن أصعب المواقف التي عاشها وهو يمارس نشاطه السياسي الجماهيري .. أنه قال كنت ذات مرة بمدينة شندي مع الناظر بعد ليلة سياسية ، فجاء رجل من منطقة جنوب شندي وكان تاجرا في قريته وطلب منا ليلة سياسية ، وذكر أنه وحده بالقرية يؤيد الوطني الاتحادي والباقون شعب ديمقراطي .. فقلت له أبشر سناتيك أنا والناظر ونقم لك الليلة السياسية .. قال : فتبسم الناظر وقال لي الراجل قال ليك هو وحده ، فقلت للناظر هذا حقه علينا وهذا واجبنا تجاهه ، قال وفي اليوم المحدد وصلنا القرية بسيارتين ومعنا مايكروفون بطارية ورتينة ، ومعنا الشاعر ود الرضي والجاغريو ، وما أن بدأنا نجهز أنفسنا حتى أحاطت بنا جماهير القرية نساء ورجالا يحملون العصي والسياط ويتجادلون مع بعضهم  .. كيف نعتدي على الناظر وعلى ود الهندي .. فانفعل مضيفنا فقلت له أهدأ ولا تحرك ساكنا ، ثم بدأنا بالقرآن الكريم ثم تقدم ود الرضى وألقى قصيدة رائعة في تمجيد أهل المنطقة أعقبه الجاغريو بصوته الطروب .. ثم أمسكت بالمايكروفون وبدأت أحي أهل المنطقة والحضور ، وتحدثت عن المنطقة ونضالاتها والطرق الصوفية ودورها في الإصلاح خاصة الطريقة الختمية .. ثم دلفت متحدثا عن مجاهدات السيد علي ومكانته .. فما كان من الجموع الثائرة إلا أن هدأت وبدأت تزحف نحوي شيئا فشيئا حتى جلسوا أرضا مندمجين وبدأت النساء يزغردن والرجال يهتفون .. وختمت حديثي عن معركتنا مع حزب الأمة فصاح الجميع بهتاف الاتحاديين وقتها أحرق .. أحرق .. وأخيرا قلت لهم شكرا لهذا الرجل الذي مكننا من لقائكم في هذه القرية الطاهرة .. وقبيل أن أنهي حديثي بدأ الجميع يتعانقون وذبحت الذبائح وأكرمنا أيما كرم .

ذلك كان أسلوب الشريف حسين في تعامله مع الجمهور ، يعرف نفسياته ويعرف كيف يخاطبه ، لذالك لم يكن صعبا عليه إكتساح الدوائر المستعصية على الحزب .

 

* يروي البروفيسور  عبداللطيف البوني .. أنَّه تقاطر الناس من كل حدب وصوب على ظهور اللواري والكوار ، وعلى ظهور الحمير مباشرة بعضهم بسروج وبعضهم عري ..كان السبب الأكبر في هذا الاحتشاد التلقائي في هذه الليلة السياسية هو أن السيد الشريف حسين الهندي وزير المالية والإقتصاد وقطب الحزب الاتحادي الكبير سوف يخاطب الليلة ..

وقصة الشريف مع مشروع الجزيرة قصة استثنائية ..  فهو يراه كنز السودان ؛ كان المشروع بعد الاستعمار قد أصبح ( كالضل الوقف مازاد )  .. إذ تمحنت الحكومات الوطنية في أمره فأصبح حال المزارع يشفق .. حتى جاء الشريف وفتح الأسواق العالمية للقطن فبدأت الحياة تدب في جيوب المزارعين ، ولذا هتف له المزارعين صادقين : ( أكان ماهندينا كنا عرينا ) والعري مرحلة بعد الجوع والمرض .

الذين كلفو باستقباله لا يعرفون من أين أتى؟ ، هل من جهة الخرطوم أم من جهة مدني ؟ … وما أن سرى خبر وصوله إلا واتجه الحشد نحو سيارته .. وبصورة جنونية علا الصراخ  (الهندي الهندي .. على الطلاق ياهو الهندي ) .. ولم يعطوه فرصة للنزول ، بل حملوا السيارة في الهواء واتجهوا بها نحو المنصة .. ولعلع الرصاص واختلط بالصراخ ووصل الهتاف عنان السماء (كان ماهندينا كنا عرينا ) .. ، وعند المنصة فتحوا باب السيارة ومن مقعدها صعد الشريف للمنصة مباشرة … الهندي على المنصة وكأنه قد هبط من السماء .. الشعر السبيبي الطلق المسافر في كل الدنيا ، الكرفتة الطائرة ، الوسامة  الطاغية والعيون المتسعة ، والصوت القوي الجاذب ، واللغة السليمة المنسابة  … ( في الخرطوم إجتمع الآن سمك ، لبن ، تمر هندي … ، مسلم متزمت ، طائفي رجعي ، وكنسي متصلب ، … أسموه القوى الجديدة ، أي جديد في هذا القديم البالي؟  ) وطبعا الإشارة هنا إلى تحالف حسن الترابي ، والصادق المهدي ، ووليم دينق .

ولعل الأخ الأكبر عبدالرحمن الهاشمي ( حمدان ) الذي كان المنظم الأكبر لتلك الليلة يحفظ هذه الخطبة حتى الآن عن ظهر قلب !!.

ثم عرج الهندي على مشروع الجزيرة ، وقال إنه خرج اليوم من الصباح الباكر وطاف المشروع وحده ، وقابل المزارعين في حواشاتهم ، ثم أتى إلى بركات من جهة الجنوب ، وقابل المحافظ عند الغروب والذي كان ينتظره من الصباح ،  وتباحث معه ثم أتى إلى هذه الليلة السياسية … ، وتحدث كثيرا عن علاقة الإنتاج بيد أني لم أفهم ماذا قال ساعتها ؟! .

مازال هذا الحدث عالق بذهني كأنه حدث اليوم ، ومازلت أجدد قراءته كلما استدعيته لذهني .

واليوم أتساءل هل يمكن أن يحب الناس سياسيا لهذه الدرجة من الهوس  ؟

هؤلاء الناس المحتشدين المنتشين الذين حملوا السيارة ليس لهم أي علاقة خاصة بالهندي ، وليس لديهم أي اعتقاد ديني فيه مع أنه من بيت صوفي ، ولا يرجون منه أي مطمع خاص ، وبعضهم ان لم أقل معظمهم لم يروه من قبل ،وربما لن يروه مرة أخرى ، والاغرب أن بعضهم كانت الدموع تتساقط من عينيه وهو يقول شي عجيب والله !! .

فترة نجومية الشريف حسين الهندي كسياسي ووزير كانت محدودة قبل أن ينتقل إلى المعارضة من الخارج …

ولكن يبقى السؤال ماذا كان يمكن أن يحدث له ويحدث منه لو استمرت تلك الفترة من الديمقراطية الثانية ، ولم يظهر نميري بانقلابه في مايو 1969م ؟ .. هل يمكن أن نقول أن هذه البلاد غير محظوظة ؟؟

—————-

 

وحقا كان الشريف حسين كما قال عنه شاعر الحزب الأستاذ / عباس الجيلاني :

ولا يخشى الطغاة إذا تمادوا .. يقارعهم بأنياب طوال

خطيب في المنابر لا يجارى .. بليغ في الخطابة والمقال

يلاقي النائبات بكل صبر ..  يشمر حين يمضي للقتال

ويصمد للرزايا إن دهته .. تراه مشمرا في كل حال

سخي الكف معطاء كريم .. يفيض عطاؤه قبل السؤال

شجاع لا يهاب من المنايا .. إذا لاقته قال لها تعالي

وللوطن العزيز تراه دوما .. يناضل كي يراه في المعالي

 

(6)

 

الصداقة الخالدة :

 

يقول الشريف كانت صلتي بالامام الهادي قوية وثابته ، لم يؤثر عليها مرور عشرات السنين ، ولا عبور العديد من المشاكل ، ولا اختلاف الانتماءات السياسية ، وكان تقديري لصفاته الخلقية ولدينه ووطنيته واستقامته وامانته ووفائه .. وليدة التجربة المستمرة والمعايشة الدائمة ، منذ أن كنا أطفالا ، وكان يكبرني ببضع سنوات .. ولم تكن وليدة الاسم ولا اللقب ولا الاسرة ، بل هي ثمرة التجربة الطويلة المتواصلة والاختبار اليومي في صغار الأمور وفي كبارها .. خلقت بيننا ثقة متبادلة ومحبة متواصلة .

كنت أعرف أنه المتدين ليس بالوراثة ، والأمين ليس بالأسرة ، والوفي بغير اللقب ، والشجاع لا بالولادة ، بل بالمعدن والأصل والطبع والخلق ..

وكنت أعيش مشاكله والامه ، وآماله ومثله وقيمه كما لم يعشها ؛ ولم يعرفها أقرب الناس إليه من أفراد أسرته .

وكنت مستودعا لادق أسراره ، وشريكا أصيلا وفيا له في مساره ..

كنت قد شرحت له الموقف في الخرطوم ومحاولاتي لمنع الانقلاب ، كان مهتما ويساعد مجهوداتي لثقته المطلقة في ..

قال إن هذا موقف يحتاج لامور لن يستطيع غيرك القيام بها …

 

* كانت بين الشريف والإمام مودة تعود لايام الصغر ، لم يفسدها إختلاف الانتماءات السياسية ، ولم تعكرها كل معارك الشرف في ساحة الديمقراطية !!.

… ، وكانت وصية قالها الامام على مجمع كبير من الناس لانصاره  وهو يودع الشريف إلى مهجره  (إذا الم بي شيئ فالحقوا به فاني موصيه عليكم ) !! .

وكانت وصية غالية عند الشريف ، وصية حملها في حدقات عيونه ولم يرمش له جفن ، حملها في حنايا ضلوعه ولم يهتج عليه نفس ، كان أمينا عليهم ، وفيا لهم ، قويا بهم ، خاض بهم ومعهم معارك شرسة ضد النظام !!.

 

د.يوسف الشويري

 

 

ك   (7)

 

كان الشريف حسين الهندي  وجها مبرزا للمعارضة السودانية ، ملئ العين والبصر ؛ لم يقصر في نشاطه الاعلامي والعسكري والتنظيمي .. بعزيمة صادقة ؛ فإذا هو بمفرده جيش عرمرم يضرب القدوة في المثابرة والمصابرة والتحدي ؛ لم يراف  على نفسه ولعل ذلك مااودى بحياته وهو في ذروة العطاء .

حين كان العمل يتطلب من الشريف رفع الصوت بالكلمة المرة جهر بصوته .. وحين كان العمل يقتضي حمل البندقية تحامل على ألمه وحمل البندقية موغلا في الصحراء .. وحين كان العمل يتطلب منه سهر الليل تحمل أعباء مرض السكر واعياء القلب والبدن وسهر الليل .. وحين كان العمل يتطلب منه الصبر على الجدل صبر وجادل حتى تعبت منه اللهاة .. كان في كل مكان ، وفي كل عمل ، ولقد كان بإمكانه (لو شاء ) .. أن يعيش مرتاحا في بحبوحة بما تحت يده من مال ؛ ولكنه آثر عيشة الجندي المقاتل في اخشيشان الجندي المقاتل ومات – حين مات – في ميدان القتال مابين الجبهة والجبهة !!.

 

صلاح أحمد إبراهيم

 

(8)

 

 

 

علمتنا وما أكثر منا تعلمناه منك :

 

علمتنا  أن الديمقراطية هي تلك التي يعيش فيها الإنسان حر الفكر ، وحر المعتقد ، وحر الرأي ، وحر القول والعمل ، وأن الاشتراكية هي عدالة الطمأنينة المشروعة ، التي لا تجعل للطموح قيدا ، ولا تتخذ للطمع استغلالا ، ولا يعرف فيها الفرد طعم الحاجة المر ، ولا يتأذى فيها بتخمة الشبع من عرق الآخرين .. ويمتد فيها النظر عبر أجيالها المقبلة ، بغير التضحية بجيل أو بعض جيل .

مثلما علمتنا أن الجادة هي ألا يطمس اليمين أعين الحقيقة الحضارية ، وألا يبعثر اليسار معالم التراث ، ويدفن المنابع القومية .

كما علمتنا أن القيادة هي نكران للذات ، وفناء في المجموع ، وعيش بالحس الوطني ، وضرب للمثل الأعلى رائع السمت والخلق والتكوين ، وأنها حب أساسي للناس كل الناس ، وايثار للناس كل الناس ، ورعاية وعناية يستظل بها حتى الأعداء ، ويجدون فيها العفو والصفح والتسامح والغفران.

وعلمتنا أن كل الكبار آباؤك ، وكل الاتراب اخوانك ، وكل الصغار أبناؤك ، من غير أن يفرق بينك وبينهم دين ، ولا لون ، ولا لغة ،  ولاحزب ،  ولا معتقد .

وعلمتنا كيف يكون الرجل أمة وحده ، ويكون قوما ، ويكون وطنا ، ويكون إنسانية برمتها .

وعلمتنا كيف يفنى الإنسان في قضية ، حتى تحيا بحياته .. وتتنفس بأنفاسه لا يخاصم إلا فيها ، ولا يصالح إلا فيها ، ولا يفكر إلا بها ، ولا يحيا إلا لها ؛ وكيف يكون من أجلها روحا لا يدركها التعب ، وطاقة لاينالها النقاد ، وجسما لايهده الجوع ، وأعينا ساهرة لايطرقها النوم .. ولا يغشاها النعاس كما يغشى الناس .

وعلمتنا أن الخوف والدعة والراحة ، والرفاهية والاسترخاء هي أعداء الداء للنضال والكفاح

 

الشريف زين العابدين الهندي

 

(9)

 

 

 

بقلم الآخر  :

 

خلال عملي لمدة ثماني سنوات في البنك الدولي (1968 – 1961م ) .. لم يستوقفني ويدهشني محافظ من محافظي البنك – بحكم مناصبهم كوزراء للمالية – كما استوقفني وأدهشني شريف السودان ..في نقده لسياسة البنك الدولي في التمويل .

 

مذكرات روبرت ماكنمارا – رئيس البنك الدولي ووزير الدفاع الأمريكي الأسبق

 

إن موت هذا المناضل .. يفتح جرحا عربيا عميقا وشاسعا ، زاخرا بالتراث النضالي لأمتنا .. موته نموذج للموت العربي المعاصر ، حيث الاستشهاد ممكن في كل مكان .. في الوطن .. والخندق .. وساحة الحرب .. وفندق المنفى !

وموته تذكير بالفجائع التي يجرها علينا بعض قراصنة الوطن ، من مقيمين مغتربين أيضا باصرارهم على سرقة الأرض بحجة تحريرها .

هذا الرجل الذي ولد في أفريقيا وأحبها ، وحالف آسيا وحمل همها ، ومات في أوربا ، يذكرنا بعشرات النبلاء أمثاله ، الذين تساقطوا قبله في الغربة ، وسيتساقطون بعده في الغربة ، كي يردوا الوطن إلينا من غربته ؛ لأجله ، ولاجلهم جميعا أصلي ، وصوتي الريح ، وقلبي قصبة مثقوبة .. وأتساءل بحزن غاضب ، ترى من الشهيد القادم ؟  في أي منفى ؟  أي قدر ؟ أية غربة ؟ أية فندق ؟ وما رقم الغرفة هذه المرة ؟

 

الكاتبة الأدبية السورية غادة السمان

 

في إستعادة حياة الشريف حسين الهندي ومبادئه ، مايلهم السودانيين لتركيز الأنظار على الأخطار المحدقة ومعالجتها ، انطلاقا من إيمانهم بالديمقراطية كعقيدة ونبراس ودليل عمل يومي .

 

د.يوسف الشويري – أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة (اكستر) بانجلترا ، ورئيس تحرير مجلة الدستور اللندنية

 

* مقال للكاتب العربي غسان الإمام في أصداف ولآلئ – جريدة الشرق الأوسط   (لم يتم العثور عليه ) .

* مقال للكاتبة السياسية والشاعرة والأديبة المصرية أماني فريد ( الشريف حسين .. العقلية السياسة والاقتصادية الجبارة ) – لم يتم العثور عليه .

 

(10)

 

 

الوفاء يابني وطني الأعزاء :

 

فلينظر  الجيل الجديد ماذا هو فاعل لهذا الصنيع ، وهذه الثمار ، وهذه الديار ، حتى نعيد إلى واقع الممارسة الوطنية أعرافها النبيلة ، التي تناساها كثيرون ، الأمانة والتفاني والعفة ، بالولاء لله وحده ، من خلال الوطن كله ، والمواطنين جميعهم ، والإنسانية جمعاء .

لكم التحية آباءا ، وأمهاتا ، واخوانا ، من على البعد مرفرفين بأجنحة الوعد الحق ، والفجر الصادق ، لتغوص إلى عمق مكنونات قلوبكم الناصعة العامرة بذكريات الأمس المجيد ، والمرتبطة بمسؤوليات الغد الجديد .

وليكن لسان حال كل واحد منكم للرجل :

سأصون عهدك دائما بين الضلوع وفي العيون

رغم اغتيال الصحو في كبد القلوب

وتظل ياابتي تسافر في دمي

واراك رمزا للنضال وكل أسباب الوفاء !!

 

التعليقات مغلقة.