الرجل النادر في الزمن الغابر

6

وفقا لمفهوم صيرورة الحياة دائما تتضافر ظروف الزمان والمكان تناسقا مع جدلية التاريخ تصنع اشخاصا مميزين..يشار اليهم بالبنان…صنعوا لانفسهم تاريخا وسيرة عطرة تتناقل وتتوارث من جيل الي جيل مزينة بالمواقف والسيرة الحميدة والمواقف الجميلة تعتقها مرور السنين والاعوام…تظل نبراسا وجذوة لا تنطفأ كلما تذكرناهم وتذكرنا حسن صنائعهم وجمائلهم…يذكرهم الخيريون بماثرهم ويقدحهم اولئك الذين في قلوبهم مرض الحقد والحسد..الذين يريدون اندثار سيرتهم عنوة واقتدارا وعن قصد..ليبنوا مجدهم الجديد علي حطام وانقاض الماضي التليد .
الان اود ان احدثكم عن رجل عصامي بنا نفسه بنفسه في زمن اظنه كان اغبرا… وعلي اقل تقدير استطيع ان اصفه بعبقري زمانه…لا مجاملة …ولا عصبية…ولم تمليها علاقة الدم ولا العصبية..بل فرضتها الحقيقة ..ولاخير في ان لم اقلها..فهذه شهادتي لله..فان كانت شهادتي مشروخة..فيمكنكم ان تسالوا اترابه وانداده واجياله والذين عاصروه في زمانه ومكانه والمنطقة كلها وما جاورها.
احسب انه رجلا نادر في زمن غابر…في وقت شح فيه كل شئ…وسائل التواصل والاتصال..وسائل العلم والمعرفة ..شح الموارد المالية وادوات الانتاج والتسويق..ظل هذا الرجل شامخا علما يشار اليه بالبنان بعبقرية فذة استطاع ان يتجاوز كل هذه الصعاب ويصبح الرجل الاول في التجارة والزراعة وضوء قبيلة وسط اهله وعشيرته صمدا يساعد المحتاج..يغيث الملهوف..يعطي بدون من ولا اذي..يتصدي لمشاكل اسرته الصغيرة والكبيرة..بحكمة ورؤي ثاقبة…كما لعب دورا هاما في رتق النسيج الاجتماعي وقدمتهم للمجتمع كاحسن ما يكون..متمشيا مع قول الرسول (ص ) (خيركم خيركم لاهله )
استغل ذكاؤه المعهود وبصيرته المتقدة..فاصبح سر التجار..واصبح شخصية معروفة في كل المنطقة من كرمة الي كريمة…مستفيدا من وسيلة النقل التي كانت متوفرة انذاك..البواخر النيلية التي كانت تجوب المنطقة من كرمة الي كريمة…حتي اطلق عليه عمال البواخر (البحارة ) بالتاجر العريان…الجلابية والعراقي والتوب
وكانت هذه اللبسة تدل علي الاناقة والدعة والراحة
كان انيقا ونظيفا يختار اطيب العطور والاكل والشراب والمسكن..واول من عرف ثقافة الطوب الاحمر في البناء ويشهد ديوانه الذي كان قائما علي ذلك.
كان زاهدا في دنياه صرف جل ماله في نفسه واهله وذوي القربي واليتامي والمساكين ايمانا منه ان الدنيا فانية وتظل الذكري الحسنة باقية.
ومما يؤكد انه كان عبقري زمانه انه عرف طريقه جيدا للتسويق والدعاية والاعلام الشئ الذي لم يكن معروفا في ذلك الزمن الا قريبا…فطبع علي ظروف خطاباته ومراسلاته (ميرغني سيداحمد الحاج واولاده تجار ومزارعين بقنتي )
اي عبقرية هذه واي نضج هذا!!!

حاول تعليم اولاده قدر المستطاع..بما جاد به ظلام وجهل تلك الفترة من تاريخ السودان وقدمهم للحياة باحسن ما يكون.
تعلموا منه فنون التجارة والزراعة وكذلك السياسة والاجتماع
فمثلا العم سيداحمد ميرغني…الرجل الهادئ الخلوق الرزين الحكيم…كان القاسم المشترك الاعظم في فض نزاعات الاراضي علي حدود السواقي وكان بلسما للخلافات التي تنشب في التعدي علي حدود السواقي والجوار في وقت كان يصعب فيه احضار مهندسين مساحةمن مروي…وكل المزارعين يقتنعون طواعية بما يقول ويقسم ..ذلك لمعرفتهم وثقتهم التامة في قوله وفعله…رحمه الله رحمة واسعة.
اما ابنه الثاني..عبدالله ميرغني..فالحديث عنه يطول…غادر القرية في بداية عمره..الي مدينة مدني…كانت داره منتجعا امنا لابناء قنتي وخاصة الطلاب الذين هاجروا من اجل العلم واامعرفة…كانت مستنيرا فعرف من الوهلة الاولي ضرورة العمل الجماعي..فشارك في تكوين اول نقابة مطلبية تحفظ حقوق العاملين بتكوين نقابة سائقي التاكسي..ثم استمر بحسه وروحه السياسية فكان عضوا فاعلا في ااحزب الاتحادي الديمقراطي..ومشاركته الفعالة في حركات التحرر الوطني ومؤتمرات الخريجين مع الاستاذ محمد خير التي كانت سببا في استغلال السودان…فهذا نموذج اخر واحسبه بطلا قوميا.
اما الابن الاوسط…عبد الغفار ميرغني..يتوسط العقد الفريد ..وسطا كخير الامور…فهو الاكثر نشاطا والاوسع معرفة باهل قنتي وفرقانها وعربها وبدوها لانه الاكثر التصاقا بالبلد وباحوالها
الاجتماعية من افراح واتراح وزواج وطلاق ومأتم وعزاء وكل المناسبات الدينية والاجتماعية من صلح ووساطات واجاويد.
اما الحركة السياسية فهو احد اركانها واعمدتها الرئيسة في النقاش والتوازنات في مصلحة البلد واهلها…
كان حليما وذكيا بارا بوالديه كريما جوادا كالريح المرسلة..
كانت داره منزلا للضيوف الهجعة..كانت داره معروفة لجميع اهل المحلية والمحافظة والولاية باجمعها.
وكان سخيا كريما يحب الضيف ويكرمه..رفيع العماد..طويل النجاد..كثير الرماد اذا ما شتا
كان يمارس حرفة التجارة التي الي حد ما تفوق حرفة الرعي والزراعة…وتعتبر اكثر تقدما تكسب صاحبها كثيرا من المهارات في شتي المجالات وانحاء الحياة
مارس التجارة تقريبا في كل ولايات واقاليم السودان في الشمال وفي الوسط والغرب حتي تشاد وافريقيا ألوسطي وفي جنوب السودان حتي يوغندا وما جاورها من البلاد الافريقية.
هذا التماذج الثقافي واللغوي والعادات والتقاليد اكسبه مزاجا وطعما وذوقا لا يضاهي فانت لا تمله لانه يحوي الكثير من المعارف والحكاوي والاشراقات المفيدة المضيئة.
في الختام..لكم العتبي حتي ترضوا اذا اطلت او نسيت
رحمهم الله جميعا وربنا يجمعنا بهم في علييين .. والسلام.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!