الزعيم إسماعيل الأزهري نصف قرن على الرحيل

3

 

في الساعة الرابعة من عصر الثلاثاء السادس والعشرين من أغسطس عام 1969 أسلمت روح الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري ورحلت إلى خالقها راضية مرضية وندعو الله أن يدخلها في جنته.
فارق هذه الفانية عبداً فقيراً إلى ربه، غنياً بحب شعبه الذي أفنى جل حياته من أجل تحريره ورفاهيته وبحب كل الشعوب الناشدة للحرية والعدالة والديمقراطية.
ومضى شهيدا كما يريد الله أن يأخذ الأبطال والمناضلين وقوفا، مرفوعي الرأس والضمير والهمة ويجعل جل وعلا الخزي والعار وسبة التاريخ لجلاديهم. هكذا يسير أصحاب الرسالات والقيم النبيلة وتظل سيرتهم نبراسا وهدى وهداية.
يصبح مآل الجبابرة عظة وعبرة تاريخية تلاحق ذكراهم النتنة.
مضى على الرحيل المؤلم نصف قرن من الزمان.
وفي هذه الحالات تقام في كل بلاد العالم الحر المهرجانات والفعاليات السياسية، تمجيداً وتقييما لصاحب الذكرى، لكنها مرت مرور الكرام في بلد خارج من ثورة عارمة ضد حكم غاشم، ظالم ومستبد وهو يتلمس خطاه المتعثرة من أجل الديمقراطية والتي لطالما نادى بها الراحل العظيم وضحى من أجلها حتى آخر لحظة من حياته العامرة بجلائل الأعمال، فماذا دهى شعب السودان حتى يصل إلى درجة فقدان الإحساس ولا أقول النكران، فالتاريخ لا ينسى و لا يتنكر لمثل هؤلاء العظام.

هو إسماعيل بن سيد أحمد بن أحمد الأزهري بن إسماعيل الولي المدفون في الأبيض حاضرة كردفان.
تعود أصوله إلى دبة الفقراء في محلية الدبة التي تضم مجموعة من القرى إضافة إلى جزيرة تنقسي. ومن هذه القرى هاجر الكثير من الأسر في القرن قبل الماضي إلى كردفان وسكنوا وعمروا كثيرا من المدن مثل الأبيض وبارا وأم روابة وغيرها.
وهذه المنطقة الواقعة عند منحنى النيل الشمالي هي موطن ومنارة للعلم والمعرفة و الثقافة وقدمت الكثير من العلماء والدعاة والأدباء في الأدب الشعبي المحلي والعربي.
تعود أصول كثيرا  من الأسر الكردفانية إليها، كآل شداد وآل قريش وآل يسن وآل سوار الذهب و آل دوليب و غيرهم.

ولد الزعيم في بيت علم ودين في مطلع القرن الماضي ونشأ وترعرع في ذلك الجو المشبع بروح المعرفة والتطلع الإيجابي في التحصيل العلمي والثقافي.
تلقى تعليمه الأولي والأوسط في أم درمان ومدني.
ومنذ البداية أظهر ذكاءً خارقاً وتفوقاً بيناً وجرأة في الإقدام والتصدي. كتب الأستاذ حسن نجيلة: إن في إحدى تلك السنوات حدثت ظاهرة حيرت الجميع تتمثل في وفاة كل من ينزل إلى داخل بئر معينة وكانت ظاهرة لم يستطع أحد فك طلاسمها وازدهرت خيالات الشعوذة في التفسير الممزوجة بأمور غيبية. وبينما الناس في حيرتهم هذه، أرسل التلميذ إسماعيل الأزهري رسالة لإحدى الصحف فسر فيها بطريقة علمية سليمة الأسباب التي تؤدي إلى الوفاة داخل البئر. وكان ذلك أول ظهور عام للتلميذ النابغة الذي شكل ميلاد رجل متفرد في كل صفاته وأفعاله.

في تلك السن المبكرة أتيحت له فرصة زيارة وفد الأعيان و السياسيين إلى بريطانيا مرافقة لجده قاضي القضاة كمترجم له، أن يتعرف ويتحسس دروب السياسة وقناعتي الشخصية أن تلك الزيارة كان لها الأثر الكبير في تخلق وعيه السياسي وفى رسم خريطة مستقبله العلمي والسياس. وعززت إيمانه الراسخ بالديمقراطية.

عمل مدرساً في عطبرة و أم درمان.
بعث مع اثنين من أقارنه إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج فيها في عام 1930. وفي جلسة مع هؤلاء الأقران تساءلوا بينهم ماذا يريد كل منهم أن يفعل مستقبلاً فقال لهم الزعيم بأنه يريد ان يطرد الإنجليز من السودان! !
وبذلك تنبأ بمستقبله من حيث لا يدرى.
لقد تحقق له ما أراد.

بعد ضرب وإجهاض ثورة 1924، بدأ نوع جديد من المقاومة ضد الاستعمار البريطاني تمثل في قيام الجمعيات الأدبية التي ضمت معظم المثقفين والمبدعين. وكانت تملك رؤى فكرية وسياسية تحركها في الخفاء بعيدا عن أعين المستعمر وكانت لهذه الجمعيات أذرعها في المدارس والمصالح الحكومية. وكان الزعيم من خلال عمله معلماً، ناشطاً وبفعالية ظاهرة، جعلته عرضة للملاحقة والاستجواب والعقاب.
عندما ضاق بحمل رسالة المعلم الأكاديمي التي صارت عائقا أمام رسالته الكبرى، اختار حمل رسالة المعلم السياسي واستقال وتفرغ كاملاً للعمل السياسي. وقاد مع رفاقه نضالاً سياسياً سلمياً ذكياً وكان لتجربة المهاتما غاندي دور كبير في تشكيل تلك الرؤى والرسائل النضالية.
تبلورت تلك الحركة الشعبية فى أنشطة متعددة قادت إلى تكوين نادي الخريجين الذى كان الزعيم رئيسا له عام 1943. وانبثقت فيما بعد الأحزاب السياسية.
وفي نفس ذلك العام شكل مع عدد من المفكرين والمناضلين حزب الأشقاء. واستطاع في فترة وجيزة أن يجعل كل مدن وقرى السودان الكبيرة في شبكة تنظيمية مترابطة. وزار كل أصقاع السودان المترامية الأطراف وكانت له مقدرة فائقة على معرفة كل الأسر في تلك الأصقاع وكان يسأل عنهم فرداً فردا وهي مقدرة إلهية لا تتوفر إلى أصحاب الحظوة. ولهذا كان التفاف الشعب حول شخصه وزعامته له أسبابه مبرراته.

قاوم كل محاولات الاستعمار البريطاني في فرض واقع جديد يخالف تطلعات الشعب نحو الاستقلال، كالمجلس الاستشاري لحكومة السودان والجمعية التشريعية التي قال عنها: نرفضها وإن جاءت مبرأة من كل عيب.

وفي مرحلة التطور الطبيعي للنضال الشرس والمقاوم للإستعمار، قاد الزعيم وفد الأحزاب السودانية لمفاوضات مصر والسودان عام 1946 في القاهرة ثم اتفاقية تقرير المصير في عام 1953.
في عام 1953 صار رئيساً للحزب الوطني الاتحادي وفي ذلك العام أجريت انتخابات برلمانية وفاز فيها الحزب بالأغلبية المطلقة وترأس حكومة السودنة وأنجزها في أقل من المدة المحددة وظل رئيساً للوزراء حتى عام 1956.
وفي 19 ديسمبر عام 1955 أعلن استقلال السودان من داخل البرلمان في خطوة كانت مفاجأة للجميع. وأنا على يقين وقناعة بأن هذا هو التاريخ الحقيقي لاستقلال السودان وليس الأول من يناير.
في 1 يناير أنزل علمي بريطانيا ومصر ورفع علم السودان ذا الألوان الأزرق والأصفر والأخضر، الذي سيعود إلى ساريته إذا طال الزمان أو قصر، لأنه إرث وطني وتاريخي لكل السودانيين، والأمة لا تلغي ذاكرتها أو ترمي بها في سلة المهملات.
فى عام 1955 قاد وفد السودان إلى مؤتمر باندونق في إندونيسيا وبذلك كان السودان من الدول القليلة التي أسست لمعسكر دول عدم الإنحياز.
في عام 1956 سقطت حكومته الوطنية بتحالف السيدين علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي.
في عام 1958 سلم رئيس الوزراء عبد الله خليل السلطة لعبود منعاً لوصول الحزب الوطني الاتحادي للسلطة كما تشير توقعات وإرهاصات الانتخابات المتوقع إجراؤها في ذلك الوقت.
قاوم الزعيم وكما كان متوقعاً الانقلاب العسكري وفي مرحلة زج به في السجن ورحل مع بعض المناضلين إلى جنوب السودان.
بعد ثورة أكتوبر عام 1964 صار رئيساً لمجلس السيادة من 1965 حتى عام 1969.
وحين سطا العسكر على السلطة بقيادة الطاغية جعفر نميري في مايو 1969، اعتقل الزعيم وزج به في السجن إلى أن لقي ربه شهيدا.
هذه قطرة من فيض حياة الزعيم الشهيد الحي. وستظل سيرته ومسيرته و مواقفه نبراساً يضيء الطريق للجيل الحاضر وللأجيال القادمة.

له الرحمة والمغفرة، جعله الله من أصحاب اليمين وأن تكون له جنة الفردوس نزلا.

د. علي إبراهيم

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!