الساقية: وقفة في رحاب البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم

1

أحمد إبراهيم أبوشوك

عندما كان البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم (ت. 2004م) يجمع في مادة كتابه القيم “الساقية”، استشهد أحد المُخبرين في الدويم عليه بأبيات لأبي العلاء المعري:

سيَسألُ ناسٌ: ما قُريشٌ ومكّةٌ *** كما قال ناسٌ: ما جَديسٌ وما طَسْمُ؟

أرى الوَقتَ يُفني أنفُساً بفَنائِهِ*** ويَمحو، فما يبقى الحديثُ ولا الرّسمُ

لقد جَدّ أهلُ الملعَبينِ، فأثّلوا *** بناءً، ولم يَثبُتْ لرافِعِهِ وسْم

علَّق أبوسليم على هذه الأبيات قائلاً “إنَّ أمر طسم وجديس كان مشهوراً بين العرب، وإن قصتهما كانت شائعةً، يعرفها الكبير والصغير، فلمَّا دار الزمن، وابتعد العهد، نسي الناس ما كان مشهوراً وذائعاً، وأضحوا يسألون مستفسرين، وربما مستغربين أو مستنكرين، وما جديس وما طسم!”. ويرى أبوسليم أنَّ المعري قد بالغ في التصوير عندما افترض أنه سيأتي يوم، يجهل الناس فيه قبيلة قريش ومكة أم القُرى، مؤكداً بذلك حقيقة ماثلة في التاريخ أنَّ الموت يحصد الأرواح، وأن الدهر يفني الرسومات، ومآثر الناس، وعاداتهم، وذكرياتهم التي كانت متداولة بينهم تواتراً ومشهوراً. واحترازاً من آفة النسيان انجز أبوسليم كتابه الرائد عن الساقية، التي كانت تمثل مَعْلَماً بازراً من مَعَالم قُرى الشمال الواقعة على ضفاف النيل، حيث تشكلت حولها حياة الناس، وعاداتهم الاجتماعية، وقيمهم الاقتصادية؛ ولكن نوائب الدهر جعلت تلك الرافعة المنتجة في ذمة التاريخ، ولم يبق من حضورها الدائم على ضفاف النيل وأحاديث الترابلة إلا مادوَّنه أبوسليم في ثنايا سِفْرِه الجامع.

يقول أبوسليم عن الساقية:
“الساقية لغة هي جدول الماء أو قناته، ثم استعير اللفظ وأطلق على الآلة المعروفة لأنها تسقي، وبهذا الاسم عرفت الآلة في كل البلاد العربية التي استعملتها، أما في البلاد التي لم تعرف الساقية فما زال لفظ الساقية يعني جدول الماء، والاسم النوبي الذي يطلق على الساقية (أسكلى) يدل على مهمتها وهي دفع الماء من الأسافل إلى الأعالي، واللفظ الأفرنجي لا يوحي بالسقي كما هو الحال في اللفظ العربي، أو الضخ كما هو الحال في اللفظ النوبي وانما ينصرف الى القوة التي تحرك الآلة سواء كانت ماء أو هواء فيقال آلة الهواء أو آلة الماء. وعلى ذلك يفضل العلماء الغربيون لفظ الساقية العربي على الالفاظ المقابلة لها في لغاتهم. ومن الآلة انتقل اللفظ الى الأرض التي تزرعها الساقية، تمييزاً لها عن الأراضي التي تزرع بالمطر وغيرها، ثم صار اللفظ مدلولاً على قطعة الأرض التي تزرع بساقية. وظل اللفظ مستخدماً في العديد من نواحي السودان، حتى بعد أن ابطلت السواقي؛ ولكن بمعنى وحدة من الأرض كالحواشة في وسط السودان.”

رحم الله أستاذنا أبا سليم رحمة واسعة، فقد كان صاحب بصيرة نافذة، وقدرة فائقة في اختيار موضوعات أبحاثة، ولذلك ترك إرثاً علمياً ثراً للأجيال القادمة، شملت إسهاماته المتفردة أدبيات المهدية ومصادرها، وسير بعض الأعلام في السودان، وتحقيقات بعض الكتب النادرة، وعادات أهل السودان وتقاليدهم، التي رصد طرفاً منها في كتابه “أدوات الملك والولاية في السودان”، و”البيت النوبي”، كما كتب عن تاريخ الأرض في سلطنة الفونج، وسلطنة الفور، والدولة المهدية، ثم ربط قضية الأرض بتوثيق نادر عن الساقية التي كانت تروي الأرض في الشمال، وتجسد شعار نأكل مما نزع بحق وحقيقة.

التعليقات مغلقة.