الساقية

1

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

توطئة
كانت الساقية معلما بارزا في كثير من مناطق شمال السودان
وظلت الالة الرافعه للمياه زمنا طويلا في مساحات واسعة من وادي النيل جنوب مصر حتي وسط السودان
قبل ادخال طلمبات المياه الحديثه ~
ترفع المياه مباشرة من النيل واحيانا من الابار التي نسميها ب (المتره)
تصنع من شجر السنط وقواديسها من الطين المحروق علي هئية ازيار صغيره (قله) وادوات الربط تصنع من الياف النخيل (الاشميق)
اما الاجزاء الدقيقه
يتم ربطها بشرائح من جلود البقر لايدخل في تصنيعها اي اجزاء معدنية
ظلت الساقية محتفظه بهيكلها واجزائها واسمائها القديمة حتي عهد قريب
ومن اهم اجزائها حسب اسمائها النوبية ~~

الحلقة الكبري
وهي الترس الاكبر الذي تحركه الابقار بواسطة ( التكم )
وهي تتكون من عدة اجزاء منها ( السندقيق ) وهي التروس المركبه وبواسطتها تتحرك الحلقه القلب ثم ( التوريق ) ثم دولاب المياه ~
المشق
بكسر الشين المشدده وهو العمود الرئيسي الذي تثبت فيه الحلقة الكبري ( محور الارتكاز )
الذي تدور بواسطته الحلقة الكبري وترتكز قاعدته علي قطعه خشبيه (الكديس)
ويثبت راسه في ( الديو )
الحلقه الكبري لها 40 سندقيق كل سندقيقه تقابلها واحده من الحلقه الصغري تعمل بنظام دقيق ~
وقد ذكر الشاعر ابراهيم ابنعوف كلمة ( المشق ) في ابيات له قائلا
قالوا الدنيا يامحبوبه تجمع يوم ويوم تفرق
بس نان مالا مابتجمعنا والا ده ماهو متحقق
صح ماليها امان والله
لي مضيقي ( المشق )

ومن اجزائها ايضا
الديو
وهو العمود الممتد افقيا فوق المشق ويثبت فيه الجزء الاعلي من المشق
التكم
عامود له فرعان ( شعبه كبيره ) يثبت جزعه في المشق وينسج بين فرعيه بالحبال ليجلس عليه ( الاروتي )
ومن التكم يمتد حبل طويل غليظ ويربط في ( الاسلام ) الذي يوضع علي اكتاف الابقار
الحلقه الصغري ( الحليقه ) عباره عن ترس اصغر تشبه الحلقه الكبري بواسطتها تتحرك الكبري ومن ثم يتحرك ( التوريق ) وهو العمود الرئيسي وبواسطته يتحرك دولاب المياه الذي يحمل ( الالس والقواديس )
والالس حبل غليظ يثبت عليه القواديس
في العاده تدار الساقية بواسطة اثنين من الابقار وفي بعضها واحد يطلق عليه ( ثور الارقوق )
ونحن صبية في بدايات العمر وجدنا مجموعه من السواقي موجوده منها ساقية الحاج سيداحمد قرجاب
وساقية الحاج ابو كور
وساقية جدنا الزبير ابو قرن كلها كانت متعطله
الوحيده التي رايناها تعمل هي ساقية الحاج محي الدين عبد الجليل
رحمة الله عليهم جميعا
بالطبع كانت في قنتي الكثير من السواقي التي لم نحضر زمنها يقال انها اندثرت بعد قيام مشروع الكلد الزراعي

ساقية الحاج محي الدين عبد الجيل كانت ترفع المياة من بئر عميقه وواسعه يسمونها ( المتره )
وكنا نرعي الاغنام بالقرب من هذه السواقي في الفضاء الواقع جنوب القرية ( الكرو )
والمكان هذا كان يزرع زمن الانجليز بالقطن وبعض المحاصيل كما سمعنا من اعمامنا
لكن توقفت الزراعه في هذه المساحات واحتلتها اشجار العشر ونبات ( التشق )
وهو علف صالح لتغذية الاغنام
كنا نرعي الاغنام في هذا الفضاء ونلهو ونطارد الجراد ونصطاد الطيور
ونمارس لعبة ( الطور )
وهي لعبة تلعب بواسطة ( بعرالجمال )
وعندما يجف ريقنا من العطش نذهب الي ساقية الحاج محي الدين عبد الجليل ثم ننبطح علي الجدول الرقراق ونشرب حتي تمتلي بطوننا ومن ثم نتناول شي مما يزرع هنا من الطماطم والعجور
ثم نركب علي ( التكم ) وندور ونلف خلف الثور القوي الصبور في حلقه مغلقه
ونحن في قمة النشوة علي صوت الساقية وخرير المياه
زخات من مياه القودايس ترشق وجوهنا عندما تهب رياح الشمال قويه وتبعثر الماء المتساقط من القواديس
مما يزيد درجة نشاطنا ويزداد لهونا اناقة
وجمالا

ونغني _____

الساقيه لسه مدوره
صوت القواديس والمياه طلعت مشت متحدره
والساقيه طاحونة الانين
طول الليالي مدوره
تحت الهجير تحت الظلام تحت المطر
عز الشتاء
تعمل الساقية في كل الفصل دون توقف لري المزوعات الشتوية والصيفية
تعمل ثلاث ورديات في اليوم
الفجراوي والضهري والعشاوي
وفي قمة المتعه ونحن ندور مع الثور
ننسي مراقبة الاغنام التي تنفلت عائده الي حظائرها
ونعود نحن الي بيوتنا لتناول افطارنا علي امل العوده بعد منتصف النهار في نوبة اخري من الرعي واللهو
كان اجمل مافي قريتنا هو صوت الساقية في
صباحات الصيف الباكره وقبل شروق الشمس وهي ترسل انينا متصلا ناتج عن احتكاكات سندقيقات الحلقات عند ملامستها لبعض
ديك يصيح وكلب ينبح وحمار ينهق
وشوشة رياح الشمال كل هذه الاصوات تندمج مع بعضها وتنتج لحنا جميلا
انها سيمفونية الحياة
تروي هذه السواقي مساحات صغيره من القمح والذره والفول والخضروات في كل المواسم ولكنها تكفي اصحابها
كان البعض منا يقفز داخل هذه الابار العميقة الساكنه بمياهها الزرقاء ويسبح فيها
اما انا كنت افضل السباحه علي ترعة المشروع ___
كنت اخاف منها خصوصا عندما تهبط الشمس نحو الفروب وتمتد ظلال الاشياء نحو الشرق ويهبط الظلام في داخلها ويحولها الي بقعة سوداء ~
كنت اقف فوقها واتخيلها بوابة تودي الي مدائن الجن وممرا يقود الي المجهول عميقا في باطن الارض
خاصة عندما اري نبات الحلفا وجزور النخيل متدلية بداخلها في شكل شبكة صياده تنعكس صورتي علي وجه مياهها الزرقاء
ويتردد صداء صوتي بداخلها فاحس بالقشعريره تسري في بدني
فابتعد مسرعا نحو القرية
لكن في الصباح وبقية النهار يتبدل ذلك الاحساس الي شي من المتعة والمرح بجانب هذه الساقية
هكذا استمرت الساقية وسيله لرفع المياة لسقي الارض قبل استبدالها بطلمبات المياه ~
وكانت ملهمة للشعراء وذكري جميله لنا ولاجيالنا في هذه الايام الخالية من الجمال والامتاع
وللحديث بقيه ة

احمد مكاوي
مارس 2020

التعليقات مغلقة.