السياسيون “العواجيز” وأغاثا كريستي!

2

عبد الجليل سليمان

يُنسب للروائية الإنجليزية الشهيرة أغاثا كريستي، أن بعضهم سألها: لماذا تزوجت من عالم آثار؟ فقالت: لأنّي كلما كبرت زادت قيمتي عنده!
ومثلما قالت الروائية، نقول إن لكبار السِن من السياسيين السودانيين قيمة عندنا، كما لهم من الاحترام والتقدير والتبجيل الكثير، لكن ذلك لا يعني أن ندعهم وشأنهم، طالما أصروا على ممارسة السياسة وهم على شفير أرذل العمر أو تجاوزوه. ليس ذلك فحسب، بل إنّهم جُربوا واختُبروا من قبل، فما قدموا لهذه البلاد غير الفشل وسوء المنقلب.
ما الذي يجعل الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني ومحمد محتار الخطيب، وغيرهم على رأس أحزابهم حتى اللحظة، وقد تجاوزت أعمارهم الثمانين ومتجهين نحو التسعين؟ وماذا عن الشباب في هذه الأحزاب، ماذا عن طموحاتهم وأحلامهم المشروعة في تولي المناصب العليا وإحداث التغيير اللازم والضروري، والقيام بالتحديث والتطوير؟ ولماذا لم يفكر أحد من هؤلاء بالتنحي من تلقاء نفسه، وأن يعتذر حتى ولو تم انتخابه، وأن يخطب في الناس قائلاً: أعذروني، لن أتولى أي منصب في هذه الحزب، وسأكون جندياً مخلصاً له، وأقدّم له خلاصة تجربتي وعُصارة خبراتي كلما احتاج إلى ذلك!
لماذا لم نسمع أحداً من هؤلاء يفعل ذلك؟ وهل من المنطق أن لا نجد حالة استثنائية واحدة.
إذن، ورغم أننا نُقدّر كبارنا، لكننا لسنا علماء آثار، مثل زوج أغاثا كريستي، حتى يزداد هؤلاء قيمة عندنا؛ كلما طعنوا في السن، ثم إنّها تحكي على المستوى الشخصي (زوج)، فيما نتحدث نحن في المستوى العام، وزراء ورؤساء وزارات وأحزاب، يرسمون سياسة البلد وتتأثر حياتنا كلها بما يصدر عنهم، وبما يقررونه.
كيف لبلدٍ شاب مثل السودان (جل سكانه من الشباب)، أن يحكمه هؤلاء، أصغر واحد فيهم بلغ أكثر من (64) كرئيس الوزراء عبد الله حمدوك، أما المذكورون أعلاه، فلا تحصى أعمارهم، بل يُحسبون في الغابرين!
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يبلغ عمر صديق يوسف (88) وإبراهيم السنوسي (83) وعلي الحاج (81) ومحمد مختار الخطيب (78) وغازي صلاح الدين (69) وعبد العزيز الحلو (66).
أكثر هؤلاء شباباً على تخوم السبعين، ولا أحد منهم يفكر في المغادرة، مما يعني أحد أمرين، لا ثالث لهما، إما إنهم يعتبرون أنفسهم (سيوبر بشر) لم يخلق الله في الأولين ولا الآخرين مثلهم، وإما أن أحزابهم غير ديمقراطية، وما يحدث فيها من انتخابات محض تمثيليات بارعة، وتدليس مبين.
بطبيعة الحال، هناك احتمال ثالث، وهو إن الشعب وجماهير أحزابهم، شديدة (الإنبساطة) منهم، لما قدموه من أعمال جليلة وتضحيات عظيمة، ولما وضعوه من خطط وبرامج نهضت بأحزابهم وبالبلاد إلى مصاف الدول المتقدمة في بضعة سنين، الأمر الذي أدهش العالم وجعل السودان دولة مصنفة ضمن دول العشرين، “وهكذا يعني”.
هؤلاء، ببساطة شديدة، هم ركن ركين من أزمة البلاد، إذ يحملون في أدمغتهم عقليات متخشبة، لا تعبر عن هذا الجيل المتمرد والمتعلم أيضاً، جيل الإنترنت والتقنيات الحديثة والانفتاح اللامحدود على العالم، والجيل (الراكب راس) كذلك.
فإذا لم ، يقيلوا أنفسهم، لن تُقال عثرة البلاد. سنظل نكرر ذات الخطاب المموه الكاذب، وسنتحدث ذات اللغة المداهنة المُتحجرة، ولن يكون لدينا خطط أو برامج ، سنشتغل بسياسة (رزق اليوم باليوم) ونعود إلى تسول دول الخليج، وستشتعل الحروب مجدداً، فمن غير هؤلاء يزكّي نيران العنصرية والقبلية من أجل تحقيق مكاسب (انتخابية) ضيقة؟
وختاماً: دعونا نلخصها في عبارة جامعة مانعة: “إما أن يجلس هؤلاء، وإما يجلس الوطن”، ولكم الخيار، ولي حق أن أقول لكم يوماً ما “مش قلت ليكم الكلام ده من زمااااااان”

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!