الشاعر المرهف والإعلامي المصادم عثمان عوض ضرار:

36

 

 

* نحتاج أولاً لتفكيك التمكين الثقافي والإبداعي وترقية أجهزة الإعلام وإخراجها من تقليديتها ورتابتها

* معظم المثقفين السودانيين كانوا عُرضة للاستقطاب والاستخدام بما لايخدم مصلحة الجماهير مع الاستثناء

* ركل المحاور والتكتلات مرهون بإنتاجنا سلعاً تتجاوز الإقليمية للأسواق العالمية بالجودة المطلوبة

…..

عمل في مجالي الصحافة واﻹنتاج الفني. أصدر ديوان شعر ( مرسوم أول لحبيبة استثنائية). من أبرز أعماله الشعرية (طفرة في الذات البشر – بت من فوق – سوق عكاظ – مرسوم أول لحبيبة استثنائية – ساساق على درب الغُنا الإشراق).
له أعمال غنائية مع معظم فناني الطنبور.

إنه الأستاذ عثمان عوض ضرار الشاعر المرهف والإعلامي المصادم.. صاحب قلم رفيع المقام نلتقيه في هذه المساحة من مختلف..
حاوره:
مرتضى عمر
عامر عثمان (جهراي)

فمرحبا به وبكم وإلى مضابط الحوار:

* خريج حنتوب والخرطوم حتماً هو مميز ومختلف..
حدثنا عن هاتين التجربتين.
-حنتوب كانت مجتمعاً كبيراً متعدد الأعراق والثقافات ومسرحاً مفتوحاً على الذهن يغذيه بالوعي ويرقيه، إذ كانت محفلاً أكاديمياً وفنياً ورياضياً وثقافياً والمنافسات بين داخلياتها مدعاة لتطوير ما يمتلكه طلابها من مواهب في المجالات كافة.
تعرفت على المستوى الشخصى على كل أنواع الشعر بما كان يقدمه طلابها على خشبة مسرحها من شعر خاص ومستلف رغم أني وقتها لم أجرب كتابة الشعر، وكنت شغوفاً بقراءته والاستماع له، تعرفت وقتها على الشاعر محمد طه القدال عبر (مسدار ابو السرة لليانكي) وغيره من شعراء الإنسانية أو شعراء المقاومة، فشكَّل كل هذا أفقاً جديداً وفتح أمامي مسارات للمعرفة.
حنتوب كانت أكثر ثراءً من جامعة الخرطوم لأن كل طلابها يقيمون في الداخليات، ولا يسمح لطالب بالسكن خارجها، ولو كان ابن المدير، وهذا الحضور المستمر جعل من أمسياتها مهرجانا متعدد الأوجه.
جامعة الخرطوم وقتها كانت معيارا للوعي بإرثها النضالي وبقيمتها الأكاديمية وطالب حنتوب يأتيها من أجواء اجتماعية وسياسية ومعرفية تشبهها لذلك ينخرط في نشاطاتها ويقودها.

* كصوت في داخلك لمن تقرأ شعراً ونثراً ورواية ورؤية ثقافية ؟
– القراءة تتدرج مع تدرج الفكر فكل أبناء جيلنا قرأوا في مكتبات مدارسهم الروايات الخفيفة الترفيهية والإسلامية ثم بعد ذلك يبدأ الميول في تحديد منصات القراءة. تبادلنا وقتها مع الزملاء روايات يوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وأحمد رجب ومجموعات نزار قباني حتى أن العلاقات مع الجنس اللطيف كان تبادل الكتب إحدى لغاتها الرفيعة.
وجدت في منزلنا مكتبة عامرة بالشعر العربي، إذ أن والدي كان حواراً للمتنبي وصديقاً للأعشى وجرير والفرذدق وهذه القراءات جعلتني أبدأ كتابة الشعر باللغة الفصيحة قبل أن أكتشف أن للعامية سحراً أيضا.

* الثقافة في كل الدنيا قائدة وراجحة. لماذا في بلادنا ليست كذلك ؟
– نحن من البلدان المتخلفة والبلدان المتخلفة يحكمها أناس يكون كل همهم الحفاظ على هذا التخلف ليبقوا حكاماً دون مهددات.
الديكتاتوريات تأتي بمطربيها ومثقفيها من عاطلي الموهبة وبأقلامها التي تسبِّح بحمدها وبأعلامها فتصنع بذلك واقعاً ثقافياً وإبداعياً زائفاً يضع المبدع الحقيقي في خانة المعارض ويحاربه بالتضييق عليه أو بقتله كما في حالة الشاعر ابا ذر الغفاري. في بلادنا وخلال ثلاث حقب كان التفكير ممنوعاً إلا للعقول الغبية والعقول المدجنة والعقول العاهرة وكان الحمار هو الفيلسوف الملهم.
لهذا حضرت البندقية بكثافة حين تم تغييب الثقافة الحقة والأدب الرفيع وصار الاستفزاز نوعاً من البلاغة السياسية والإعلامية.

* الفعل الثقافي فعل مجتمعي، كيف نصنع الرؤية في مجتمعنا السوداني لينطلق بها وبالثقافة كحركة كاملة؟
– الفعل الثقافي يحتاج لبيئة تشجعه وتجعل منه هدفاً استراتيجياً وتؤمن بقدرته على ردم الهوة النفسية بين مكونات المجتمع السوداني وإزالة الغبن وإحداث سلام داخلي يغسل كل الترسبات السالبة التي نتجت من أخطاء السياسيين.
الحرية أول شروط الفعل الثقافي ومن ثم رعاية الأعمال الإبداعية والمبدعين وإقامة مهرجانات حرة ليس لها علاقة بالتوجه السياسي ولا وصاية عليها وحفظ حقوق المبدعين واعتبارهم منتجين وتقييم سلعتهم بما يوفر لهم الدافع للاستمرار.
العهود الظلامية وظفت الثقافة لخدمة أجندتها وتجميل وجهها القبيح مستغلة في ذلك فقر المبدع بعد أن أغلقت عليه سبل الكسب بتعطيل المسرح بالضرائب الباهظة والضرب على الدراما التلفزيونية والإذاعية. وتوقيف الغناء واعتباره رجساً من عمل الشيطان قبل أن تعود وتوظفه بما يخدمها في ما عُرف بليالي الخرطوم لإلهاء الشعب عن ملامح الفشل التى بدأت تلوح في الأفق وقتها.
الحقيقة أن مثقفي السلطة البائدة لايزال بعضهم في الواجهة يناقضون أنفسهم بثورية مصطنعة وكأن الشعب السوداني بلا ذاكرة.
نحتاج أولاً لتفكيك التمكين الثقافي والإبداعي وترقية أجهزة الإعلام وإخراجها من تقليديتها ورتابتها ثم يأتي الحديث من بعد ذلك عن دور الثقافة في نهضة المجتمع.

* ماذا ينقص المبدع السوداني ليجد مكانه عالمياً؟
– لم نستفد من تجربة الطيب صالح والأفق الواسع الذي فتحه للأدب السوداني. فالطيب حقق سقف العالمية باستخدامه المكون المحلي في التعبير عن قضايا وجودية وقضايا جوهرية كصراع الثقافات ومؤشرات العالم الجديد وغيرهما.
المبدع السوداني لم يلحظ ذلك، فترك موروثه الشعبي المتميز، وصار يكتب متأثرا بعوالم لا تمثل واقعه وبيئته، وصار يغني بعيداً عن ثراء إيقاعاته وآلاته المحلية.
فالعالم يحتاج لمن يدهشه. لمن ينقل له تفاصيل لم يسمع بها من قبل، لشكل جديد من الفن لم يألفه وهكذا.
غير هذا ضعف تأثير أجهزتنا الإعلامية إقليمياً بل ومحلياً واهتمامها المتعاظم بالبرامج السياسية وحصر خارطتها البرامجية في وجوه غير جاذبة ومملة بالإضافة لإحباط المبدع السوداني نتيجة لعدم تقدير السلطة والمجتمع له.
متى ما نطلقنا من محليتنا وتركنا التمثل بالآخرين سنفتح طريقاً سالكاً للعالمية.. متى ما تجاوزنا إشكال الهوية والإقصاء الثقافي.

* من جعل المثقف السوداني بلا جماهيرية ليقودها بعمق ورؤية للأهداف الكلية؟
– الأسباب كثيرة منها فشل النُّخب السياسية في بناء الوطن، ومن ثم بناء مجتمع منفتح على بعضه البعض وعلى الآخر ، وهذا الفشل أثر تأثيراً كبيراً في مكانة المثقف في المجتمع وفي دوره في القيادة والتأثير على الجماهير باستثناءات قليلة.
ثم إن مواقف المثقفين من أنفسهم ومن السلطة متباين إلى مرحلة التضاد وهذه المواقف تُحدِث تشويشاً لدى المتلقي يجعله في حيرة قد تقوده إلى الكفر البائن بما يطرحونه من مواقف وآراء يهدم بعضها البعض.
فللأسف معظم المثقفين السودانيين كانوا عُرضة للاستقطاب والاستخدام بما لايخدم مصلحة الجماهير مع الاستثناء، ففي الفن كان مصطفى سيد أحمد ملاذاً لأصحاب المبادئ الإنسانية، وظل حميد حتى بعد قيام الثورة المُلهم الأعظم للجماهير المتعطشة للحرية والعدالة الاجتماعية والسياسية، فهو الصانع الماهر لأحلام الشعوب مسلوبة الحقوق.
المثقف إن لم يكن صاحب مبادئ لا يحيد عنها مهما كانت التحديات سيصير مثله مثل المسيح أو المسيخ الدجال منافقاً من الدرجة الأولى ومضللاً وضليلا.

* في صراع الهوية السودانية بين العربية والأفريقية.. برأيك أيهما أقرب؟
– مسألة الهوية مثل مخلوق برأسين وعقلين منفصلين عن بعضهما في التفكير أنا مع خصوصيتنا أي مع (السودانوية) دون تصنيف عِرقِي بعيداً عن الانتماءات الصارخة.
بالضرورة لسنا عرباً وكذلك لسنا أفارقة، ومسألة الهوية للأسف حاولت السياسة أن تحسمها لصالح العروبة، فصرنا أعضاء في الجامعة العربية مع دول لا تعترف بعروبتنا، وهذا المأزق كلفنا حروبات عبثية خسرنا فيها استقرارنا وفرصتنا لبناء دولة قوية.

* هل ضعفنا في اكتشاف بعضنا البعض كان سبباً في خلق حالة انقطاع ثقافي يصلنا معاً كمجتمع وشعب؟
– للأسف لم نستفد من التنوع الثقافي واتجهنا عكس ذلك بجعله معترك، فالكل يحاول إثبات أن ثقافته هى الأعلى وأنه ابن الحضارة أو أنه أحق بالسودان من غيره مما عضد العصبية وجاء بتصنيف مناطقي بغيض.
هناك مثقف شفاهي ينقصه الوعي وينقصه الإيمان بما يقول، فيأتي سلوكه نقيضاً لما يقول أي أننا نعاني حالة انفصام ثقافية مُضرَّة جداّ عمَّقت جذور إشكال الهوية.. فالمثقف هو من تسبب في انفجار الأوضاع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وهو من فصل الجنوب، فالاستعلاء الثقافي من جانب والغبن الثقافي من جانب آخر أدى إلى تأجيج الصراعات وخلق رأى عام في مناطق النزاعات بأن ثقافة الآخر عبارة عن استعمار يجب مقاومته بالسبل كافة.
لذلك نحتاج لكثير من العمل حتى يكون التنوع مصدر قوة وليس معول هدم.

* كتبت العديد من المقالات والنثر والأشعار.. أين تجد نفسك أكثر؟
– في بواكيري كان الدافع لكتابة القصيدة أكبر وهذا امر يبرره العنفوان والتفتح العاطفي، ثم وجدت أن القصيدة بمحيطها الضيق وقيودها لن تستطع التعبير عن الأفكار، فاتجهت لكتابة المقال واتخذته مهنة
الآن لا أكتب إلا قليلا جدا، فقد صرت لا أحتمل وجع الكتابة، فالكتابة عمل شاق ومتعب وبالذات كتابة الشعر.
وقد عبر عنها الشاعر الراحل محمود درويش بأن قال : الكتابة عموما لحتراق وكتابة الشعر موت بطئ.

* عملت في الصحافة والإنتاج الفني.. أيهما أقرب إليك؟
-الصحافة حبيبة لنفسي وتركتها عندما نزع النظام البائد أمانتها وحولها لتلميذ مطيع.

* هل أنت مع قياسات البعض بأن العصر الذهبي لكل تفاعلنا الثقافي الجميل كان في السبعينيات وما جاء بعد ذلك تراجعاً فقط ؟
– فترة الستينيات والسبعينيات هي الفترة التي أعقبت تحرُر معظم الدول العربية والإفريقية من اللستعمار وبالتالي هي فترة بناء الهوية في تلك الدول. فشهدت نشاطاً ثقافياً وأدبياً رفيعاً، وكان هناك اتصال بين أدباء تلك الدول وتواصل عبر الإصدارات الثقافية التي قرأنا بعضها، كان الهم العام هو إبراز الثقافة القطرية والعربية رافقتها سياسيا الحركات الوحدوية، ولكن وكما يقولون حدث ماحدث.. فقد جاءت انظمة عملت ضد أحلام شعوبها وأوقفت مد الوعي الشعوبي واتخذت التجهيل منهجاً ونجحت في ذلك، بل تعدى الأمر إلى الحال التي عليها الآن معظم الدول العربية.. ومن الطبيعي في ظل هذه الأنظمة أن يكون العلو للثقافة الاستهلاكية وللأصوات التي تعمق التغييب، ولك في المشهد السوداني مثال لذلك.

* لنتجاوز السؤال من يقود الآخر السياسي أم المُثقف؟ لنضع سؤالاً أكثر تحريراً للبحث عن كلمة حل لمن تكون القيادة أو كيف نصنع القائد المُثقف في إتجاهات عملنا كلها، وفي ذلك محاولة للقول: لا اختلاف في من يقود ولكن كيف يقود، ولو كانت الثقافة هي المحرك لتحقق بعض النجاح ؟
– المثقف بطبيعة تكوينه غير ميال للحكم، ولكافة أشكال القيود الوظيفية وخلافها، فالمثقف هو المرآة التي يجب أن ينظر لها السياسي ليرى نفسه بوضوح، فمهمته توعوية ونقدية، ومن الطبيعي إذا اكتمل وعي شعب ما يصعب حكمه بما لا يتوافق وطموحه، فالجهل صنع الطائفية وأمدَّ عمر حكم الكيزان، في الأولى عصبية غير واعية وفي الثانية استخدام الجهلاء بقليل من الفتات للمواكب والتجمعات المصنوعة ..
المثقف يقود الدولة من خلال تنوير الشعب وتطوير فكره وتبصيره بحقوقه لا بالحكم المباشر.
الثقافة عندنا شوفونية ولم يستفد السودان من مثقفيه الحقيقيين أمثال الأستاذ محمد أبوالقاسم حاج حمد ومنصور خالد.

* شاعر وإعلامي مميز ولكنك شحيح في الظهور علي وسائل الأعلام.. لماذا؟
– ظهوري في الأجهزة الإعلامية ليس بيدي، نعم اعتذرت عن بعض الدعوات لطبيعة شكل المشاركة التي لا تناسبني. المهم أن فرص الظهور في الإعلام ليس لها معيار ويحظى بها من يحتفظون بعلاقات داخل أسوار الأجهزة، بالإضافة إلى ضعف المُعِدِّين وقِلة خبراتهم واتخاذهم المهنة كعلاقات عامة، فالمعد يفترض أن يكون مبدعاً ومثقفاً ومتابعاً لحركة الإبداع والمبدعين.
نعاني من تكرار الأوجه والأصوات حتى في البرامج السياسية والاجتماعية والمشاركات لا تخضع لتقييم، فيستمر الناجح مع الفاشل في الظهور ، للأسف الأجهزة تبحث عن مادة لتغطية زمن خارطتها البرامجية، وهذه المادة تأتي كيفما اتفق بدون إعداد جيد، وبالضيوف الخطأ في اغلب الأحوال.
ليست هناك استراتيجية واضحة للفعل الإعلامي فالإعلام يعمل برزق اليوم باليوم دون اجتهاد أو تثبيت رؤية برامجية متطورة ومواكبة.

* هل نتوقع تغييراً في هذا الاتجاه.. خاصة وأن هناك تغييرات كببرة تنتظم البلاد في كل المجالات بغض النظر عن النتائج؟
– التغيير يتطلب فكراً مغايراً ومغامرة مأمونة الجوانب. أنا أتحدث عن التغيير المطلوب في مفهوم الإعلام ودور الأجهزة الإعلامية في بناء الإنسان السوداني من جديد بعد أجيال من التغييب وسنوات من بث المواد التضليلية وصناعة مثقفين سلطويين والمساهمة بشكل كبير في قلب الهرم الإبداعي وتنكيسه وجعل راسه للأسفل.

* المشهد السوداني بشكل عام.. ثقافي، مجتمعي، سياسي ورياضي.. حسب قراءاتك كفرد من هذه المنظومة.. إلى أين؟
– كل المشاهد في البدء ترتبط بشكل أو بآخر بالواقع السياسي والاقتصادي، من المستحيل أن نتفوق رياضيا في ظل ظروف اقتصادية معقدة تعيق تنفيذ أي خطة للتطوير لضعف الموارد المادية، لنا زمان طويل نتحدث عن المدارس السنية والأكاديميات الرياضية وغيرها من الأشياء التي صارت من أساسيات كرة القدم كصناعة.
ثم إن الواقع المعقد هذا أتاح الفرصة لرأس المال الطفيلي ليتحكم في إدارات الأندية الجماهيرية ويتاجر بها دون العمل على رفع المستوى الفني أو بناء فريق مستقر لغياب الإدارة الواعية وتبديلها بمزاجية أشخاص ليست لديهم علاقة مباشرة بالرياضة.
عموماً نحن في مرحلة مفصلية تتجاذب فيها الآراء وتتعارك فيها الأفكار.
والانقسام واضح بين المكونات كافة أي أننا في مرحلة مخاض لا ندري إن كان المولود سيأتي مشوهاً أم سليماً.
المشاهد مرتبكة وضبابية وهي كلها في حالة ترقب متوجس لما سيؤول إليه البلد في مستقبله القريب.
نحن لسنا على اتفاق لا فكرياً ولا ثقافياً ولا سياسياً والحديث عن المشاهد بدون أن تصل لحالة من الثبات والوضوح من الصعوبة بمكان، فالكل متحرك إما متراجع وإما في حالة دوران حول نفسه إلى مرحلة الدوار والغيبوبة المتقطعة.
الثورة وهبتنا صفاءً نفسياً ودافعاً لتنظيم الصفوف، ولأننا شعب بتكوين نفسي هش ونعاني من اضطراب فكري، عدنا إلى فوضانا غير الخلاقة وكثُر الهرج وانطفاء ما بدأ يبرق في النفس.

* هل فشلنا كمجتمع وتجارب حُكم في تنوعنا الثقافي؟
– فشلنا في إدارة التنوع كمجتمع وسلطة، المجتمع بإنقساماته القبلية والعقائدية، هذه الإنقسامات منحت السلطة المطلقة لثقافة الوسط باستعلاء تام وهيمنة كاملة أدت لتهميش ثقافاتنا الحقيقية النابعة من تراثنا الشعبي، وهذا الوضع أنتج احتجاجاً ثم صراعاً ثم تمرد رعاه سياسيو مناطق التهميش وتعاملت معه الحكومة المركزية برعونة.
المهم أن قدرتنا على إدارة الأزمات ستصب إيجاباً في قدرتنا على إدارة التنوع، خلاف ذلك سيكون التنوع وبالاً علينا بالذات إذا ارتفعت من جديد الأصوات العنصرية.

* الكيانات الثقافية والأدبية كمثال (اتحاد الأدباء، اتحاد الفنانين، مجموعات الدليب ونادي الطنبور) وغيرها من هذه الأجسام هل هي وفية لمنتسبيها؟
وماذا ينقصها لتكتمل الصورة؟
– هى كيانات عبارة عن لافتات فقط، فالكيان الذي يفشل في كسب ثقة منسوبيه واستقطابهم يصير لا وجود فعلي له.
ينقصها تقديم مشاريع حقيقية ذات فائدة ملموسة في تطوير العملية الإبداعية وفي رعاية المبدعين والتعامل مع المبدعين بالعدالة الأخلاقية في الفرص التي تتاح للمشاركات الخارجية.
أيضاً التخلص من أبوية الأنظمة حيث الإقصاء وتمرير الأجندة وتحقيق استقلاليتها ليتسنى لها القيام بأدوارها المنوطة بها بحرية وشفافية.

* هل تعتقد انه بالإمكان قيام دولتنا السودانية بعيدا عن المحيطين العربي والأفريقي من حيث الإمكانيات والموارد بشكل عام؟
– في الوقت الراهن لا، فليست لدينا بنية اقتصادية تساعد على ذلك، فما زلنا في مرحلة محاولة إدارة الأزمات في السلع الضرورية والسعي لسد الفجوة التي ستلازمنا ربما لعقد آخر.
متى ما استطعنا إنتاج سلع تتجاوز الإقليمية للأسواق العالمية بالجودة المطلوبة يمكننا وقتها ركل المحاور والتكتلات.

* كيف أو بالضرورة ما هي طريقة التعبير المُفترض أن تكون بيننا لاتجاهين فينا (المكون العربي، الصوت الأفريقي)؟
– سياسيا يمكن الموازنة بين الاتجاهين والميول للإتجاه المفيد أكثر.
أيضاً يمكن الموازنة ثقافياً، فالغناء السوداني منتشر أفريقياً وبهذا الانتشار حصل وردي على لقب فنان إفريقيا الأول بينما يحظى إنتاجنا الأدبي بالاهتمام العربي لخاصية اللغة التي يكتب بها وللموضوعات ذات الطبيعة المتشابهة.
علينا أن نؤكد خصوصيتنا الآفروعربية وبدونها سنصبح منبتين لا أصل لنا ولا ملمح.

* نشكرك على صبرك علينا ورحابة صدرك وصراحتك المعهودة، وهناك سؤال أخير بعد تدشين ديوان (مرسوم أول لحبيبة استثنائية) بالمملكة العربية السعودية، جمهورك ينتظرك بالخرطوم فهل من بشريات؟
-الديوان طبعته دار نشر وشاركت به ضمن مطبوعاتها الأخرى في معرض الرياض، لم يكن تدشيناً بالمعنى المفهوم. المهم في الأمر أن نصيبي من دار النشر أخذته نسخاً وزعت بعضها للأصدقاء وماتبقى كنت أود أن أدشنه في احتفالية صغيرة وتركت الفكرة لكلفتها وللظروف الصعبة التي نمر بها وتمر بها البلد. وللعلم الديوان طبع مع بداية الثورة إبان العهد البائد. حالياً التدشين مكلف بالذات في الظروف الصعبة هذه.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!