https://www.dirtyhunter.tube

الشاعر والروائي الجنوب سوداني بوي جون:

113


غياب الأدب المكتوب باللغات المحلية أحد تحديات بناء الدولة الحديثة بإفريقيا
الرواية إحدى الأدوات التي يمكننا بها فهم التاريخ والمجتمعات لكنها ليست نصاً تاريخياً أو علمياً
بالنسبة لي الكتابة ليست احترافاً لكنها تتْمِمة للذات ولم أُفكِّر في الاعتياش عليها
لن أدفع مقابل نشر أعمالي بأي حال من الأحوال
في جنوب السودان أدباء محليون يؤلفون بلغاتهم المحلية وفقط يحتاجون لفك شفرة الأبجدية؛ لكي تُقرأ أعمالهم في سياقها الذي أنتجها
غياب شعراء أمثال نزار قباني ومحمود درويش كان له أثر في ابتعاد الشعر عن جمهوره وفي المقابل برز شعراء يحتاج القارئ إلى أن يصعد سلالم ليقرأ شعرهم ويستمتع به
+++++++++++++++++++++++++
أجراه: ميسون عبد الحميد- حاتم الكناني
على محيط نصه لا يزال يعيد بوي جون – الشاعر والروائي والقاص – على قارئه أن هناك دوماً قوة كامنة في اللغة، قادرة على إنتاج حقيقتها ومحاربة أوهام الحياة والناس؛ فأن تكون بروح طفل، يعني أن تطرح من الأسئلة أقساها وأوضحها، وأكثرها فضحاً لبنىً كاسدة.
وبالنسبة له فإن الكتابة هي تتْمِمة للذات واهتمام وليست احترافاً، فكما يقول في ثنايا الحوار: “لم أُقدِّم نفسي للعالم بوصفي كاتباً؛ لكنَّ الناس قدَّموني كذلك، وأنا لم أنفِ أو أؤكد”؛ وأيضاً يراوغ السؤال عن الشعر مرةً أُخرى حين يقول: “الشعر يعتمد على اقتناص اللحظة، التي يمكن تنقطع أو تتواتر؛ والشعر حالة قد تنقطع لسنوات، ولذا فإن إطلاق لفظة الشاعر ذاتها صعبة”.
أما الرواية – لديه – فهي “تحاول أن تقدم تاريخاً غير رسمي، وأن تفتح للناس آفاقها، فمهمة الرواية أو الكتابة السردية بصورة عامة، أن تُساعد الناس على العيش وفهم ذواتهم”.
++++++++++++++++++++

-النص رسالة متعددة الدلالات، وأنت تكتب هل تفكر في القارئ؟ هل هناك أشباح قراء؟
أعتقد أن عُزلة الكاتب التامَّة عن العالم شبه مستحيلة؛ فلأيِّ كاتب قارئٌ مفترضٌ، والقارئ المفترض في النهاية يشترك مع الكاتب في تجاربه وبيئته وقراءاته السابقة؛ لكن الأهم أن يكون الكاتب متفرغاً للكتابة، وغيرَ معنيٍّ بمآلات التأويل والتفسير بعد الفراغ من النص، وغير مسؤول عن كُلِّ التبعات المُتولِّدة عن النص بعد اكتماله. وأعني بكلمة (متفرغ)، أنه ينبغي أن ينكفئ على ذاته، وأن يكون في شبه عزلة عن العالم. القارئ يكون في اللاشعور، وكما علَّمنا سيجموند فرويد، فإن اللاشعور هو المكان الذي يتسلَّل منه القارئ الافتراضي والكتابات السابقة.
– أنت من الكتاب الذين حظوا بمنحة في الكتابة، كيف ترى الكاتب متفرّغاً في عالمنا الموسوم بالثالث؟
جميلٌ أنَّك خصَصتي بمصطلح (عالمنا الثالث) في سؤالك. في أوروبا والعالم المُتقدِّم الكتابة مهنة، مثل كرة القدم وكرة السلة.. عندما استخدمتُ كلمة تفرُّغ لم أعنِ التفرُّغ بالشكل الاحترافي، إنما قصدتُّ أن الكاتب – نقول بالدارجة – (ينجر) عزلته عن العالم؛ فمن الكُتَّاب من يقتطعون وقتاً من الليل، ومنهم من يأخذ إجازة بغرض الكتابة، ومنهم من يسافر مثلي. والكاتب في عالمنا (الثالث) مواجَهٌ بسؤال العيش فـ(بالخبز يحيا الإنسان)، ومحتاجٌ إلى مصدر رزق غير الكتابة لكي يواصل فيها. وهذا يطرح سؤالاً: أي مهنة هي التي تناسب الكاتب؟
-أنت طبيب؟
هناك أطباء كثرٌ يكتبون.. استيلا.. أمير تاج السر.. وغيرهم.. بالنسبة لي الكتابة ليست احترافاً لكنها تتْمِمة للذات، وأحد الاهتمامات، ولم أُفكِّر في الاعتياش على الكتابة.
-كأنك تنفي عنك وصف الكاتب، تنفي الاحتراف، إذا جاز التعبير؟
حتى الآن لم أُقدِّم نفسي للعالم بوصفي كاتباً؛ لكنَّ الناس قدَّموني كذلك، وأنا لم أنفِ ولم أؤكد. نعم، قدمت كتاباتٍ منذ بداياتي في الكتابة، مذ كنتُ في المرحلة الثانوية، ولم أظن في يوم ما، أن تُنشر كتاباتي في صحف الخرطوم، أو في أماكن أخرى؛ لكن بالنسبة لي حتى الآن المستقبل مفتوح.. في عالمنا، الكتابة اهتمامات، فمثلاً، كاتبان كبيران مثل تعبان لوليونق أو الطيب صالح، لم يستطيعا أن يكونا محترفَيْن بالمعنى الصريح، ولم يجعلا الكتابة مصدراً للرزق رغم الضجة الكبيرة التي أحدثاها.
– كيف تنظر لحركة النقد الراهن؟ ألا ترى أن النقد مُتخلِّف عن الكتابة كمياً ونوعياً؟
لا أُحبُّ أن أتكلم في النقد. وبشكل عام، أرى أن النقد والكتابة ناتجان عن الوسط الثقافي، وتخلُّفهما هو انعكاس للواقع. النقد ليس عملية مُستقلَّة، بذاتها، وإنما يعتاش على الكتابة، التي تعاني من ضيق قنوات النشر، وهذا ينعكس على النقد. نحن ما زلنا نعتمد على الكتب المُقرصنة. وبالنسبة لي فإن النقاد مظلومون كما أن الكُتَّاب مظلومون أيضاً، فليس هناك مجلّات متخصصة للنقد مثلاً.. ولذلك تجدني أتحسَّس من مقولة أن النقد مُتخلِّف عن الكتابة. في الآونة الأخيرة أعتقد أن النقد تقدم قليلاً وانفكَّ عن الشلليات والإخوانيات.. وعموماً لن ينصلح حال النقد أو الكتابة الإبداعية دون أن يتقدم الوسط الثقافي، وتتحسن إمكانيات النشر والوضع الاقتصادي العام.
-في الذاكرة العالمية للأدب، الشعراء يموتون باكراً مقارنة مع كتاب الرواية والقصة، ما تفسيرك؟
ألاحظ في الآونة الأخيرة أن الشعراء صاروا معمرين – لن نتكلم عن الشعراء الأحياء، مثلاً، الفيتوري، محمود درويش، سركون بولص، فلنخرج الأحياء منهم من القائمة!
أظن أن الأمر ينطوي على بعد آخر، وهو أن الشعراء أقرب للأنبياء من غيرهم من الكُتَّاب..
-أنت شاعر وروائي؟
نعم؛ لذا انتفت عني صفة الانتحار والموت المبكر.
-يقول الشاعر محمد عبد الحي (الشعر زرق من الله)، كيف تُفسِّر هذه المقولة؟
بغضِّ النظر عن مُختلف الاعتقادات، هذه المقولة مُعبِّرة، وربما قصد د.محمد عبد الحي أن الشعر لحظة. كُتَّاب النثر، كالرواية والقصة قد تكون لديهم جدولة وعادات وروزنامة للكتابة، أما الشاعر – بحسب تجربتي وآخرين أعرفهم – فيعتمد على اقتناص اللحظة، التي يمكن تنقطع أو تتواتر؛ ولذا أعتقد أن الشعر حالة وقد أن تنقطع لسنوات، ولذا فإن إطلاق لفظة الشاعر ذاتها صعبة.. لأن الشعر نبوءة، لذلك – ربما – لا يفضله الناشرون، وأعتقد أنه أصبح في أزمة، وكثير من الناس لا يفهمونه.

-ينحسر النشر عن الشعر كما ترى، في الآونة الأخيرة، لماذا؟
لأسباب كثيرة.. ولنتفق أولاً أنه ليس هناك تعريف محدد للشعر.. والأمر أيضاً له علاقة بنظام التعليم والمُقرَّرات الدراسية التي صارت لا تشجع على قراءة الشعر. أذكر أننا درسنا بالمقررات القديمة، كُتباً خاصة بالشعر والقصائد، ما نمَّى ذائقتنا، أيضاً فإن غياب شعراء من مثل نزار قباني ومحمود درويش، كان له أثر في ابتعاد الشعر عن جمهوره، وكان الشعر في حضورهم خبزاً يومياً للقراء، بالمقابل برز شعراء يحتاج القارئ إلى أن يصعد سلالم ليقرأ شعرهم ويستمتع به. وأعتقد أن قراءة الشعر الآن أصعب من قراءة الرواية.. فبمجرد أنك تستطيع القراءة العادية تستطيع أن تكون قارئاً للرواية؛ أما قراءة الشعر فتحتاج لتأمل وتفكير وإعداد معرفي.
-إذن، ما رأيك في قصيدة النثر؟
كتبتُ الشعر بكل أشكاله الكلاسيكية والحديثة، لكن للأسف ليس لي رأي نقدي في الطرائق والأشكال المُختلفة. أرى أن الشعر هو الشعر، طالما أنه نبوءة ولحظة شعرية. لا أحب الانشغال بالتعريفات، فهذا عمل النقاد.
-في روايتك كوميان، انشغالٌ بالتاريخ السياسي واللحظات الاجتماعية الفارقة في جنوب السودان، كيف تلتحم الرواية بالتاريخَيْن الاجتماعي والسياسي؟
ليست الرواية عملاً بريئاً من الإسقاطات الاجتماعية أو السياسية أو النفسية.. أتفق معك أن رواية كوميان – وكذلك جنة الخفافيش – بها اهتمام بتاريخ السودان السياسي في السيتينيات، التي أعتبرها فترة مهمة ومؤثرة في حاضرنا، أعني فترة إبراهيم عبود والانتفاضة الأولى، ويمكننا أن نرجع إلى تاريخ المهدية كما فعل ونجح حمور زيادة. الرواية – في رأيي – هي إحدى الأدوات التي يمكننا بها فهم التاريخ والمجتمعات، ولكنها ليست نصاً تاريخياً أو علمياً، بل تحاول أن تقدم تاريخاً غير التاريخ الرسمي، وأن تفتح للناس الآفاق، فمهمة الرواية أو الكتابة السردية بصورة عامة، أن تُساعد الناس على العيش وفهم ذواتهم.
-في بلد يكتب أدباؤه بالعربية والإنكليزية، أين هو موضع الأدب باللغات المحلية في جنوب السودان؟ كيف تنظر لهذا الجدل؟
فلنصغ السؤال بطريقة أخرى: في ظل الكتابات باللغة العربية والإنكليزية نجد غياباً للأدب المكتوب باللغات المحلية. وأعتقد أن هذا أحد تحديات بناء الدولة الحديثة بإفريقيا، الذي ارتبط بتوحيد قوميات عدَّة، مثلاً في كينيا استُخدمت اللغة السواحلية مقابل التضحية بلغات محلية أخرى، وفي نيجيريا وجنوب السودان تمت التضحية بلغات محلية لصالح لغات أجنبية كالعربية والإنكليزية، وكما يحدث في السودان أيضاً حلت لغة شبه أجنبية – إذا جاز التعبير – بهدف تكوين ما يُسمَّى بالوجدان المشترك الذي يحاول السياسيون صُنعه، وهذا ما ثبت خطأه. هناك كُتَّابٌ لديهم تجارب كتعبان لوليونق، الذي بدأ الكتابة بلغة أشولي وتوقف خوفاً من الانغماس في المحلية، رغم أنه قال إنه لو كتب بالسواحيلية أو لغة الهوسا لواصل الكتابة بهما. هناك أيضاً من يؤلفون بلغات محلية في جنوب السودان؛ لكننا في نفس الوقت نُعاني في السودان وجنوبه، وأفريقيَّاً ككل، من أُميَّة في لغاتنا المحلية؛ فاللغات المحلية تحتاج إلى إنعاش أولاً، من حالاتها الطقسية والتراثية، لكي تُكتب وتُفهم وتصير لغةً للعيش. نسبياً جنوب السودان أقل أمية باللغات المحلية، وفي ذات الوقت نجد أدباء يؤلفون بلغاتهم وقد تُصنَّف أعمالهم في خانة التراث والفلكلور، رغم أنهم في سياقاتهم التي ينتجون فيها يُعتبرون أدباء محليين، وفقط يحتاجون لفك شفرة الأبجدية؛ فكل عمل أدبي يُقرأ في سياقه الذي أنتجه.
-نحن وآخرون ننتظر صدور مجموعتك الشعرية؟
أنا أنتظر أيضاً معكم.. حتى الآن لم أجد من يطبع لي مجموعتي الشعرية.
-رغم أنك أصدرت روايتين حتى الآن؟
قدَّمت من قبل مجموعة وطولبت بدفع مقابل للنشر رغم أن أنني أصدرت روايتين دون دفع مقال للنشر. لن أدفع بأي حال من الأحوال. المسألة بالنسبة لي إبداع وبالنسبة لدور النشر مصدر رزق.

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!