الشريف حسين الهندي يكتب عن عروس الثورات

2

.. ولنستمع لشهادة ذلك القائد المغوار الشهيد الشريف حسين الهندي عن يوليو يقول:-
{ونحن لابد أن تعلموا أن أحلام يوليو وما حدث في يوليو.. وهذا حديثٌ آخر .. لم يذهب من رؤوسنا إطلاقاً.. كانت يوليو عروس العمليات.. كانت مجهزةً تجهيزاً لايمكن أن تجهّز له العروس ليلة الزفاف.. سلاحاً وتدريباً رجالاً وخطةً ونفوذاً إلى الصحراء.. وكل شيء.. ولم يكن لها أن تفشل إطلاقاً.. نحن نؤمن بالقضاء والقدر.. إذا أراد الله إفشالها فالله قادرٌ على ذلك ولكن.. السيد الصادق ليس منا.. ولم يكن بيننا.. ولم ير الرجال.. صنعنا كل الإحتمالات.. وضعنا لها رداً وحلول.. ومع ذلك فقد حدثت الخيانة في يوليو من بين صفوفنا.. نحن الذين لم نكن نعتقد أن الخيانة يمكن أن تؤتي ب.. أن يُدَسْ ضدك شخص.. أن تُخدع في شخص.. لكن الخيانة لايمكن أن تأتي من أعلي.. من أعلي الجهاز.. من رئاستو.. من الرجل الذي لو دخلنا السودان ظافرين.. يومذاك لكان قد أصبح رئيساً للسودان !! لأننا نحن لم نكن من هواة الرئاسة.. ولم نكن نريد أن نشاركه في هذا.. كان يعلم ذلك ، ولذا إستغربت كثيراً.. ما الذي يريده.. رئاسة أفريقيا؟ رئاسة العالم.. ياربي ؟ رئاسة ماذا؟}
ويمضي الشهيد الحسين في الحديث المسجل تليفيزيونياً وهو موجود ومتاح لأي أحد وشهوده وحضوره أحياء فيقول :-{ لأن دماء الخيانة هذه إذا جرت لاتوقف.. مع ذلك كانت الخيانة في قمة الجهاز.. تغيّر البيان الذي كتبه الأخ أحمد زين.. أنا لم أكن هنا [يقصد في لندن] كنت هناك في الصحراء وقت هذا وحدث لي ما حدث من حوادث.. البيان الذي كتبوه هنا عندما فتشوهم بالداخل لم يكن نفس البيان.. الخطة لم تكن نفس الخطة.. الإذاعة لم تكن نفس الإذاعة.. على فلان أن يحول دون الإتحاديين.. ودون كذا.. }.
وهذا الحديث ليس محض إفتراء.. ولا هو حديث إفتئات.. هو وقائع عاشها هذا الجيل وعاصر هذه الأحداث وشاهدها وهو حديث رجل رمز من رموز الوطنية السودانية عُرِف عنه الزهد والبعد عن المظاهر وحب هذه الدنيا الزائلة.. التي كان يسوقها بقرنيها.. وهي بعيدةٌ عن نياط قلبه ويعلم أنها دار زوال وليست دار قرار.. وهو ليس حديث صراع سلطةٍ أو خلافها وخطورته تأتي أنه يكشف التاريخ الأسود والوجه الحقيقي لرمز من رموز دولة الكرادلة الأحياء والذين لا يزالون يمارسون الهرطقة والشعوذة السياسية والأعيب الحواة ويلبسون لكل حالةٍ لبوسها وألفاظها ومصطلحاتها.. والخلاف الذي نشأ في فروع الجبهة الوطنية الأبرز.. لاحقاً بعد يوليو 1976م أثبت صدقية وبعد نظر وعمق رؤية الشهيد الحسين.. وثبت تاريخياً أن من أسرعوا لمصافحة النميري عندما لوّح لهم بفرية المصالحة الوطنية إنما ساقهم الوهم إلي سرابٍ بقيعةٍ يحسبهُ الظمآن ماءً. كلهم فشلوا في أن يصلوا الي السلطة لأنهم كما هم الآن لم يتغيروا ولم يتبدلوا .. فقد أسرعوا حينذاك إلي الخرطوم كلٌ منهم يداري سوءاته.. ويخفي أهدافه الخاصة ويخفي طموحاته المهترئة ويتحذلق ويبرر دخوله وإنكسار الصف وخذلان الرفيق وزميل السلاح !!.. ..
وكان تبرير السيد الصادق المهدي كما يرويه الشهيد الحسين { قال لي السيد الصادق.. أن النميري قد أُصلح دينياً ووطنياً ولذا لم أحتاج إلي أن أكتب معه حرفاً واحداً } ؟؟؟
وكان تبرير الدكتور عمر نور الدائم عندما سئل {أن المعارضة في الخارج أصبحت مستحيلة بعد توقيع النميري لاتفاقية الدفاع المشترك مع السادات!!} وكان تبرير الدكتور الترابي في كتابه الحركة الإسلامية في السودان صفحة 33 {إن العناصر الوطنية قد تعبت من طول الكفاح} وابتدأ الترابي كما يصفه الشريف الحسين {يمجدّ النميري ويؤلهه تأليها يخرجه من زمرة المسلمين ويدخله في زمرة الشعراء الكذابين الذين إمتلأ بهم تاريخ الأمة العربية!!} ويسجل الشريف زين العابدين هذا الموقف في رسالته التي أشرنا اليها سابقاً وبعثها للأستاذ فاروق حامد بقوله :- {اعتلي مسرح العبث فصيلٌ مايوي حلب أشطرها ثمانية أعوام قضاها في الإعداد والتخطيط والتربص.. وسجل بإستيلائه على السلطة المترنحة خيانته الثالثة في عمر تكوينه كانت الأولى للجبهة الوطنية إثر ثورة يوليو 76 المسلحة.. والثانية للنظام المايوي الذي أقسم على دستوره وإنخرط في مؤسساته ونصّبَ رئيسه إماماً للمسلمين في السودان ودعي له بالبيعة وزيّنها.. والثالثة خيانته لعهده للديمقراطية الثالثة.. ولم يجد في ذلك كبير عناء.. فقد ضعف الطالب والمطلوب !!}.
وذهب الصادقون إلي ربٍ غفور رحيم .. مضي الشهيد الحسين بعد أن دفع حياته ثمناً لمنافحته ونضاله الطويل.. كان يعلم أن الطريق الذي ساره وهو ملئ بالأشواك [ هو طريقٌ مقفلٌ عليه بالكفن ومسدودٌ عليه بالحنوط!!]كانت هذه كلماته بنصها وروحها ومعناها وثبت للناس أن من فارقوا طريق الجبهة الوطنية منذ ذلك التاريخ في 1977م ودخلوا زرافاتٍ ووحدانا ودخلوا تحت رداء الطاؤوس وإتحاده الإشتراكي إنما باعوا آخرتهم بدنياهم وباعوا قضية الوطن.. وباعوا أنفسهم وتواريخهم وأحزابهم بدءاً من السيد أحمد الميرغني والسيد الصادق المهدي والدكتور حسن الترابي والأب فيليب عباس غبوش مروراً بفلول الطلقاء المتناثرين هنا وهناك على أرصفة السياسة السودانية.. والذين جاءت واقعة إستشهاد الشهيد الحسين البطل بالنسبة لهم مثل قبلة الحياة لأنه لو إمتدت به الأيام حتي الإنتفاضة لما تصدروا النشرات ولما خرجوا من سراديبهم يواجهون الخزي والعار والتاريخ الملوث.. وكان لابد أن تكشفهم الأيام.. لأن الكذب حبله قصير..
فبعد قليل أدرك السيد الصادق المهدي أن ما حلم به.. لم يتحقق وأن المؤسسة القابضة على سدة الحكم بجانب النميري لآ تحتمل وجود من يزاحمها من أمثاله فتراجع وابتدأ ينتقد ويتقمص رداء القطب المعارض داخل المكتب السياسي للإتحاد الإشتراكي التنظيم الحاكم وفي منطقه تفكير آحاديه لا تحتمل وجود أقطاب أخري.. ومالبث أن إفترق الحليفان ووصفه النميري في خطبة بالأبيِّض شهيره بأنه ( الكــاذب الضِلْيل ) وهو تحريف لإسم الصادق المهدي !! وقد إنزوي السيد الصادق المهدي بعد ذلك الفراق.. حتي جاءته الفرصة التاريخية عندما أعلنت قوانين سبتمبر 1983م وإستشهد المنافس الرئيسي له والشاهد على ما فعله الشريف حسين الهندي في 9 / 1 / 1982م . أما الدكتور حسن الترابي فإنه لم يكن من أعضاء الجبهة الوطنية إنما كان الممثلين لتنظيم الأخوان هما من أكبر مساعديه ولما كانت السلطة هدفاً استراتيجياً للتنظيم العالمي للإخوان لتتحقق نظرية دولة المقر التي أجيزت في مؤتمرهم الذي عقدوه في جنيف عام 1968م وحددوا دوله من خمس دول لابد أن تقوم فيها دوله للتنظيم بعد أن يجتاز التمكين الاقتصادية وحددوا ذلك بعشرين سنه قادمه !! وكانت الدول الخمسه في ذلك الوقت هي الباكستان – وإيران – وليبيا –وأفغانستان – والسودان !!.. وتشاء الأقدار أن تقوم ثورة الفاتح من سبتمبر في 1969م فيتم استبعاد ليبيا.. ويقوم ضياء الحق بإنقلابه في الباكستان قبل الأوان فيتم استبعادها.. وينفرط عقد أفغانستان ويقفز ألروس إلي الصراع فيتم إستبعادها.. وتبقت إيران التي استبعدت لاحقاً بعد الثورة الشيعية فيها 1979م.. ولم يبق إلاّ السودان الذي كان فرس الرهان الأول لما يتمتع به من خصائص وقيادات هي أقرب لإمكانية تنفيذ المشروع الحضاري.. ولذا إستخدم فقه التقية والإنحناء للريح لإمتصاص الحماس وإلتقاط الأنفاس بهدوءٍ وتلصصْ وقناعةٍ وتربصْ!!
ولذا فإن خروج هؤلاء جميعاً من الجبهة الوطنية قد صححَ المسار وتم برء العمل الوطني وشفاؤه من علته وأمراضه ومضت الجبهة الوطنية بنفس صوتها العالي يقول الشهيد الشريف حسين الهندي {أن خروج هؤلاء من الجبهة قد زادها هذا صلابةً وجمّرها وقّواها وألهمها صمودها وتقواها}.. فتواصلت الإنتفاضات في الداخل بالبدء في التجهيز لإضراب كبير للسكة الحديد وإحتلال الفاشر ومظاهرات الأبيض وتقوّت علاقاتها الخارجية مع الدول العربية وغير العربية.. وتصدت مع دول الصمود والتصدي لكل محاولات الإستسلام في كامب-ديفيد.. ومحاولات دفن النفايات الذرية في البلدان العربية.. ومن ضمنها السودان وموريتانيا ووقفت ضد قوات الإنتشار السريع في منطقة الخليج العربي .. وضد الإحتلال الإسرائيلي والقمع السائد في لبنان.. وكانت الجبهة الوطنية السودانية في أقصي حالات سطوعها تمد جسور التواصل مع كل حركات التحرر في بلدان العالم وفي عالمها العربي من أقصي مشرقه القصي إلي أقصي مغربه البعيد في العين الحمئة!!
يقول الشهيد الحسين { ونحن متحالفون مع رصفاء لنا في الساحة العربية.. والبند الأول في تحالفنا هو القضية المركزية في فلسطين.. نحن الآن جبهة وطنية عريضة تضم الجبهة الوطنية اللبنانية وإخواننا المناضلين في فلسطين والجبهة الوطنية المصرية.. ونحن لدينا تحالف مع حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق.. ولدينا علاقات جيده وممتازه مع أشقائنا في ليبيا.. } .
وكان للجهود الشخصية التي بذلها الشريف حسين في معارك التحرير لبعض البلدان الأفريقية والمشاركة جنباً إلي جنب مع المقاتلين باباً لترسيخ روابط الدم بين السودان وتلك البلدان منها الكونغو وتشاد وأثيوبيا.. ةولذا كانت تحركاته وتحركات السودانيين عامةً تمتاز وتتمتع لعميق الإحترام والود والتقدير.. لأنهم رفقاء سلاح.. ورفقاء دم.. ورفقاء تحرير !! وهذا جانب مهم من شخصية الشهيد الحسين لازالت تدفنه صدور الرجال لكنه في ذاكرة التاريخ الأفريقي النقي.. وقلوب الشرفاء المناضلين الأحرار .. ولذا كان ختي أقرب الناس إليه لايعلم إلا ما أراده الشهيد أن يراه وهو جزء يسير من رجلٍ أطلق عليه إسم الرجل الجيش ONE MAN ARMY والرجل الوطن.. الرجل الأمة A NATION IN ONE MAN وهو تعبير فعلي عن رجلٍ كان يساوى جيشاً.. وعن رجلٍ كان وطناً متسع الأرجاء رحيب المساحة ممتلئاً بالعطاء والتجرد وحب الناس.. كان يمارس السياسة من ذهنية الصوفي والزاهد والعارف.. وياليت قومه كانوا يعلمون.. وفي وسط هذا الخضم اللجب جاءتها اللطمة القاسية وحدث قدر الله ومشيئته حين إختار إلي جواره آخر الشموس المضيئات وزهرة زعماء السودان في تاريخه الحديث.. الشهيد الشريف حسين الهندي في أثينا في 9 / 1 /1982م ورحل الحسين مثل نخله.. واقفاً عند بوابة النداء الوطني فرداً لامعاً كالسيف.. فأشجار النخيل تموت واقفة.. وتعيش وقفة.. وتمرُ بها أعتي الأعاصير وهي واقفة.. لاتعرف الإنحناء ولا المساومة ولا الإتكـاء.. مضي وهو يتحسس الآم المصابين والمحرومين والمحتاجين.. ويضمِّد جراح الوطن كله ويعّزيه في الصاحب المنتكس… في الزمان البئس.. والرفيق التعس.. !!
ولم يكن الشريف حسين الهندي في عمله الجبهوي.. منحازاً ولا متواطئاً مع فئةٍ أو قرابةٍ أو أشخاص ولو أراد لفعل !! كان منحازاً ومتجهاً بكلياته للوطن لأنه أدرك أن الخطورة الحقيقية إنما تكمن في ضياع الوطن عندها لن يكون هناك حزبٌ ولا وطن!! ولذا كان جهده كله وكل أحاديثه ومحاضراته لحث أعضاء الجبهة الوطنية وأفراد الشعب السوداني بأجمعه للخروج من الإرتباط بالأشخاص إلي الإرتباط بالمعني.. وكان يعمل على محاربة غربة الأرواح.. وغربة الإبتعاد عن الأرض.. لأنها ستكون الضربة القاضية وهي علامة هلاك النفوس.. ولذا كان يتحدث إلي السودانيين في مهاجرهم يحثهم على التمسك بتقاليدهم وسودانيتهم وبأخلاقياتهم وبإرتباطهم الوثيق بالبلد وبأهلهم..
وكان الحسين يحذّر من الإنحدار الأخلاقي والفساد في الذمم الذي ساد البلاد أكملها.. ، وأن إصلاح هذا الإنحدار سيكون من أصعب المعضلات التي ستواجه الناس بعد سقوط النظام.. وإستعمل الشريف الحسين أسلوب الكاسيت الذي إقتبسته منه الثورة الإيرانية فنجحت به أيما نجاح..
وكان الشهيد الحسين يعلم ويدرك المدي الواسع بينه وبين رفاقه وزملاء كفاحه ويحاول أن يقرِّب الفراسخ العديدة والأميال الطويلة التي تفصله عنهم من الحس والتجرد الوطني.. الراقي والزهد في المناصب بالتواضع الجم والخشونة في المأكل والملبس.. وأسلوب الحياة.. عملاً بصوفيته المتأصلة الجذور الراسخة المعاني الضاربة الأطناب.. . كان عندما يتحدث للأنصار أو للأخوان المسلمين أو للبعثيين.. كانوا جميعاً ودون إستثناء .. ينصتون إليه إنصات التلاميذ إلي أستاذهم.. إنصات الأبناء إلي أبيهم.. إنصات القاعدة إلي قائدها وزعيمها.. !!
وهم يعلمون.. ويحسون ويلمسون يده الحانية ويده العليا.. ونضاله اليومي معهم وسؤاله المتواصل على مدار الساعة عنهم بل ومعرفته الأصيلة والكاملة لأدق أدق تفاصيل حياتهم وبيوتهم وأسرهم.. فخلق منهم عائلةً كبيرة.. كلٌ منها يقسم بحميمية علاقته مع الشريف.. وصداقته الخاصة وهو طبع الشريف والأشراف جميعاً فتح العلاقات الطبيعية مع جميع الناس ولا أبواب مغلقة وتواضع جم وأدب .. مع كل الناس.. كل الناس.. .
لقد كانت صدمة الخيانة في يوليو 1976م مُرَّةً كالعلقم في حلقه.. بعيدة الأثر في نفسه الطاهرة الزكية المناضلة.. وكانت صدمة الخيانة في تصرفات بعض رجالات الجبهة الوطنية داخل السودان.. هي الطعنة الثانية التي تركت جرحها الغائر داخل نفسه النقية.. كان لسان الحال يقول مع الشاعر القديم.. :-
وصحاباً حسبتهمو سهاماً صائباتٍ.. فكانوها.. ولكن في فؤادي..
وإتخذتهمو سيوفاً عادياتٍ لقتــالي.. فكانوها… ولكن للأعادي .
وإننا إذ نفتح هذا الجرح الموجع فإننا نكتب عنه لأننا نؤمن بأن التاريخ لآبد أن يكتب ويقرأ بكثير من الشفافية والصراحة والوضوح والتجرد.. والعزم على فتح الجرح وإزالة الأنسجة الخربة .زمن أجل تنظيفها وتضميدها حتي يلتئم الجرح وتتعدل المسيرة.. وتنزاح غمامات لئيمه كثيره تزحم الجو وتزكم الأنوف بروائحها النتنة.. ومن هذه الممارسات :-
[ 1 ] إنغمس بعض القيادات بالداخل في درك التآمر والتخابر مع دولة أجنبية وأفشي بعض الأسرار التي وصلت إليه.. فقد إتصل أحدهم بسفارة دولة أجنبية مجاورة قبل حركة 2 يوليو 1976م وقال للملحق العسكري لتلك السفارة ( نحن يوم الجمعة الجايه.. عندنا حركه!!)وكان المسكين يستبق الأحداث ويظن بأنه سيكون صاحب الحظوة في الإبلاغ لسادته هناك إذا تمت بنجاح.. ولكنه كان يفتقد كامل المعلومة.. وتفاصيلها.. لأنه هو نفسه كان قد هرب من إجتماعٍ دعيت إليه 34 من قيادات العمل الإتحادي في الصحافة.. ولم يشارك في يوليو كما إدعي لاحقاً وقد دمغه الشريف حسين بالخيانة في شرائط الكاسيت وصدقت نبؤته فيه لأنه لم ينضم للحزب بعد الإنتفاضة أبداً .
[ 2 ] تكشفت مؤامرة تدار بحنكةٍ للأموال.. التي ترسل إلي الداخل لتسند الإضرابات والإنتفاضات خاصةً إضراب عمال السكة حديد والذي أُرسِلَت مرتبات العاملين فيه بالكامل لتكفل الإعاشة والسكن لخمسين ألف عامل لمدة ستة شهور على الأقل كان يجب منطقياً أن يسقط فيها أعتي الأنظمة وأقهرها وأقواها.. وتكشفت علاقات رؤوس كبيرة بالداخل وسماسرة.. وتنظيم لإعتقالات وشراء أراضي بمجرد وصول أموال من الخارج!! فتحدث دورة للمال أثناء إعتقال أمن النظام لهم وبالإتفاق فيما بينهم .. وبعد قضاء فترة بالسجن.. ترتفع أسعار الأراضي.. فيتم إطلاق سراح المتآمرين ليبيعوا الأراضي والمنقولات في نفس اليوم ويستفيدون من فرق الأسعار الذي طرأ ويتم تحويل المبلغ الأساسي ويذهب به المندوب للخارج.. فقد كان.. المناضلين بالسجن ولذا لم يتم تسليم الأسر معاشاتهم.. !!وهو عذرٌٌ أقبح من ذنب.. ولذلك كانت الفترة من 1978- 1981م من أخطر الفترات الهامة جداً للتمحيص وكشف الأوراق وإعادة النظر وتجلية الرؤية.. النضالية وإعادة التقييم للعمل ككل.. وكان الشهيد الحسين أكثر وعياً بالأرض التي تمور من حوله بثعالبها وذئابها وجرذانها.. وكان أكثر إيماناً بأن التجديد والتثوير لابد أن ينتقل إلي بناء صفٍ ثان.. وثالث.. ورابع.. يسهل عملية التسليم والتسلم وإستمرار الجذوة متقدةً.
كان الشهيد الحسين أكثر ألقاً وتألقاً وإنتماءاً.. وتحدث لكل فئات المجتمع السوداني في شرائطه الشهيرة التي سجّل أغلبها في زيارته الأخيرة للمدينة المنورة وأثبتت لاحقاً مدي عمق بصره وبصيرته ورؤيته المستقبلية.. وتنبؤاته بل حتي ألفاظه ومفرداته التي لازالت الآن تُشَكِلْ أغلب مصطلحات الساحة السياسية فقد تنبأ بسقوط النظرية الماركسية.. ولم يكن في الساحة حينذاك غير إضطرابات عمال الميناء ونقابة تضامن في بولندا !! وتحدث قائلاً أن النميري حاكمٌ ثقيل لن يزول إلا إذا إقتلع وسيهرب إلي المطار ويتمسك بالحكم رغم رفض الناس له.. وهو ما حدث فعلاً!! وتحدث عن (إنتفاضه) وعن ( تجمع ) وعن (إنقاذ) وهو ما ورثه الأقزام والمنتحلين والأفاكين وساروا به وهللوا..
وأراد الله أن يأفل هذا النجم وبارقة الأمل التي لاحت في نهاية النفق أملاً للحركة الوطنية كلها.. وفي اللحظة التي كان يمكن أن تصحح مسارات العمل التنظيمي والحزبي.. ولينتقل العمل الجبهوي كله في نقطة تحول تاريخية عبرت كثيراً من المناقشات والمداولات والاستقراءات وحشد لها قيادات العمل الحزبي الواعدة والمستقبلية !!فهل مات الحسين ميتةً طبيعية؟!! ومن المستفيد من رحيله الفجائي ؟؟وهذا ليس إتهاماً لأحد.. كما وأنه ليس إعتراضاً على مشيئة الله وقدره وقضائه فالموت حقٌ على كل نفس.. وهو الحقيقة الوحيدة في دنيانا الفانية.. لكنه التساؤل المشروع للجرح الذي لا يزال مفتوحاً.. والمكان الذي لا يزال شاغراً والغياب الذي لايزال مستمراً.. ولأن أبناء وزملاء ورفاق الحسين هم أولياء الدم وأصحاب الثأر الحقيقيون الذين يجب أن يكملوا المسيرة.. بنفس الروح ونفس الإخلاص.. ولأن ثأر الحسين هو ثأر أحرار السودان جميعاً من كل الطلقاء والمارقين والحواة والشرذمة المتعطنة وفئران البالوعات النتة الذين نراهم في ساحاتنا السياسية والذين يجب أن يعرفهم شعب السودان على حقيقتهم ليضعهم في أحجامهم الطبيعية الحقيقية وليحاربهم ويردعهم بالقوة والوضوح ويحول دون تكرار
مهزلة عودتهم للسلطة مرةً أخري.. مثلما فعلوا بعد الإنتفاضة في1985م!!
وحتي لو إستدعي الأمر حراسة الديمقراطية بصورةً ما.. إن ثأر الحسين لا يعوِضه القصاص ولا إطاحة رأس أو رأسين { فليس كل الرؤوس سواء} ولأنه ترك وراءه حزناً بحجم العالم كله.. هو مسئولية أبناءه وأولياء الدم ومسئولية الحزب الذي كان يريده.. ومعركته الأساسية والرئيسية.. وليتم صنع المستحيل الذي يخافه أولئك بعودة الحسين بهم لإكمال المسيرة فيستمر نهجه وتستمر مبادئه من الشرف والمروءة والإخلاص للدين وللوطن.. وليحول دون تلك الطغمة من مبتغاهم وأهدافهم وأراجيفهم وحتي تنتهي وللأبد عبادة الأوثان والأصنام العتيقة..
إنّ ثأر الحسين ليس مسألةً خاصةً ولا شخصية.. هو ثأرٌ مستمر ما إستمرت الديكتاتوريات المدنية والعسكرية.. وما إستمرت النظرة الآحادية وما إستمر أرباب الخيانة في الساحة.. وما إستمر الغيلان في الحياة.. ولن يتوقف إلا إذا توقف نبض هذه الحياة في العروق!!!

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!